إيران والعرب: مستقبل لا يبشر بخير

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

الدكتور فيصل القاسم
كاتب واعلامي سوري

 

 

 

سادت الأجواء الإعلامية على مدى الأشهر الماضية موجة من التفاؤل الحذر حول تخفيف التوتر بين إيران والعرب، بعد تقارب ين طهران وبعض دول الخليج، وقد ظن البعض أن صفحات الخلافات والصراعات القديمة قد طويت، وأن مستقبلاً من التعاون والمشاركة والانفراج سيكون عنوان المرحلة القادمة في المنطقة، لكن هل هذا هو القادم فعلاً، أم أن الجمر مازال مشتعلاً تحت الرماد؟ إذا أردتم أن تعرفوا الإجابة، دعكم من التصريحات السياسية الرسمية بين المسؤولين الإيرانيين والعرب، فهي فقط للاستهلاك السياسي والإعلامي، ولا تعبر مطلقاً عن واقع الحال بين الطرفين، وعلى الأغلب فهي ليست أكثر من استراحة محارب قصيرة جداً، بدليل أنك إذا أردت فعلاً أن تعرف أين تسير العلاقات العربية الإيرانية، ما عليك إلا أن توجه ناظريك إلى الأبواق الإعلامية الناطقة باسم الإيرانيين والعرب على مواقع التواصل وفي وسائل الإعلام المختلفة الأخرى، فهي أكثر صدقاً وتعبيراً عن واقع الحال وأكثر إيحاء بنوعية المشاعر العدائية المتبادلة.

وهنا لا بد من التأكيد على أن أصوات الأبواق الإيرانية والعربية من صحافيين وإعلاميين ونشطاء وفنانين ليست أصواتاً تعبر عن نفسها فقط، بل تعبر عن مشغليها، فمن هو الصحافي أو الإعلامي التابع لهذا الطرف أو ذاك يستطيع أن يهاجم أو ينتقد الطرف الآخر بشراسة من دون ضوء ومباركة من مشغليه وأسياده؟ دعكم من نكتة أن هذا رأي خاص ولا يمثلنا. على العكس تماماً، فإن تصريحات المعلقين والصحافيين تكون عادة أكثر مصداقية وتعبيراً عن الواقع من تصريحات السياسيين، فالسياسيون عادة ملزمون بعبارات معينة لأن كل كلمة يقولونها محسوبة عليهم وعلى دولهم، أما تصريحات الأبواق فهي تستغل كونها ليست ملزمة، وتعبر بشكل غير مباشر وغير رسمي عن المواقف الحقيقية لهذا الطرف أو ذاك. وهذا ما نراه في تصريحات الأبواق الإيرانية هذه الأيام، وخاصة العراقية واللبنانية والسورية واليمنية، فكلها تهاجم العرب بشكل حاد وأكثر خطورة من قبل بكثير، بينما يحاول المسؤولون العرب والإيرانيون الضحك على ذقون الناس بتصريحات ظاهرها حلو وباطنها أمر من العلقم. ولا ننسى هنا طبعاً أن الإيرانيين سادة التقية السياسية.

من جانبها فإن الأبواق العربية، وهي الممثل الشرعي والصادق الوحيد للأنظمة العربية، تشيع اليوم بأن التقارب العربي الإيراني الأخير، ليس تقارباً حقيقياً، بل هو تكتيكي لإخراج العرب من أية مواجهة قادمة بين الغرب وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. بعضهم يقول إننا تقاربنا مع إيران لتجنيب بلادنا وشعوبنا ويلات الانتقام الإيراني في حال نشبت الحرب بين إيران والغرب لاحقاً. لكن لا أدري مدى نجاعة هذه السياسة العربية، خاصة وأن أبواق إيران اليوم تهدد إسرائيل لا بالذهاب إلى غزة للقتال ضد الإسرائيليين، ولا حتى بإشعال جبهة جنوب لبنان أو سوريا ضد إسرائيل، بل بمهاجمة بعض دول الخليج التي يعتبرونها جزءاً لا يتجزأ من الحرب الإسرائيلية على غزة حسب رأيهم. وقد سمعنا أحد أبواق إيران المعروفين المقربين من الحرس الثوري الإيراني قبل أيام وهو يهدد بعض الدول الخليجية على قناة روسية بأشد وأوضح العبارات.

