طريق البخور القديم في كتاب صور بغدادية قراءة في كتاب “صور بغدادية” للرحالة “فريا ستارك “وترجمة “صباح صديق الدملوجي.”

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ضحى عبدالرؤوف المل

 

 

 

تختفي الفروقات بين الرحالة والانسانه عند “فريا ستارك ” من حيث الطبيعة الاستكشافية التي تستفز احاسيس امرأة أدركت قيمة التأمل الانعزالي الذي تحدثت عنه في كتابها صور بغدادية الصادر عن “المؤسسة العربية للدراسات والنشر ” مكرسة جل وقتها لمعرفة المجتمع العراقي وخفاياه مع مشاركة المجالس النسائية، مجسدة فترة من تاريخ هو الماضي بسرد دقيق مرسوم حسيا بكلمات كاتبة اتقنت التصوير والوصف، والسرد كرحالة تؤرخ لوجود عاشته في اماكن متعددة إذ تقول:”إن سر السفر لا يكمن في تكريس الذات للرحلة وحسب بل إنه يتطلب تهيؤاً فكريا لترك ماضي الفرد جانباً.” فالمسألة استكشافية بحتة لرحالة تبحث عن المجهول في عوالم الشرق الأوسط، وبكينونة كاتبة تمرست صحفياً في ابراز قدراتها الكتابية عن شعب صورته في مقالاتها، وقبل كل ذلك في ذاكرتها التي تحتفظ بالكثير الكثير مما لم تكتبه في كتابها صور بغدادية، فما سر شغفها بصور تنتمي لمدينة أو مدن لا تتشابه مع موطنها أو مسقط رأسها ؟ هل الهروب من حزنها على وفاة اختها وطلاق أبويها؟ أم أن السر في طفولتها التي أمضتها بالتأمل الانعزالي؟.

مجموعة مقالات في جريدة (بغداد تايمس ) كان الهدف منها “أن تعطي صورة للحياة اليومية في بغداد سنه 1931 مستخدمة وصف الماكياج الغربي لمدينة الخلفاء التي تعتبرها خاصية زمن 1931 والذي سيصبح جزء من التاريخ ، وها هو يتجسد في كتابها كصور بغدادية أحبتها في فوضى الطوفات، لتلتقط بعضا من فضائل الشرق ” وهو ما يحفزنا على شن معاركنا الصغيرة ضد هشاشات الزمن” فهل للطريق الصحراوي لمسة بدوية أم أن الامتداد الهائل للفضاء الصحراوي هو هيبة ووقار يفرضها البصر المستكشف ربط بغداد بسكك حديدية عبر الموصل إضافة الى السيارات وطريقها الوعر المحفوف بمخاطر البادية وسحرها البصري الذي وصفته وكأنك ” تراها وأنت تطوي الأميال تنطلق قدما كراكض قوي، وليس هناك ما يمنع وهجها بعد ذلك فيصيبني بقسوته حيث لا ينفع سقف السيارة في حجب اشعتها.” فهل الحنين الى الماضي العراقي هو ما يؤجج مشاعر المترجم “صباح صديق الدملوجي” الى ترجمة كتاب “صور بغدادية” الزاخر بعبارات ماسية تمس الحس الداخلي للقارىء وتتركه في حالة تخيل أمام العديد من الأماكن والأثار، ومشاهد استطاعت تكوينها بنبض رحالة عشقت ترحالها واستطاعت توثيق الصور بالحرف والكلمة ” لكي تتصور الرطبة عليك أن تتخيل قصراً زرعه علاء الدين في الصحراء عندما فرك عمه المصباح . وإلا كيف وجدت في هذا المحل النائي؟ فعظمة المدن التي زارتها تؤرخ لحقيقة لا يمكن انكارها بوجود كتاب صورته رحالة رأت انبلاج الفجر في ديار الفرات وانبهرت ببساتين النخيل وجسر من القوارب في مدينة الفلوجة . فيا للعجب من دهشة رحالة في كتاب يصيب القارىء بتساؤلات زمن يقال أنه من الماضي، لكن ربما هو قطعة منسية من زمن جميل ما زال بيد المستقبل.

مربعات حمراء يمر خلالها خط ازرق يمثل نهر دجلة والعيش في هذه الأماكن خارج امكانيات البعض، وكأنها هنا تتحدث عن نيويورك أو بريطانيا أو دبي، فإحساس القارىء التخيلي يزداد كلما دخل معها إلى الأحياء والشوارع والمدن والبيوت، ففي الحي الإسلامي “تستذكر عند رؤيته الفكرة البابلية القديمة عن الجو المسكون بالشياطين” فانتقالها من الأماكن بجماليتها وعظمتها وعشوائيتها وعدم تنظيمها هو فلسفة تلجأ إليها لتكوين روحية رحالة كتبت بموضوعية تصويرية عن كل أمكنة زارتها وعاشت مغامراتها بأريحية نفسية وزعتها بانطباعية فنية وإيحاءات ترثي بها أزمنة غابرة وتعظم بها أزمنة أخرى .” رغم ذلك ترى المستنصرية تلك الجامعه العظيمة مملوءة ببضائع تنتظر دفع رسوم كماركها” . دون أن تنسى وصف العمارة العراقية والبيوت السكنية بأقبيتها والزوايا المعتمة، وغير ذلك من الانطباعات التي تطرب لها نفس القارىء، وكأنه يزور المعالم الاثرية لمدن بات الزمن الماضي هو الأجمل في نشأتها ووجودها عبر صفحات كتاب رحالة امتلكت شغفا شرقيا، ولكن هذا الشغف لم يكتمل مع الأزياء ومع ماري الأرمنية التي برز الخوف عليها لافتقارها إلى أي خصلة تجذبها نحوك، فالفروقات في الأزياء هي أيضا فروقات في الانتماءات المختلفة ، فهل المعيشة في الحي الفقير هي مشاهد لحياة محاطة بالعطف والسعادة؟

تآلف ومحبة في الحي الفقير من بغداد التي أدهشتها بتوددها” كنت في الحقيقة محاطة بالعطف وسعيدة جدا في بيت الدمى الذي كنت أسكن فيه في حي بغداد الفقير ، كان هناك شعور بالمحبة يغمر الزقاق كله.”اذا تحاول “فريا ستارك” في كتابها تفكيك التركيبة الإجتماعية والمعمارية، وما الى ذلك. بل وتشريح انطباعاتها وتفسيرها ونشرها كمستشرقة تقارن ما سمعته عن الشرق بما تراه، وتترك الحكم للقارىء الذي تحاوره بتصوير بغدادي له زمنه ورائحته ولباسه وتقاليده وسعادته وحزنه، وكل ما من شأنه ابراز مقومات الحياة في شرق مازال يثير حفيظة الغرب رغم كل الظروف التي يمر بها الشرق، فهل ما زالت بغداد منتصرة بشرقيتها في هذا الشأن كما تقول الرحالة فريا ستارك؟.

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...