هل تقيم إسرائيل الدولة الواحدة رغماً عن أمريكا؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ذ.داود عمر داود
كاتب من الأردن

 

 

مقابل الضغوط الأمريكية المتزايدة على إسرائيل، والمتواصلة منذ عقود، كي تقبل بحل الدولتين، نجد حكومة اليمين، برئاسة بنيامين نتنياهو، تسارع الخطى نحو حل الدولة الواحدة لليهود، من خلال إيجاد وقائع جديدة على الأرض، تشمل ضم الضفة الغربية، تمهيداً لتصفية القضية الفلسطينية.

دمج الكيانين

ما تقوم به حكومة العدو عبارة عن عملية «دمج» بين فلسطين الداخل، المحتلة منذ عام 1948، وبين الضفة الغربية، المحتلة منذ عام 1967، يجري تنفيذها بسرعة، ودون ضجيج، بإشراف أشد عناصر اليمين تطرفاً، وزير المالية بتسلئيل سموتريتش.
إذ يجري شق الطرق، وإصدار أُذونات العمل، للتوسع الاستيطاني، بشكل يومي، وبدون أي نقاش علني. يستهدف العدو تحقيق «سلام اقتصادي» يستند إلى نظرية «تحسين وضع الفلسطينيين المعيشي، كي يضمن الاستقرار الأمني على المدى البعيد، مما سيؤدي الى تسريع دمج الكيانين».
ويكشف باحثون إسرائيليون عن وجود مؤشرات أن العدو الإسرائيلي يقوم، بصمت، بعملية تغيير الطابع الجغرافي والديمغرافي، في الضفة الغربية المحتلة، عن طريق مضاعفة الاستيطان، والتوحيد الإداري بين البلدات، على جانبي الخط الأخضر، الفاصل بين الضفة والداخل الفلسطيني، ومن ثم إزالة السلطة الفلسطينية، تمهيداً لتحقيق الضم الفعلي والكامل، في خطوات متسارعة نحو «الدولة اليهودية الواحدة».

«خطة الحسم»

ما يقوم به العدو من الاستعجال في تنفيذ حل الدولة الواحدة هو تطبيق لـ «خطة الحسم» الجنونية التي وضعها وزير المالية «بتسلئيل سموتريتش»، والتي تقضي بتسريع وتيرة الاستيطان في الضفة الغربية، ومضاعفة عدد المستوطنين.
فوزارة مالية العدو توفر التمويل، بينما توفر وزارة دفاعه المعدات اللازمة، بهدف إقامة مزيد من البؤر الاستيطانية على رأس كل جبل، مع الاعتداء على الفلسطينيين، ثم تفكيك السلطة، وإيجاد حالة من الفوضى. وحينها سيضع العدو ثلاثة خيارات أمام الفلسطيني: إذا اختار المقاومة يُقتل أو يُسجن، وإذا اختار الخروج يُطرد، ومن يقبل بدولة اليهود الواحدة يبقى فيها بلا حقوق.
لكن تظل معضلة الإسرائيلي أنه واقع بين 3 رؤى متعارضة هي: حل الدولة الواحدة، أو حل الدولتين، أو «استمرار إدارة الصراع»، كما هو جارٍ منذ عام 1948.

المعروف أن وجهة نظر بريطانيا، التي أوجدت قضية فلسطين أصلاً، أن يتم حلها بإقامة دولة علمانية لليهود والنصارى والمسلمين. وقد جعلت بريطانيا هذه سياستها حيال قضية فلسطين.
ولذلك فان بريطانيا عرقلت تنفيذ قرار التقسيم عام 1947، وأقامت دولة واحدة فقط (لليهود)، في العام التالي 1948، فيما عُرف بمؤامرة النكبة. ثم جرى إلحاق القسم الآخر المخصص لدولة فلسطين شرقي الأردن، فيما عُرف بوحدة الضفتين.
وأبقت بريطانيا المسألة الفلسطينية عالقة حتى حرب عام 1967، حين سقطت القدس وباقي فلسطين بيد العدو الإسرائيلي. وكانت النتيجة أن أصبحت هناك دولة واحدة، في كل فلسطين، هي إسرائيل. ولما قامت منظمة التحرير الفلسطينية جعلت من ضمن ميثاقها ما ينص على أن هدف المنظمة هو إقامة دولة علمانية واحدة في كل فلسطين.

