شقاوة الطفولة في قصص «زهريت» للأردني رمزي الغزوي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ذ.موسى إبراهيم أبو رياش
كاتب أردني

 

 

تدور معظم قصص مجموعة «زهريت» لرمزي الغزوي، حول الطفولة وشقاوتها، هذه الشقاوة المعادل للبراءة والبساطة وخلو البال، والأحلام قريبة المنال، والعالم المحدود، والفرح بلا حدود، والغضب سريع الزوال، والحب للجميع، والصراحة وتسمية الأمور بمسمياتها، والنشاط والانطلاق. هذه الشقاوة التي عشناها ذات طفولة منذ عقود خلت، وبقي القليل منها في هذه الأيام، وغالبا في الأرياف. يعيدنا الغزوي إلى أيام الطفولة وثرائها الجميل، وإلى الشقاوة التي اختفت تقريبا أو كادت، فقد تغيرت الأحوال والظروف، وسرقت التكنولوجيا والتطور المذهل براءة الطفولة، بل سرقت الطفولة نفسها، وطمست الألعاب الجميلة، والعلاقات الدافئة، والفرح لأبسط سبب، واختفت الطفولة تقريبا من الساحات والشوارع لصالح الألعاب والتطبيقات الإلكترونية، ومواقع التواصل والإنترنت، وتحول الأطفال – كما الكبار- إلى جزر معزولة، تعيش وحدتها، وإذا اجتمع طفلان أو أكثر لا حديث بينهما إلا الألعاب والتطبيقات الإلكترونية، وإذا لعبا فبها، يدورون حول أنفسهم، يحرمون من جمال العالم، ورحابة الفضاء، وزرقة السماء، والتناغم مع الكائنات الجميلة المنبثة في كل مكان.
مجموعة «زهريت» هي الرابعة للغزوي، وتتكون من اثنتين وخمسين قصة أو مشهدا قصصيا، ومعظمها نصوص قصيرة، وقد صدرت في عمّان، عن دار ورد، عام 2019، ثم عن وزارة الثقافة عام 2021. وتتناول هذه المقالة شقاوة الطفولة في ثلاث من قصص المجموعة.

قبضة الصابون

يذكرنا الغزوي في هذه القصة بطقوس الحمّام الأسبوعي، ومن عاش في القرى قبل أربعة عقود أو أكثر يذكرها جيدا، فكان الحمّام وتغيير الملابس مرة واحدة في الأسبوع، ومع ذلك كان عملًا شاقًا غير مرغوب، مع أن نتائجه رائعة ومحببة إلى النفس «لا نحبه رغم أن رائحة جلودنا بعده تكون فوّاحة تعجبنا، ويعجبنا أكثر مفرق شعرنا اللامع بالزيت، وتعجبنا جدا خدودنا الكرزية الناضجة». وقد كان ما يرافقه من تعنيف وعقاب من أسباب عدم الرغبة فيه، ومحاولة التهرب منه أو تأخيره وإن لساعات أو أقل. فقد كان الحمام فرصة للأم لجرد حساب طفلها ومحاسبته على كل ما اقترف طوال الأسبوع، فلديها كل أعماله، وهو يظن أنه في مأمن من بعضها: «الأم تبدأ بسنِّ الصابون على ليفتها؛ ليرغي كغيم كثيف، وقبل أن تدعكك أول دعكة، ستتلو عليك محضر التهم، وسجلَّ الذنوب، وعمليات الإفساد التي نفذتها طيلة أسبوع: لماذا طيّنت وجه بنت الجيران وشددت جديلتها؟ ولماذا صفّرت في فحص الحساب؟ وكيف تعربشـت عـلى دالية أم محمود، وقطعت قطف حُصرم؟ وكيف تبصبص على غرفة سميحة من ثقب المفتاح؟ ولماذا سطوت على قنِّ أم سعيد وسرقت بيضتين؟».

بعد تلاوة محضر الاتهام، يتم تنفيذ العقوبات مباشرة دون النطق بالحكم، فالجرم ثابت، ولا مجال للاستئناف أو الاسترحام: «خلال تلاوة المحضر، عليك أن تتوقع زخاتٍ متفرقةً من الصفعات الرنانة على عريك الزلق، وبعضا من القرصات اللولبية الفاركة، وأن تتهيأ لشد خديك مع إمكانية إيصالهما إلى يافوخ رأسك. وإن كان جُرمك كبيرًا؛ فلربما ستسقط على ظهرك قبضة مدججة بـلـوح الصابون الكبير». نتيجة لهذا الحمام وما رافقه «فستغدو نظيفا من جهتين اثنتين؛ فستكون بلا أوساخ تذكر، حتى لو حاولت أن تفرك جلدك بأصابعك؛ لتصنع فتيلا صغيرا، كما تفعل دائما. والأهــم أن سجلك سيكون أبيض جاهزا لتسجل شرورا سوداء جديدة، لن يبيّضها إلا حمّام قادم».
يسجل الغزوي في هذه القصة تفاصيل دقيقة، عشناها أو بعضها أو أكثر منها، يصورها بعدسة سينمائية، ليس من باب العتاب أو إدانة الأمهات، بل حنينا إلى تلك الأيام وبساطتها وجمالها، وما عقاب الأمهات إلا حب وتربية وحنان وتقويم، لمسنا أثره، وعرفنا جميلهن وفضلهن، وأنه كان عقابا مغموسا بالحب، عقابا من أجلنا وحرصا علينا، ويا ليت تلك الأيام تعود، وتعود الأمهات وعقابهن الجميل.

