هل هو سلام منسي بين البحرين وإسرائيل؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

د.أحمد الجندي
كاتب مصري، أستاذ الدراسات اليهودية والصهيونية في جامعة القاهرة

 

لا يخفى ما للبحرين من أهمية كبيرة بالنسبة للإسرائيليين؛ فعلى الرغم من صغر المساحة الجغرافية للمملكة الخليجية، فإن موقعها الاستراتيجي المتاخم لإيران، ووجود مقر الأسطول الأميركي الخامس على أراضيها، يعطيانها أهمية كبيرة لا غنى عنها لإسرائيل بعد عقد اتفاق أبراهام، أضف إلى ذلك البعد الدعائي الذي تؤكّد إسرائيل من خلاله اندماجها في المنطقة، وتمكّنها من أن تكون أحد أكبر اللاعبين فيها.

وقد كتب الباحثان في معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، إيلان زيليت ويوئيل جوزانسكي، يصفان السلام مع البحرين بأنه منسيّ، وأن العلاقات بين تل أبيب والمنامة، رغم اتفاق أبراهام، تسير في طريق مسدود. وأرجعا ذلك إلى عاملين، أحدهما بسبب المعارضة الداخلية القوية في البحرين للعلاقات مع إسرائيل، والآخر نتيجة سياسة الحكومة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، والاعتداء على المقدّسات الإسلامية. يضاف إلى ذلك أن المكاسب الاقتصادية التي كانت البحرين تتوقّع أن تعود عليها كانت أقلّ من المتوقع. وتفيد المقارنة بأن التجارة بين الإمارات وإسرائيل في عام 2021/ 2022 وصلت إلى حوالي 2.5 مليار دولار (من دون حساب تجارة الماس)، بينما تراوح حجم التبادل التجاري مع البحرين حول 20 مليون دولار فقط؛ وتركّزت معظم الصادرات الإسرائيلية إلى البحرين في مجالات اللؤلؤ والماس والمعادن الثمينة، والمواد الكيميائية. وتصدّر البحرين إلى إسرائيل في المقابل موادّ خام ووقوداً.

أما سياحياً، فقد زار مليون إسرائيلي الإمارات في عام 2022، مقابل بضعة آلاف فقط زاروا البحرين. وعلى الرغم من أن الأسباب الاقتصادية بشأن قلة الفائدة التي تعود على البحرين مقارنة بالإمارات تعود إلى أن الإمارات مركز عالمي للطيران، ووجهة وسيطة للرحلات الجوية بين الشرق والغرب، فإن هذه الأسباب، السياسية والاقتصادية، أدّت إلى دخول العلاقة بين البلدين، كما يقول الباحثان، حالة من الركود، وصلت في يوليو/ تموز الماضي إلى قرار بحريني بتأجيل زيارة كانت مقرّرة لوزير الخارجية الإسرائيلي، إيلي كوهين، إلى المنامة، وبرّرت المنامة قرارها بقيود فنية، لكن المرجّح أن سبب التأجيل يعود لزيارة وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، الحرم القدسي قبل يوم من إعلان تأجيل الزيارة إلى سبتمبر/ أيلول الحالي.

من الواضح أن ما يظهر على السطح من برود في العلاقات يعود بالأساس إلى البحرين

ويعتقد المتابعون أن السبب الأكبر لفتور العلاقات “المزعوم” بين تل أبيب والمنامة تصرّفات بعض وزراء حكومة نتنياهو، وخصوصاً بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، تجاه الفلسطينيين، والتي أثرت سلباً في التعاون بين بعض الدول العربية وإسرائيل؛ فألغت المغرب منتدى النقب الاقتصادي في يونيو/ حزيران الماضي، وأرسل وزراء خارجية دول الخليج رسالة إلى وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، يدينون فيها تصريحات سموتريتش ضد الشعب الفلسطيني، ويطالبون الولايات المتحدة بالتدخّل لدى إسرائيل لوقف تصرّفاتها العدائية.

ومن الواضح أن ما يظهر على السطح من برود في العلاقات يعود بالأساس إلى البحرين؛ إذ إنها، على عكس دولة الإمارات، لديها برلمان ومجتمع مدني قوي، فضلاً عن تأثير جمعية الوفاق (الشيعي) البحريني في الرفض الشعبي للتطبيع الذي لا يقل عند البحرينيين السنّة أيضاً، والذي يجعل من المألوف أن يهتف البحرينيون في صلوات الجمع “الموت لإسرائيل” تزامناً مع الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين أو المقدّسات الإسلامية في القدس، مثلما حدث في مايو/ أيار الفائت، ما دفع الصحافي الإسرائيلي، يوني بن مناحيم، إلى التساؤل: هل هذا هو التطبيع الذي نريده؟ في إشارة إلى استمرار العداء الشعبي العربي لإسرائيل. … وتتحدّث استطلاعات الرأي العام البحرينية أخيراً عن تراجع دعم اتفاق أبراهام بين المواطنين؛ حيث كان 40% منهم ينظرون إليها بشكل إيجابي عند التوقيع في عام 2020، ثم تراجعت هذه النسبة حالياً إلى النصف.

