تحوّلات الحدث الانتخابي في تونس

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ذ.أنور الجمعاوي
أستاذ وباحث جامعي تونسي.

 

 

يعتبر الانتخاب فعلاً سياسياً معبّراً، يمارس المواطن من خلاله حقّه في اختيار ممثّليه في المجالس المحلية والنيابية وفي كرسي رئاسة الدولة. وتتيح عملية التصويت للمواطن الفرصة ليساهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في صناعة القرار، ورسم معالم السياسات العامّة للدولة، وتحقيق مطلب التداول السلمي على السلطة. وتحرص جلّ الأنظمة الشمولية والديمقراطية، على السواء، على صياغة قانون انتخابي، وتنظيم انتخابات بشكل دوري لتضفي شرعية ما على سياساتها، ولتكون مسنودة برأي عام ناخب، وحاضنة شعبية مخصوصة. ويُفترض في الانتخابات النزيهة أن تكون ضامنة تكافؤ الفرص بين المترشّحين للسباق الانتخابي، قائمة على التنافسية والتعدّدية البرامجية والحزبية، محكومة بالشفافية، وتأمين الوصول الحر للمعلومة، وتيسير سبل التواصل بين المقترعين والمنتخبين المفترضين. ومن المهمّ أن تُشرف على إدارة المسار الانتخابي هيئة مدنية مستقلّة تقف على مسافة واحدة من جميع المتنافسين. ويؤثّر استحضار هذه المعايير أو تجاهلها في صدْقية العملية الانتخابية، وفي مدى إقبال الناس على الانتخاب، أو عزوفهم عن التصويت. ومعلوم أنّ السلوك الانتخابي يتأثّر، في جانب ما، بمحامل المسار الانتخابي من قبيل نظام الاقتراع، وبرامج المترشّحين، وثقافة المقترع وقناعاته الأيديولوجية، والظروف السياسية والاقتصادية العامّة للبلاد.

والناظر في الحدث الانتخابي في تونس قبل الثورة وبعدها، يتبيّن أنّه حدث في صيرورة، شهد تحوّلات معتبرة من جهة مدى احترام العملية الانتخابية للمعايير الدولية، ومن جهة تنوّع السلوك الانتخابي للمقترعين والخلفيات التي توجّهه.

لئن تعدّدت الاستحقاقات الانتخابية على عهد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة (1956ـ1987)، وقصد تونسيون صناديق الاقتراع مراراً لانتخاب رئيس الجمهورية (أربع مرّات)، ولاختيار ممثليهم في المجالس التشريعية (ست مناسبات)، وفي المجالس البلدية (ثماني مرّات)، فقد غلب على تلك المواسم الانتخابية لون الحزب الواحد والرئيس الواحد، وغاب عنها غالباً شرط التعدّدية الحزبية ومطلب التنافسية النزيهة، فقد استأثر الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم بوسائل التعبئة الجماهيرية، ووظّف مؤسسات الدولة والمنابر الإعلامية لأسطرة “فخامة الرئيس”، وادّعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، وجرى التعتيم على أصوات المعارضين للنظام الحاكم، وتعطيل وصولهم إلى الناس. وظلّت الانتخابات فعلاً صورياً، وحدثاً مكرراً، نتائجه معلومة سلفاً، فنسب المشاركة عالية دائماً، لا تقلّ عن 90%، ونسبة التصويت لصالح الرئيس وحزبه بلغت أحياناً سقف 100%، في ظلّ غياب أجهزة رقابية مستقلّة، وإشراف السلطة التنفيذية ممثلة في وزارة الداخلية على العملية الانتخابية، وشيوع شبهات تزوير لنتائج الانتخابات.

ويمكن تفسير السلوك الانتخابي الميّال إلى المشاركة بكثافة في عملية التصويت، وتأييد مشروع النظام الحاكم، في حال التسليم بصحة الإحصائيات الرسمية، بأنّ الناس غداة الاستقلال كانوا حريصين على ممارسة حقهم في الاقتراع بدوافع الانبهار بكاريزما الزعيم، وخدمة المصلحة الوطنية، وبناء الدولة الجديدة. لكن بعد المحاولة الانقلابية على بورقيبة (1962)، انخرط النظام في قمع خصومه من القوميين واليوسفيين. وتأكّد ذلك النهج السلطوي إبّان المواجهات الدامية بين الأجهزة الأمنية والنقابيين (1978)، وإثر انتفاضة الخبز (1984)، فقد غدا التنكيل بالمعارضين اليساريين، والإسلاميين، والليبراليين في تلك الفترة سياسة دولة. وبناءً عليه، كان التصويت وقتها تصويت خضوع، وإعلان ولاء للنظام السائد.