وعندما سأله المذيع: «هل ستشاركون في الحرب ضد إسرائيل نصرة لغزة» فقال: «نعم سنشارك، لكن ليس بمواجهة إسرائيل، بل بمواجهة بعض البلدان الخليجية التي نعتبرها داعمة للعدوان الإسرائيلي على غزة». هل تريدون أن تقولوا لي إن مثل هذا المعلق وسواه يستطيع أن يتفوه بهذا الكلام الخطير من دون ضوء أخضر إيراني رسمي؟ طبعاً لا.
استمعوا إلى تصريحات المسؤولين الحوثيين هذه الأيام، فسترونها أكثر عدوانية في لهجتها ضد الخليج من السابق. وكذلك الأمر بالنسبة لممثلي إيران في الإعلام اللبناني، فلم يتغير شيء في عدوانية وحدة التصريحات ضد من يسمونهم «الأعراب. ولا تنسوا أن ميليشيات الحشد الشعبي العراقية التي تديرها إيران لم تذهب إلى جنوب لبنان أو سوريا لمواجهة إسرائيل بشكل مباشر، بل تدفق الآلاف من الحشد الشعبي إلى منطقة طرابيل على الحدود العراقية الأردنية في إشارة واضحة إلى أن الحرب في حال تطورت وتوسعت ستكون بين إيران وبعض الدول العربية، تماماً كما توعد نجاح محمد علي في مقابلته على قناة «روسيا اليوم» وقناة «المستقلة».
وقد جاءت حرب غزة لتزيد الطين بلة بين إيران والعرب، وقد استغلتها طهران للضغط على العرب، فمنذ سنوات وهي تسلح وتمول وتحتضن جماعات عقائدية (مجتمع الحاء) حزب الله اللبناني، والحشد الشعبي العراقي، والحوثيين وغيرهم تحت شعار «تحرير القدس» وما أن حانت لحظة الحقيقة في غزة أعلنت إيران أنها ليست لها أية علاقة أو تدخل في هذا الصراع. بعبارة أخرى فإن إيران أشعلت شرارة غايتها أن تكون نتائجها إقحام العرب في هذا الصراع من خلال أدواتها التي تحركها، وقد يخرج هذا الصراع من حدوده الحالية إلى دول أخرى تسعى إيران فيها إلى بث فوضى كبيرة بما يمكنها من تدمير تلك الدول أو تأخيرها والإضرار باقتصاداتها وإضعافها.

ولو انتقلنا إلى الأبواق العربية، سنجد أن الموقف الرسمي العربي بدوره لم يتغير تجاه إيران قيد أنملة، فما تخفيه التصريحات الرسمية وراء الابتسامات العربية العريضة والترحيب الحار بالتقارب مع إيران أمام المسؤولين الإيرانيين تفضحه أبواق الأنظمة العربية عندما تفتح نيرانها بشكل أشد وأعتى على مشاريع إيران في المنطقة. ولو نظرت إلى بعض الأبواق العربية خلال حرب غزة لسمعت العجب العجاب ضد إيران وميليشياتها، حتى ضد حماس نفسها التي يحسبونها على إيران. والمضحك والمفضوح في الأمر أن العرب يرحبون بإيران ويدعونها إلى اجتماعاتهم، بينما تقوم أبواقهم في الآن ذاته بمهاجمة حماس إعلامياً بشدة معتبرين إياها ذراعاً إيرانياً، ويحملونها مسؤولية الخراب الذي حل بغزة والفلسطينيين ولن يسمحوا بانتصارها على الإسرائيليين، لا بل إن بعض أبواق إيران يتهمون العرب باعتراض سبيل الصواريخ التي يطلقها الحوثيون على إسرائيل، ويعتبرون ذلك مشاركة عربية حقيقية ضد غزة.
ماذا يمكن أن نتوقع على ضوء ذلك؟ هل تسمح أمريكا للصين وروسيا بإدارة دفة الصراع في المنطقة بين إيران والعرب ضد أمريكا ومصالحها، أم إن واشنطن ستبقى تتلاعب بالبعبع الإيراني وأدواتها العربية في المنطقة وتستخدمها ضد بعضها البعض بما يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل، خاصة وأن ذلك البعبع حقق للأمريكيين والإسرائيليين في العراق وسوريا ولبنان واليمن ما لم تحققه إسرائيل نفسها؟

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...