لماذا تتجاهلون هذا الخطر الرهيب: هل أنتم متواطئون؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الدكتور فيصل القاسم
كاتب واعلامي سوري

 

 

 

تستأثر قضية المخدرات وترويجها والاتجار بها، وتعاطيها، وبسبب خطورتها الفائقة على الصحة العامة ومستقبل الأجيال والمجتمع بشكل عام، باهتمام كافة الوكالات والمنظمات الدولية المعنية وكل تلك الدول المتضررة منها مباشرة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي أغرقتها «كارتلات» المخدرات الأمريكية الجنوبية بشحنات لها أول وما لها آخر، وتُعقد لذلك الجلسات والمشاورات والاجتماعات الأممية والإقليمية والبينية بين الدول لمناقشة سبل درء ذاك الخطر الداهم والقاتل والمدمـّر، وحين يصل «البل للذقن» كما يقال، تـُتخذ أحياناً تدابير صارمة ومتشددة، بلغت حدّ الغزو العسكري لبنما في العام 1989 من قبل قوات «المارينز» واحتلال الجزيرة واعتقال وجلب ديكتاتور بنما، يومها، «مانويل نورييغا 1934-2017 م» للعدالة الأمريكية وسجنه حتى الموت في إحدى زنزاناتها، فيما تم قتل بارون المخدرات الكولومبي الأشهر بابلو أسكوبار، متزعم «كارتل» ميدلين، من قبل السلطات الكولومبية في العام 1993، في عملية أمنية معقدة، بتواطؤ ودعم استخباراتي ولوجستي مباشر من الـC.I.A، لكن، وعلى ما يبدو، وبكل أسف فإن الأمر يختلف، كثيراً، ولسبب مريب وغريب، عندما يصل لـ«نورييغا» و«بابلو أسكوبار» الشام صاحب ومؤسس كارتل «الكبتاغون» الذي ينتج علناً في مصانع معروفة للجميع في الساحل السوري وسهل البقاع اللبناني و«باروناته» يصولون ويجولون علناً وبمواكب رسمية في شوارع دمشق واللاذقية والضاحية وبحماية ميليشيا «البارون» ماهر الأسد المعروفة باسم «الفرقة الرابعة» ويـُغرِقون أسواق المنطقة والعالم بالسم القاتل، في تحد صارخ لكل المنظومة والمجتمع الدولي، فحين يصل الأمر لملك «الكبتاغون» (المدلل) في قصر المهاجرين، تعطي الدول والمنظمات والوكالات الدولية الأذن «الطرشاء» لذلك، ولا تتخذ ضده أي إجراء، وهي ترى المخدرات تفتك بأجساد الأجيال الغضة والناشئة الصغار وتـُدمـّر مستقبلهم وحياتهم بمنهجية وإصرار وعلى عينك يا تاجر ويا مجتمع دولي، فيما بات الحديث علناً عن اقتصاد «الكبتاغون» الذي يجعل النظام واقفاً على قدميه، إذ يدر على العصابة الحاكمة أكثر من خمسين ملياراً من الدولارات سنوياً وفق تقدير الهيئات والمنظمات المختصة.

ولا يكاد لا يمر أسبوع، وربما يوم، إلا ونسمع عن ضبط شحنة مخدرات بالأطنان في هذا البلد العربي أو ذاك، ناهيك عن عشرات الشحنات الأخرى التي تصل إلى وجهتها بسلام، وكلها قادمة من سوريا التي تحولت إلى عاصمة المخدرات في العالم بامتياز. والكل يعرف أن من يقف وراء هذه الظاهرة غير المسبوقة تاريخياً في المنطقة هو النظام السوري وحلفاؤه الإيرانيون وميليشياتهم، وطبعاً بالتعاون مع أذرعهم الكثيرة خارج المنطقة في أنحاء متفرقة من العالم، فهم لا يعملون لوحدهم، بل مرتبطون بجهات أكبر وأخطر منهم، فهي تدعمهم وحتى تحميهم سياسياً.

وفي بداية الأحداث في سوريا قبل أكثر من عشر سنوات قرأت كلاماً لباحث عراقي مخضرم قال فيه «إن نظام الأسد في دمشق لن يسقط، لأنه محم من أعتى كارتيلات المخدرات في العالم». للأمانة لم أصدق هذا الكلام وقتها، لا بل سخرت من الباحث العراقي، لكنني اليوم وأنا أرى كيف طغى اسم وسمعة أسكوبار الشام في تجارة المخدرات على أسكوبار كولومبيا المقتول واحتل مكانه وتربع على عرش هذه «الممنوعات» صرت متأكداً أن النظام السوري يستمد بعضاً من قوته من حلفائه وشركائه صانعي ومروجي المخدرات في العالم. لاحظوا رغم إعادته إلى الجامعة العربية ورغم كل ما فعله بسوريا والسوريين، خرج علينا رأس النظام قبل مدة ليهاجم العرب ويتحداهم، ويرفض التنازل لهم، وخاصة في قضية المخدرات، وبدل أن يتراجع قليلاً عن إغراق المدن العربية بالكبتاغون، ضاعف شحناته إلى البلدان العربية، وقد اعترف وزير الخارجية الأردني قبل أيام بأن النظام السوري بدأ يرسل مزيداً من شحنات المخدرات إلى الأردن بعد التقارب بين البلدين وبعد عودته إلى الجامعة العربية. ولا ننسى أن الاستخبارات السورية كانت تهرب المخدرات إلى الأردن منذ عقود بكل الطرق الشيطانية بما فيها عبر ليّة الغنم.