نسب التصويت المحترمة دالّة على أنّ طيفاً معتبراً من المواطنين على يقين من أنّ أصواتهم لن تُزيّف ولن تُسرق، بل ستكون مؤثرة

ولم يختلف عهد الرئيس المخلوع، زين العابدين بن علي، كثيراً عن سلفه في مستوى إدارة التجربة الانتخابية، فقد واصل الرجل نهج احتكار كلّ السلطات بيده، ووظّف أجهزة الدولة لترسيخ حكمه الشمولي، وأدمن سياسات القمع البوليسي للمعارضين، وانتهاك الحرّيات العامّة والخاصّة، وتكميم الأفواه، وتدجين الصحافة والإعلام لخدمة مشروعه الاستبدادي، وأقرّ تعددية صورية في البرلمان من خلال منحه 34 مقعداً لأحزاب الموالاة التي كانت تشارك في الاستحقاق الانتخابي، ولا تحصل على أغلبية أصوات. وكان القصد من ذلك التمويه بوجود تعدّدية زائفة، والإخبار بأنّ بن علي أحدث تحوّلاً سياسياً، وغدا “صانع التغيير”، كما كان يقول أنصاره. والواقع خلاف ذلك. فقد هيْمنت على المشهد الإعلامي ديماغوجيا الحزب الواحد، وبروباغندا الرئيس السلطوي، وكان القمع أعدل الأشياء قسمة بيْن أنصار الأحزاب المعارضة الوازنة (حركة النهضة، حزب العمّال، التجمّع الديمقراطي التقدّمي، المؤتمر من أجل الجمهورية) التي جرى منع قياداتها من الترشّح للاستحقاقات الانتخابية، وجرى توزيع أتباعها بين السجون والمنافي، فكان الرئيس المستبد، المدجّج بالمال والسلاح والدعاية الإعلامية يسابق نفسه أو ينافس مترشحين مغمورين في انتخابات رئاسية صورية، وكانت الانتخابات البلدية والتشريعية مجالاً لامتداد حزب التجمّع الدستوري الديمقراطي الحاكم، وتكريس هيمنته على الفضاء العام، فافتقر الحدث الانتخابي للصدقية والنزاهة والتنافسية الحقيقية وتكافؤ الفرص، وبدا السلوك الانتخابي المؤيّد للنظام مدفوعاً بهاجس الحفاظ على مصالح الطبقة الحاكمة وعلاقاتها الزبونية البيْنية. ولم يكن الانتخاب فعلاً إرادياً حرّاً. بل كان بمثابة البيْعة. وكانت تمليه إكراهات الظرف والخوف من أن يُحسب الواحد(ة) معارضا(ة)، فيناله ما ينال المعارضين من اعتقال وسوء مصير.

مع سقوط الديكتاتور بن علي، واندلاع الثورة (2011)، أصبح الانتخاب خلال عشرية الانتقال الديمقراطي (2011ـ2021) حدثاً جماهيرياً بامتياز. تداعت إلى المشاركة فيه جموع المواطنين، ومكوّنات المجتمع المدني، وتنافست أحزاب سياسية عدّة، وشخصيات مستقلّة على الفوز بثقة التونسيين في محطّات انتخابية مختلفة. وجسّد المشهد الانتخابي تنوّع الاجتماع التونسي، وازدهار ثقافة الاختلاف فيه، وعبّر الناخب والمترشّح والمُنتَخب عن رأيه وصوته ومقاربته لإدارة الشأن العام في كنف الحرّية، والديمقراطية. ولعبت الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية ووسائل الإعلام دوراً جوهرياً في تأطير الناخبين، وتشجيع المواطنين على ممارسة حقّهم في الاقتراع، واختيار ممثليهم في الهيئات السيادية. وأشرفت على إدارة المسار الانتخابي هيئة مدنية دستورية منتخبة ذات صلاحيات واسعة (الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات). وجرى التنافس على التشريعيات، والرئاسيات، والبلديات في كنف الشفافية، واحترام القانون والمعايير الدولية. وشهدت بذلك جهات رقابية محلية ودولية موثوقة.