كواتم القمح

في هذه القصة، يذكر الغزوي موقفا لا يُنسى، فقد احتال بطريقة ذكية لصيد دجاجات أم رشيد، دون أن يصدرن أي صوت، وهن اللواتي تملأ إحداهن المدى قوقأة إذا باضت، أو حاول أحد أن يأخذ بيضتها. ونجح الأصدقاء الأربعة في صيد الدجاجات الثماني دون صوت، واختاروا منهن اثنتين سمينات، وأطلقوا سراح البقية، وانتبذوا ركنا قصيا وشووا الدجاجات، ولما عاد إلى بيته مع الغروب: «وحال دخولي البيت، تنزلت أقوال عصا أبي الرجراجة، وسجلت حضورها اللاذع على صفحات جسدي، دون سؤال أو جواب أو حتى محاكمة صورية، ودون أن تقترب أمي لتحميني من هذا الويل كعادتها، بل كانت تقول بتشفٍ واضح: ألا يعجبك إلا الدجاج المسروق يا ممحوق. الدجاج يملأ بيتنا، ولم تجدوا إلا أم رشيد لتقربوا حماها؟ بعد يومين من النقع بالفراش مصبوغا بالوجع الحارق، وعدم القدرة على التحرك، عرفنا أن العقوبة كانت موحدة على أجسادنا نحن الأربعة الشوائين، وأن أم رشيد صار لديها أربع عشرة دجاجة بدل الثمانية، فقد نالت دجاجتين من كل بيت من بيوتنا».

تحمل القصة مضامين كثيرة؛ تربوية وأخلاقية واجتماعية، فأهل الأطفال لم يشككوا بأقوال أم رشيد، ولم يدافعوا عن أطفالهم ظالمين ومظلومين، كما يفعل معظمنا اليوم، بل سلموا بادعاء أم رشيد، وأنزلوا العقاب الشديد بأطفالهم، فالسرقة جريمة وعيب، خاصة إذا كانت في حق جار، وسرقة الطفل إن تُركت دون عقاب، فسيكبر سارقا محترفا. وحتى يُعلّموا الأطفال درسا فقد مَنحت كل أسرة أم رشيد دجاجتين بدل الدجاجتين المشويتين. تعويض كبير، يعبر عن حجم الأسف والاعتذار، والحرص على حقوق الجار، وأن كل خطيئة بحقه لا تغتفر. وقد يتساءل البعض؛ هل العقاب والتعويض يتناسب مع حجم الجريمة، خاصة أنها جريمة أطفال؟ المسألة هنا ليست موضوع مناسبة وحجم، بل موضوع تربية وترسيخ أخلاقيات، والإعلاء من شأن القيم والعلاقات الاجتماعية التي تحافظ على ترابط المجتمع وقوته ودفئه، وأي خلل في ذلك سيفسد هذا المجتمع ويخلخله، فلا طبطبة على أي خطأ من جانب الأطفال إذا مس الجار، ولا تسامح مع اليد التي تمتد إلى أمواله وممتلكاته، والأفضل أن تُضرب هذه اليد مبكرا، قبل أن تطول أكثر وأكثر فتلتهم الأخضر واليابس.

طبشة البيّاع

يذكر جيلنا «طبشة البياع» أو «زيادة البياع»؛ فعندما كنا نشتري أي شيء، كان البائع يمنحنا شيئا فوق البيعة، مثل حبة ملبس أو قطعة علكة أو قليل من القضامة، أو حبة راحة، أو بالون، أو.. ويسجل الغزوي ذلك في قصته هذه، ويذكر موقفا طريفا لطفل مسكين فقير، ينحشر بين الأطفال ويصخب وينادي، كأنه سيشتري نصف الدكان، «وحين يسأله الشيخ (البائع) عما يُريد، ممسدا على بطيخته الملساء، كان يخفض صوته ليقول لاثغا: (أنا بدي طبثة بياع يا ثيخ). وكان ينال فوق الضحكات المجلجلة، حفنة فستق عبيد، ويمضي مسرورا».

تصور هذه القصة طيبة نفس البائع، وكرم أخلاقه وسماحته، فهو لم يطرد الطفل، أو يعنفه، ولم يرده خائبا، وهو الذي لم يشتر شيئا، بل لاطفه، ومنحة كمشة من الفستق، فانصرف الطفل سعيدا. يسترجع الغزوي ذلك، ليقول لنا؛ إنها أخلاق القرية، أخلاق أيام زمان، التي نفتقدها اليوم، بعد أن طغى الجشع والاستغلال وفقدان الرحمة من القلوب، إلا من قلة تكاد لا تبين، هنا وهناك.

هذا غيض من فيض هذه المجموعة الجميلة الطريفة التي تنتصر للطفولة التي غادرتنا ولم نشبع منها بعد، وربما لم يعشها بعضنا، وما تسجيلها لشقاوة الطفولة، إلا لأن هذه الشقاوة البريئة هي التي تمنح الطفولة نكهتها وروحها وذكرياتها المحببة إلى النفس، على الرغم مما واكب بعضها من آلام وحرمان وعقاب وجراح، فقد ذهب الألم، وبقيت الذكرى والحنين إلى أيام مضت، مضت وذهب من كانوا فيها الحياة لنا والحب ونبع الحنان والحضن الدافئ والسند والملاذ. وقد نسج الغزوي قصص مجموعته بلغة جميلة، وسرد سلس، ترسم الابتسامة على وجه القارئ، وتفجر فيه الحنين، واسترجاع الذكريات، والترحم على ما فات.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...