بكين ونيودلهي: توتر متحكم فيه

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

د. مدى الفاتح
كاتب سوداني

 

 

مفاجأتان ارتبطتا بقمة دول «بريكس» الأخيرة في جنوب افريقيا، كانت الأولى هي استبعاد بحث الوصول لعملة بديلة عن الدولار من أجندة الاجتماعات، أما الثانية فتعلقت بمسألة العضوية الجديدة، التي رأى فيها كثيرون دليلا على وجود أزمة.

الأزمة المقصودة تتعلق بالتأخير في قبول الأعضاء الجدد والتشاور، الذي استمر لوقت طويل بسبب التنازع الداخلي، خاصة بين الهند، التي يهدد قبول مزيد من اللاعبين الأقوياء دورها، والصين، المنافسة، التي كان يخشى من أن تسعى لقبول الدول التي توافق رؤاها، ما يحول المنظمة لنادٍ يتبنى وجهة النظر الصينية في العلاقة مع الآخر.
كان واضحا من الاستقرار على قبول دول تتمتع بعلاقة طيبة مع الهند، وبموقع معتدل في السياسة الدولية واستبعاد دول مقربة من الصين أن الخلاف لم ينته، وأن التنافس بين كل من الهند من جهة وروسيا والصين من جهة أخرى، ما يزال قائما.

الهند، التي يحتل اقتصادها المرتبة الخامسة عالميا، والتي بدأ عدد سكانها بتجاوز عدد سكان الصين، كانت شهدت نهضة خلال العقد الأخير على صعيد البنيات التحتية والخدمات. اليوم تحاول الهند الاستفادة من علاقة الصين المتوترة بالعالم الغربي، ومما تعانيه غريمتها من تقييد بسبب الحرب التجارية والتكنولوجية المفروضة عليها من قبل الولايات المتحدة، من أجل أن تطور علاقاتها وتطرح نفسها كبديل آمن للتجارة والاستثمار.

استفادت الهند من أزمة كورونا، التي أرهقت كاهل قطاع الصناعة والاستثمار الصيني، واستطاعت إقناع شركات كثيرة ومصانع بالانتقال إلى مدنها، كما استفادت من خطاب الصين، المتحدي للغرب بطرح نفسها كدولة صديقة للأوروبيين والأمريكيين، وأقدر على خلق شراكات متوازنة معهم. الواضح هو أن هذه السياسة نجحت، حيث باتت الهند إحدى الدول المقربة من الولايات المتحدة، التي تعمل اليوم على الترويج لها وتشجيع المستثمرين على التوجه إليها، بل تشير أنباء لدعم الولايات المتحدة لحصول الهند على مقعد في مجلس الأمن الدولي. الهند النشيطة في كل من مجموعتي «بريكس» والعشرين الصناعية، لم تسع لكسب الغرب وحده، بل خلقت شراكات مختلفة مع دول الجنوب النامية، التي تحاول إظهار نفسها بينها كأخ أكبر. هذه السياسة المزدوجة والمنفتحة جعلت الهند تحظى بمكانة دبلوماسية عالمية لا تتوفر بالقدر ذاته للصين. بالنسبة لمجموعة «بريكس» فإن الأخطر من تناقضها الملحوظ، عبر جمعها بين دول مطاردة من النظام الدولي وأخرى حليفة للغرب هو وصول هذا التناقض لدرجة التوتر والاقتراب من المواجهة، كما حدث الأسبوع الماضي بين بكين ونيودلهي، حين تم الإعلان عن انتشار عسكري هندي على الحدود مع الصين، بسبب ما قامت به الأخيرة من نشر لخريطة جديدة رأت فيها الهند اقتطاعا من أراضيها. الخريطة الرسمية الصينية الجديدة لا تضم فقط مناطق تسبب التنازع حولها في حرب شهيرة بين الصين والهند في عام 1962، وإنما تتجاوز ذلك لقضم أراضٍ من دول مجاورة أخرى على رأسها روسيا. على خلاف الهند، فإن روسيا، المشغولة بأزمتها في أوكرانيا، لم تظهر رغبة في التصعيد، معتبرة أن الأمر يمكن أن يحل عبر التشاور واتفاقيات حسن الجوار. في المقابل رأت الهند، التي تحاول فرض هيبتها كقوة إقليمية، وجوب أن تظهر تأهبها وجاهزيتها لأي سيناريو. يعيد هذا إلى الأذهان التدهور في العلاقة بين قيادتي البلدين منذ أحداث عام 2020، الذي يرى البعض أنه تسبب في غياب الرئيس الصيني عن حضور قمة العشرين، التي عقدت قبل أيام في الهند. وجهة النظر الصينية هي أن هذه الخريطة ليست جديدة، وأن مطالبة بكين بهذه المناطق البرية والبحرية ظلت ثابتة منذ عقود. ما حدث من نشر لهذه الخريطة محل الجدل لما تحتويه من مناطق تنظر إليها دول أخرى على أساس أنه أجزاء تابعة لها، ليس بهذا المنطق سوى عمل روتيني متكرر. هذه المطالبات كانت في الغالب سلمية ولم تنتج عنها سوى توترات عسكرية محدودة مع الهند مثل ما حدث في عام 2020، التي شهدت بشكل نادر سقوط أعداد من القتلى في مناطق حدودية. بالنسبة للهند، فإن المطالبة هذه المرة مختلفة، ربما لأنها جاءت في وقت تصاعد فيه التنافس على الهيمنة الإقليمية والدولية بين الدولتين، وهو تنافس يجعل الهند، التي تدرك أن الصين اليوم تختلف في مكانتها عما كانت عليه قبل عقود، تظهر تحسبا للأسوأ. على المستوى الواقعي استطاعت الصين أن تفرض نفسها كصاحبة الصوت الأعلى في أغلب أنحاء آسيا، خاصة في بحر الصين الجنوبي. يمكننا أن نذكر هنا ما حدث من توتر الشهر الماضي مع الفلبين، إبان اعتراض الصين لإحدى السفن الفلبينية. الفلبين كانت قد قدمت شكوى لدى المحكمة الدولية في لاهاي حول الادعاءات الصينية بتبعية مناطق بحرية حدودية لها. لم تسفر نتيجة التحكيم المؤيدة للفلبين عن أي تغيير لسياسة وضع اليد الصينية الراهنة، والتي لا تغضب الفلبين وحدها، وإنما كل البلدان المطلة على البحر، الذي تتعامل معه الصين كمياه إقليمية خاصة. الأمريكيون كانوا وعدوا بدورهم الفلبين بالتدخل العسكري في حال تمت مهاجمتهم، لكنه وعد يصعب التحقق من جديته أو الاعتماد المطلق عليه.