دولتان منفصلتان

والمعروف أيضاً أن أمريكا تسعى منذ الأربعينيات لحل قضية فلسطين على أساس إيجاد دولتين منفصلتين، يهودية وعربية. تمثل ذلك بقرار التقسيم، الذي جعلته أمريكا أساساً لسياستها حيال قضية فلسطين، وهي تسعى جاهدة لفرضه، منذ عقود، بينما تعرقله بريطانيا.
وترى أمريكا أن هذا هو الحل الوحيد الذي يضع حداً نهائياً للصراع، وتأمل من خلاله «تحجيم إسرائيل»، ولجمها داخل حدودها، ومنعها من التدخل في شؤون المنطقة وحرمانها من العبث في الإقليم، وجعلها كأي دولة أخرى عادية في محيطها.
ما يهدف إليه الأمريكيون هو تعطيل دور إسرائيل الاستراتيجي كـ»أداة استعمارية» ضاربة، تُبقي النزاعات والصراعات مُشتعلة في المنطقة، كما أرادت لها السياسة البريطانية الاستعمارية، في منتصف القرن التاسع عشر، عندما بدأت تسعى لإقامتها في فلسطين. بمعنى أن تبقى إسرائيل «خميرة عكننة» في المنطقة، كما وصفها الشيخ متولي شعراوي رحمه الله، في تفسيره للمسألة اليهودية في القرآن الكريم. فدور «العكننة» هو أهم جانب من جوانب الدور الوظيفي لإسرائيل.

توازن القوى

كمستعمرين جدد، تنبه الأمريكيون، منذ البداية، لدور «العكننة» الذي تقوم به إسرائيل، وأرادوا وضع حدٍ له.
وهذا ما فعلوه عندما أجبروا إسرائيل وبريطانيا وفرنسا، عام 1957، على سحب قواتها من سيناء، التي احتلتها خلال «العدوان الثلاثي» على مصر، في العام الذي سبق.
وكانت النتيجة أن جعلت الولايات المتحدة الأمريكية من هذه الحرب نقطة تحول في تحديد توازن القوى في النظام العالمي، في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. فاستغلت «حرب السويس»، كي تتصدى، في عهد رئيسها دوايت أيزنهاور، للمستعمرين القدامى، الإنكليز والفرنسيين وربيبتهم إسرائيل.
وبذلك تكون قد وضعت حداً لاستئثار فرنسا وبريطانيا بالنفوذ الدولي وفرضهما سيطرتهما على باقي الدول.
سُمي قيام أمريكا بإضعاف نفوذ بريطانيا وفرنسا في الشرق الأوسط والعالم، بـ «مبدأ أيزنهاور»، الذي استهدف أن تملأ أمريكا «الفراغ» بدلاً منهما. ومنذ ذلك الحين والمنطقة عالقة وسط صراع دولي عنيف، على النفوذ والثروات فيها.

وقد قررت كلٌ من مصر والسعودية وسوريا والأردن آنذاك، في قمة رباعية في القاهرة، «أن لا تعارض مبدأ أيزنهاور رسمياً، وأن تعمل في الواقع على الحيلولة دون تطبيقه». ورغم ذلك، كان لصدور «مبدأ أيزنهاور» دورٌ حاسمٌ في تراجع نفوذ فرنسا وبريطانيا، فيما صعد نجم أمريكا كقوة استعمارية مهيمنة.
يجري هذا الصراع الدولي المحموم، لتصفية قضية فلسطين، في غياب تام لإرادة العرب والمسلمين. وأضحت القضية عبارة عن كرة تتقاذفها أرجل اللاعبين. لكن هذا لا يغير من الواقع شيئاً أن حق السيادة على فلسطين هو للعرب والمسلمين، مهما تقلبت الأيام والسنون، لا تنزعه مؤامرة أو معاهدة أو اتفاق، أو أي شكل من أشكال الاحتلال. ففلسطين هي للعرب والمسلمين وليس للمحتلين الغرباء، مهما طال الزمن.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...