ألغت وزارة التعليم البحرينية في مايو الماضي تعديلات كانت قد اتخذتها على المناهج الدراسية الحكومية لتخفيف العداء تجاه إسرائيل

جانب آخر يجب الانتباه إليه؛ إذ لم تكن الصعوبات على المستويين الدبلوماسي والاقتصادي، فحسب، بل امتدّت إلى إلغاء وزارة التعليم البحرينية في مايو/ أيار الماضي تعديلات كانت قد اتخذتها على المناهج الدراسية الحكومية لتخفيف العداء تجاه إسرائيل، وإضافة دروس تتناول اتفاق التطبيع مع إسرائيل، وجاء هذا الإلغاء نتيجة عريضة تقدم بها عدد من مشايخ الدين البحرينيين تقول إن التعديلات تعدّ “مساساً جسيماً غير مسبوق بثوابتنا وقيمنا وانتمائنا، وتغييباً واضحاً لقضية المسجد الأقصى.. وهو أمرٌ مرفوض لدينا رفضاً قاطعاً”. وعلى إثر هذه العريضة، أجرى ولي العهد البحريني، سلمان بن حمد، وقفاً فورياً لهذه التعديلات. ويرى الإسرائيليون أن سبب برود العلاقة لا يعود إلى قوة المجتمع المدني البحريني فحسب، بل أيضاً إلى شعورٍ بخيبة أمل لدى البحرين لا ينبغي أن يستهين الإسرائيليون به.

ولكن ذلك لا يعني، بالطبع، انغلاق الأبواب أمام التعاون السياسي والتجاري؛ فقد ذكرت قبل شهور مواقع إسرائيلية عدة أن محاولات التوصّل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والسعودية كانت تتم بوساطة وزير الخارجية البحريني، عبد اللطيف الزياني. كما أن وزير السياحة الإسرائيلي الحالي، حاييم كاتس، كان أول وزير عن الحكومة الحالية يزور المنامة في يونيو/ حزيران الماضي، بدعوة من نظيرته البحرينية، فاطمة الصيرفي، ورافقه وفد ضم مسؤولين عن قطاع السياحة في إسرائيل، من أجل ترويج عروض سياحية لتشجيع زيارة السياح الآسيويين إسرائيل عبر باقات سياحية لقضاء العطلات لمدة ثمانية أيام تشمل زيارة البحرين ودبي وإسرائيل. وشهدت المنامة في مارس/ آذار الفائت عقد أول مؤتمر مشترك لرجال الأعمال البحرينيين والإسرائيليين، شاركت وزارة الصناعة والتجارة البحرينية في تنظيمه، وشارك فيه أكثر من 600 رجل أعمال من الجانبين، من أجل فتح آفاق التعاون الاقتصادي بين البلدين. وخلال الافتتاح، أذيعت كلمة مسجّلة للرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، أشاد فيها بالعلاقات بين البلدين، وألقيت كلمات عدّة تثمن التعاون المتزايد في جميع المجالات منذ توقيع اتفاق أبراهام.

الثقل الجغرافي والديمغرافي والأهمية في المنطقة هي التي تتحكّم في حجم التعاون بين إسرائيل والبحرين

تضاف إلى ذلك بعض الزيارات السرّية التي يقوم بها مسؤولون عسكريون إسرائيليون للبحرين؛ كزيارة رئيس الأركان الإسرائيلي، هرتسي هاليفي، في فبراير/ شباط الماضي، التي كانت صحيفة يديعوت أحرونوت قد أشارت إليها في ذلك الوقت، فضلاً عن وجود ممثل عن البحرية الإسرائيلية في المنامة للتنسيق في التعاون الأمني. وهذا بالطبع غير الزيارات المعلنة لمسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين.

قد تكون العلاقات البحرينية الإسرائيلية محدودة بالفعل مقارنة بعلاقة إسرائيل بالإمارات، لكنها ليست منسيةً كما يقول بعض الإسرائيليين، فمثل هذا القول يأتي في إطار التجاذبات الداخلية في إسرائيل، وتصوير الحكومة بالفشل في كل الملفات. كما يجب ألا يُنسى أن اتفاق أبراهام وقعته حكومة إسرائيلية كان يقودها حزب الليكود بزعامة نتنياهو. لكن كل ما في الأمر أن الأزمة الداخلية التي تعيشها إسرائيل بسبب التعديلات القضائية تؤثر بالطبع في أداء وزراء الحكومة، إلى جانب أن الثقل الجغرافي والديمغرافي والأهمية في المنطقة هي التي تتحكّم في حجم التعاون بين إسرائيل والبحرين، خصوصاً لو قارنا بين أهمية الإمارات والبحرين بالنسبة لإسرائيل، وكلاهما يتشاركان الموقع الجغرافي ذاته تقريباً، من دون أن ينفي ذلك بالطبع أن العوامل الداخلية في البحرين هي عوامل ضغط تؤثر في تفاعل البحرين مع الشأن الفلسطيني بطريقةٍ تختلف عن دول عربية أخرى.


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...