لا يمكن الحديث عن انتخابات ناجحة وديمقراطية ناجعة من دون أحزاب فاعلة، تشارك في تأطير المواطنين، وتأثيث المشهد الانتخابي

وبمراجعة لغة الأرقام، يتبيّن أنّ نسب المشاركة في المحطات الانتخابية واقعية ومعتبرة، ليست خيالية، ولا متدنّية. فقد صوّت 97.51% من التونسيين في انتخابات المجلس التأسيسي 2011، ثمّ قفزت نسبة المشاركة إلى 36.68% في انتخابات المجلس التشريعي 2014. وبلغت 35.65% في بلديات 2018، فيما كانت نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع 70.41% خلال تشريعيات 2019. وصوّت 2.3 مليون تونسي في رئاسيات 2014، و3.9 ملايين في الانتخابات الرئاسية 2019. ويمكن تفسير السلوك الميّال إلى المشاركة في الحدث الانتخابي في تلك الفترة بعوامل عدة، من بينها حرص طيف معتبر من التونسيين على استكمال مسار البناء الديمقراطي، وخوفهم من عودة الدولة القامعة. فيما دفع الاستقطاب الأيديولوجي بين الإسلاميين والليبراليين آخرين إلى صناديق الاقتراع، فكلّ طرف دافع عن تصوّره المخصوص لإدارة البلاد. وحفّز غيرهم الاقتناع ببرنامج حزبٍ ما أو الانبهار العاطفي بشخصٍ ما إلى التصويت له. وامتنع آخرون عن التصويت احتجاجاً على تعثّر التجربة الديمقراطية، أو لعدم قناعة بها وبالبدائل السياسية المتنافسة. والثابت أن نسب التصويت المحترمة دالّة على أنّ طيفاً معتبراً من المواطنين على يقين من أنّ أصواتهم لن تُزيّف ولن تُسرق، بل ستكون مؤثرة في توجيه السياسات العامّة على كيْفٍ ما. ومن ثمّة فقد جعلت التجربة الديمقراطية بعد الثورة الانتخاب فعلاً شعبيّاً، حرّاً، وازناً. وانتقلت بالبلاد من زمن الأحادية إلى رحاب التعدّدية، ومن سطوة الحكم الشمولي إلى حقبة التداول السلمي على السلطة.

أمّا بعد حركة 25 يوليو (2021) التي أفضت إلى تفكيك معالم التجربة الديمقراطية السابقة، والانتقال من نظام سياسي برلماني معدّل إلى نظام رئاسي مطلق، وتغيير تركيبة هيئة الانتخابات، واستبدال الاقتراع على القوائم بالاقتراع على الأفراد، مع فرض نظام التزكيات، وسحب الوكالة، ومنع التمويل الحكومي والحزبي للمترشحين، فانتقل الحدث الانتخابي في تونس من كونه حدثاً جماهيرياً، شارك فيه المواطنون بكثافة إلى كونه حدثاً هامشياً متروكاً لا يلتفت إليه الناس. وتكفي الإشارة هنا إلى أنّ نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية 2022 لم تتجاوز حدود 11.5%، ولم تتعدّ النسبة سقف 13% في الانتخابات المحلية. ويفسّر مراقبون هذا العزوف غير المسبوق عن الانتخاب بأسباب عدة، لعلّ أهمّها نفور طيف معتبر من التونسيين من السياسة والسياسيين، وحداثة عهد المواطنين بالتصويت على الأفراد، وعدم درايتهم بهويتهم البرامجية، وعدم وضوح ملامح المشروع القاعدي الذي يروّجه أنصار الرئيس قيس سعيّد، ونجاح الأحزاب المعارضة الوازنة في إقناع أتباعها بمقاطعة الانتخابات، احتجاجاً على التدابير الرئاسية الأحادية، ومصادرة التجربة الديمقراطية، وانحسار الحريات، وتزايد وتيرة ملاحقة المعارضين للنظام، فضلاً عن شيوع شعور باللايقين إزاء مسار 25 يوليو، باعتباره لم يؤدّ بعدُ إلى تحسين أوضاع الناس الاجتماعية والاقتصادية. لذلك لا يجد الناس حماسة للتوجّه إلى صناديق الاقتراع.

ختاماً، الانتخاب قوام الديمقراطية، ولا يمكن الحديث عن انتخابات ناجحة وديمقراطية ناجعة من دون أحزاب فاعلة، تشارك في تأطير المواطنين، وتأثيث المشهد الانتخابي، وتساهم في صناعة القرار. لذلك الحاجة أكيدة إلى تدشين مصالحة وطنية بينية تونسية شاملة، تسمح للأحزاب وللرئيس ومكوّنات المجتمع المدني بالمشاركة سوياً في صياغة ملامح ديمقراطية تشاركية، جامعة.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...