وتشتكي الحكومة العراقية يومياً من وصول عشرات الأطنان من المخدرات إلى المدن العراقية، مع العلم أن النظام العراقي حليف للنظام السوري ويمده بالنفط والدولارات منذ سنوات وسنوات، ويدعمه سياسياً في كل المحافل العربية والدولية. وحدث ولا حرج عن البلدان الخليجية التي تصلها الشحنات بكل الأشكال والألوان، مرة عبر الرمان ومرة عبر الكابلات الكهربائية ومرة عبر البرتقال ومرة عبر البطيخ، مع العلم أن بعض العواصم الخليجية سارعت لدعم النظام ورفع الحصار عنه، لكنه كافأها بهجمة مرتدة، فمن أغرق الأسواق السورية بالمخدرات ونشرها حتى في المدارس الابتدائية بين الأطفال السوريين وباعها على أرصفة الشوارع لن يتوانى مطلقاً عن تدمير بقية الأطفال والشباب العربي في بلدان عربية أخرى.
لم تعد قضية المخدرات مجرد مناكفات سياسية بين النظام السوري وبعض الدول العربية، لا أبداً، بل صارت قضية حياة أو موت بالنسبة للكثير من الشعوب العربية، فنسبة الإدمان على المخدرات في بعض البلدان المجاورة وصلت إلى مستويات قياسية مرعبة، وبات الناس بالشوارع يرون العجب العجاب في تصرفات بعض المتعاطين. وأحياناً يتجنب المارة الاحتكاك بالآخرين في شوارع بعض المدن العربية، لأنهم يعرفون أن الغالبية باتت تتعاطى الكبتاغون السوري، ومن الأفضل الابتعاد عنها خوفاً من مخاطرها. وقبل أيام نشرت وكالات الأنباء خبراً يقول إن أحد الشباب قتل أمه بعد تعاطيه جرعة من الكبتاغون، وبعد أن صحا من تأثير المخدر سألوه: «لماذا قتلت أمك» فقال: «أنا لم أقتل أمي، بل قتلت شيطانة» فقالوا له: «لا بل قتلت أمك» فأغمي عليه وبدأ يجهش بالبكاء.

وهذا مجرد نموذج بسيط لآثار هذه الآفة الفتاكة التي تجتاح العالم العربي من المحيط إلى الخليج. ولا ننسى الآثار المستقبلية للمخدرات من الناحية الصحية، فهي تدمر الدماغ، ونحن هنا نتحدث عن تدمير أدمغة جيل كامل من البشر، وهي كارثة تاريخية بكل المقاييس، فهل هذا ما تريده الأنظمة العربية لشعوبها؟ لماذا تتعامل مع هذا الخطر بهذه الخفة واللامبالاة؟ لماذا لا نسمع منها سوى الشكوى الخجولة من طوفان المخدرات التي يأتيها من دمشق وطهران والضاحية الجنوبية في بيروت؟ أليس الحديث عن إسقاط طائرات مسيّرة تحمل مخدرات هو لذر الرماد في العيون والضحك على الذقون؟ هل تستطيع المسيّرات أن تحمل أكثر من كيلويين من المخدرات أصلاً؟ ألا تصل الشحنات الكبرى إلى وجهاتها عبر أنفاق آمنة وطرق مفتوحة؟ هل بات العرب عاجزين وصاروا يتوسلون أسكوبار الشام كي يرأف بحالهم وحال شعوبهم، أم إن بعضهم متواطئ ومستفيد من هذه التجارة المليارية؟ عندما طرحت استفتاءً على الفيسبوك فيما إذا كانت بعض الأنظمة العربية متورطة في لعبة ترويج المخدرات، جاءت معظم الردود بالإيجاب، والبعض قال إنها مستفيدة بطريقتين، الأولى أنها تجني مرابح لا بأس بها من هذا التجارة مع عصابات الشام وطهران، والثانية أن بعضها لا تمانع في إلهاء شعوبها بالكبتاغون وسائر أنواع المخدرات الأخرى كي تبقى الشعوب «مسطولة» لتكتفي شرها وتبعدها عن المجال العام. لا بل إن البعض ذهب أبعد من ذلك متهماً الأنظمة بالتنسيق مع عصابات المخدرات السورية، أي أن هناك تواطؤاً أصبح واضحاً بين المنتج والمشتري والمستهلك. يا لها من جريمة تاريخية نكراء إذا تأكدت صحتها فعلاً! هل يعقل أن تضحي تلك الأنظمة اللاوطنية بشعوبها كي تبقى جاِثمة على كراسيها بأمان واطمئنان؟

في الماضي كانت بعض النساء تجد علاجاً ناجعاً جداً للمولود الجديد الذي يبكي كثيراً. كانت تشتري دواء فيه مادة منوّمة ومخدرة وتعطيه للطفل، فينام ساعات طويلة ويريحها من البكاء والصراخ. واليوم ونحن نرى حجم الانتشار الرهيب للمخدرات في بعض الدول العربية وارتفاع عدد المروجين والبائعين والمتعاطين إلى مستويات قياسية وسط لامبالاة حكومية صارخة، بدأت أتذكر ما كانت تفعله بعض النساء مع أطفالهن كي ترتاح من بكائهم!

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...