هل تصبح هولندا بوابة أوروبا للتغيير؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.شاهر الحاج جاسم
كاتب سوري

 

 

في ظل الصراعات والأزمات التي يشهدها العالم اليوم، واندلعت الواحدة تلو الأخرى، كان على القارة الأوروبية أن تختار بين ثلاثة سيناريوهات، وفق نظرة صناع القرار: الخيار الأول هو التعاون مع القوى الصاعدة، الخيار الثاني، التعايش مع الواقع والقبول بتآكل قوة الغرب، والخيار الثالث هو المواجهة. وقد اختارت السيناريو الأخير كما يبدو.

الصراع الحقيقي

في كل السيناريوهات المطروحة ستكون أوروبا الخاسر الأكبر، خاصة أن جوهر الصراع الحقيقي على السيطرة الاقتصادية والموارد، وبالتالي لا بد من سحق الخصم وسحق أي فرصة للبقاء له كنظام سياسي كما حدث في الحرب العالمية الثانية.
إن الأحداث المتسارعة في ارتفاع مستوى الصراعات تعمل على تسريع عملية تغيير هياكل السلطة في أوروبا، وما تشهده هولندا هو أفضل مثال على عدم قدرة نظام الحكم البرلماني على إدارة الدولة ومؤسساتها، خاصة أنه مرتبط بالتوافق بين الأحزاب، وهو غير موجود حالياً ولن يتحقق على المدى المنظور أو المتوسط.
ولا بد من القول، إنه في ظل عدم قدرة الأحزاب الهولندية على الاتفاق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة خيرت فيلدرز ذي التوجهات اليمينية، فإن الأمور ستتجه نحو إعادة الانتخابات البرلمانية، وهو ما يمنحه القدرة على فرض كل الأجندات المطروحة على الطاولة السياسية، خاصة وأن استطلاعات الرأي تشير إلى فوزه مرة أخرى وبمقاعد برلمانية أكبر.

أحزاب اليمين المتطرف

تجدر الإشارة إلى أن أحزاب اليمين المتطرف شهدت صعودا في جميع أنحاء أوروبا الغربية في الآونة الأخيرة، وعززت جاذبيتها أكثر بسبب أزمة تكلفة المعيشة الناجمة عن الحرب الروسية الأوكرانية، مع الأخذ في الاعتبار تبني أحزاب اليمين المتطرف الذكية لتخفيف بعض وجهات نظرها الأكثر كراهية للناخبين.
وتتطلب الظروف الحالية اتخاذ قرارات سريعة في ظل الأزمات، وأزمة اللاجئين التي تتفاقم مع الصراعات والتضخم والوضع العسكري، أي أن الاستمرار في نظام الحكم المبني على أسس التوافق يحكم على أتباعه بالفشل الذريع في ظل التغيرات السريعة والحساسة التي يشهدها العالم.
مما يحتم إجراء استفتاء في الدول الأوروبية وتحويل أنظمة حكمها إلى رئاسي، كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية أو تركيا، وحتى يتم التغلب على مخاض النظام العالمي الجديد.
وقد يكون الحديث عن هذا الأمر مبالغا فيه بعض الشيء، لكنه سيحدث عاجلا أم آجلا، وما كان من الصعب تصديقه قبل بضعة أشهر أصبح حقيقة الآن.

الصراع العسكري

من المستحيل تحديد ما سيحدث خلال الفترة المقبلة، خاصة وأن استمرار الصراع العسكري يسير على المسار نفسه على المستوى السياسي والاقتصادي والثقافي، لكن المؤكد أننا سنشهد تغيرات في العقيدة العسكرية الأوروبية قريبا.
وقد تكون أولى ثمارها فرض التجنيد الإجباري، واستقطاب أكبر عدد ممكن من اللاجئين والمهاجرين في أوروبا.
الجدير بالذكر، حديث قائد الجيش البريطاني، الجنرال باتريك سوندرز، خلال خطاب أمام مؤتمر المركبات المدرعة الدولية في لندن، قائلا: “إن الاستعداد لحرب برية محتملة سيشمل الأمة بأكملها”. وأضاف: “اتخاذ خطوات استعدادية لنتمكن من وضع مجتمعاتنا على عتبة الحرب إن لزم الأمر لم يعد محض رغبة الآن وإنما أصبح ضروريا”.
وفي هذا السياق، قال رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون: “أعلن تلبية النداء وتأييدي دعوة الجيش البريطاني لتجنيد جميع المواطنين استعدادا للحرب.. واتعهد بالانضمام لصفوف الجيش”.
كما نشر الجيش البريطاني مقطع فيديو ترويجي يحث فيه المهاجرين واللاجئين المسلمين على الانضمام إلى صفوفه. رغم أن الحكومة البريطانية نفت أن تكون لديها أي خطط لفرض التجنيد الإجباري.

الكتلة الأوروبية

ويدرك السياسيون الأوروبيون أن العالم ينظر إلى الكتلة الأوروبية باعتبارها قوة اقتصادية، وليست قوة عالمية، عندما يتعلق الأمر باللعبة الجيوسياسية، وتحديدا اعتمادها الكامل على أمريكا وحلف شمال الأطلسي في الحماية.
ولذلك ترتفع الأصوات الأوروبية مطالبة بأن تصبح أوروبا أقل مثالية وتدافع أكثر عن مصالحها الخاصة حول العالم، وتضغط لتحدد أوروبا مسارها الجيوسياسي، خاصة وأن النظام العالمي يتغير، ومن المؤكد أن هذا التغيير سيصاحبه خلال فترات حالة عدم الاستقرار كما يجري الآن.
ومن الجدير بالملاحظه، أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أصدر مرسوما جاء فيه: “يمكن للأشخاص الذين وقعوا عقودا خلال ما تسميه موسكو عمليتها العسكرية الخاصة في أوكرانيا، التقدم بطلب للحصول على جوازات سفر روسية لأنفسهم وأزواجهم وأطفالهم وآبائهم، ويجب على من يرغب تقديم وثائق تثبت أن يكون مسجلاً في الجيش لمدة لا تقل عن سنة.
وتفسيرا لذلك، يشير المراقبون ان هذا الإجراء يهدف إلى خلق حوافز إضافية للأجانب ذوي الخبرة العسكرية لتقديم طلبات للانضمام إلى صفوف الجيش الروسي لمعارك قد تكون طويلة الأجل.

خلاصة القول هي أن العام الحالي والعام المقبل سيكونان قاسيين على العالم بشكل عام وأوروبا بشكل خاص، وسيكون لها اتجاهان: الانهيار الاقتصادي لبعض الدول مع عواقبه، وتغيير الحدود السياسية بالنسبة لدول أخرى.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...