في تقييمهم للقوة العسكرية الصينية كثيرا ما يذكر الخبراء أنها لا تضاهي، بأي حال، القوة الأمريكية، بمعنى أنها لن تكون القوة الأعظم في المستقبل المنظور. يذكر أيضا أن الصين ومع كونها الجيش الأهم في آسيا، والأكثر تقدما على مستوى الصناعات الدفاعية، إلا أنها تظل بلدا بلا خبرة عسكرية ميدانية، بمعنى أنها ليست كروسيا مثلا، التي تخوض حروبا شبه متصلة منذ وقت طويل. هناك عوامل داخلية أخرى يجب النظر إليها أيضا، فالحزب الحاكم الصيني، الذي بنى شرعيته على النهضة والتقدم الاقتصادي والطفرة، التي أخرجت الملايين من دائرة الفقر، يشعر مع التراجع الاقتصادي الحالي بانسحاب الشرعية من تحت يديه، ما يدفعه لتعويض ذلك بالمبالغة في الدعاية القومية والوطنية المرتبطة بالعداء للآخر، الذي يشمل دولا مثل اليابان والهند والولايات المتحدة، والتي هي للمفارقة الشريك الاقتصادي المهم والسوق، الذي لا يمكن الاستغناء عنه بالنسبة للصينيين. وفق التقارير الاقتصادية، وبالإضافة إلى التزايد في نسبة البطالة، فقد تراجع الاقتصادي الصيني على صعيد سوق العقارات والاستثمار بنسبة كبيرة لم تفلح معها المحاولات الحكومية للدعم والإنقاذ. هذا الاقتصاد الهش سوف يتأثر سلبا بأي صراع مع دول الجوار، خاصة الهند.

من جهة أخرى، فإن الهند، وبخلاف أن انفاقها العسكري العام وترسانتها تظل أضعف إذا ما تمت مقارنتها بالصين، فهي أيضا تعاني من آثار الحرب الأوكرانية. وجه التأثير هو اعتماد الهند على السلاح الروسي، الذي يجعلها الآن في حاجة لكثير من الأسلحة وقطع الغيار والمعدات، التي لا يمكن توفيرها.
استنادا إلى ما سبق يمكن وصف التوتر الحالي بين الهند والصين بالمتحكم به، والذي تحاول عبره القيادات في كل طرف إرسال رسائل للداخل تبين فيها أنها حريصة على سيادة البلاد، وأنها لن تتنازل عن أي شبر فيها. مع ذلك يظل التوتر قابلا للانفجار، إذا ما توفرت اشتراطات الحرب، وهي اشتراطات تعلمنا تجارب الحاضر المنظور أنها ليست بالضرورة منطقية أو عقلانية.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...