مدارس الأئمة والخطباء.. نموذج تركي فريد بين التقليد والحداثة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

البروفيسور أحمد أويصال

 

 

يعود تاريخ مدارس الأئمة والخطباء (الإمام والخطيب)، التي نراها اليوم كتجربة مثيرة للاهتمام تجمع بين التقليد والحداثة في العالم الإسلامي إلى العصر العثماني، لكنه لم يشهد مصيرا مماثلا لمعظم المدارس التعليمية الأخرى. وذلك جراء زيادة الضغط على الدين نتيجة لرؤية مؤسسي الجمهورية التركية للإسلام على أنه عائق أمام الحداثة والتطور.

بواسطة قانون «توحيد التعليم» الصادر في 3 مارس 1924، أرادت الحكومة التركية توحيد النظام التعليمي وتحديد الهيكلية التعليمية بشكل موحد، مما أدى إلى تحويل مدارس دار الخلافة إلى مدارس الإمام والخطيب. وكنتيجة لذلك، شهد التعليم الديني تراجعًا ملحوظًا في الفترة اللاحقة.

ولأجل تدريب الأئمة والدعاة المحدثين، قامت الحكومة العلمانية بإدراج مواد أخرى إلى جانب الدروس الإسلامية مثل اللغة الفرنسية، والتاريخ، والجغرافيا، والرياضيات، والبيولوجيا، والفيزيولوجيا، والموسيقى، وعلم النفس، وعلم الاجتماع. وعلى الرغم من قلة الدعم الحكومي، إلا أن هذه المدارس استمرت في لفت الانتباه بشكل كبير. ومع ذلك، لم يتم تعيين الخريجين بصفة رسمية كأئمة أو وعاظ، وتم إغلاق هذه المدارس في عام 1930 بذرائع مختلفة. خلال الفترة من عام 1930 إلى 1945، عانى الشعب التركي بشكل كبير من الصعوبات الاقتصادية، ومن نقص الخدمات الدينية من الناحية الأخرى.

بعد عام 1945 وفي مرحلة انتقال البلاد إلى الديمقراطية، كانت نقطة جدلية بين الحزب الديمقراطي الجديد وحزب الشعب الجمهوري القائم هي نقص الأئمة والحاجة إلى مدارس الأئمة والخطباء. ففي عام 1948، قامت حكومة حزب الشعب الجمهوري بفتح دورات تدريب الأئمة في 10 مدن. وضمت برامج الدورات دروسًا دينية أساسية، بالإضافة إلى اللغة التركية، والتاريخ، والجغرافيا، والثقافة، ولم يتم تضمين دروس في الفقه بسبب المخاوف من الشريعة، ولم تكن هناك دروس في الرياضيات والعلوم التقنية. فتح الدورات بدلاً من إنشاء مدارس يظهر أن هذا القرار كان بدافع سياسي ولم يكن جادًا في تلبية الحاجة الحقيقية للأئمة.

في عام 1950، قررت حكومة الحزب الديمقراطي الفائز في الانتخابات فتح مدارس لتأهيل الأئمة والوعاظ في سبع محافظات في العام التالي. وفي عام 1955، بدأ تدريس المرحلة الثانوية في هذه المدارس، حيث كان نصف المنهج مكونا من دروس دينية والنصف الآخر من دروس ثقافية وتقنية. ومع زيادة الطلب الاجتماعي في الستينيات، زاد عدد هذه المدارس إلى أكثر من 70 مدرسة. وعندما أثار الطلب المتزايد انزعاج النخب العلمانية، تمت إزالة دروس الدين من المنهاج الأساسي وصعّبت عملية الانتقال إلى المرحلة الثانوية في مدارس الأئمة والخطباء، كما تم تعقيد دخول خريجي مدارس الأئمة والخطباء إلى الجامعة. ولكن العديد من الخرجين مثل رجب طيب أردوغان تمكنوا من الالتحاق بالجامعة بشهادة الدراسة الثانوية العادية من خلال حضور دورات إضافية لتحقيق ذلك.

قبل مدارس الأئمة والخطباء، كان الشعب التركي المحافظ يقاطع التعليم الرسمي خوفا من الإلحاد. هذه المدارس جامع بين التعلم والتدين. عندما انضم حزب الرفاه الإسلامي، بزعامة نجم الدين أربكان، إلى حكومة ائتلافية في عام 1974، فُتحت أبواب مدارس الإمام والخطيب. وتمت إعادة إدخال دروس القرآن واللغة العربية في المرحلة الإعدادية، وتأسيس العديد من المدارس الجديدة. وبفضل دعم حكومات ديميرال، زاد عدد هذه المدارس إلى 374 مدرسة حتى عام 1980، عندما وقع انقلاب عسكري، شهد عدد الطلاب زيادة بنسبة 9 أضعاف بين عامي 1973 و1978. على الرغم من تأكيد النخب العلمانية على أهمية المرأة، إلا أنها عارضت بشدة فكرة دراسة الفتيات في مدارس الإمام والخطيب، حيث كان من المعتقد أنهن لا يمكنهن أن يصبحن أئمة. ومع ذلك، تخرجت الفتيات في هذه المدارس وعملن بعد ذلك كمدرسات وواعظات في دورات تعليم القرآن.

على الرغم من محاولة الإدارة العسكرية لانقلاب 1980 منع افتتاح مدارس الأئمة والخطباء الثانوية، إلا أن حكومة تورغوت أوزال تغلبت على هذه العقبة من خلال فتح فروع جانبية. ومع زيادة الهجرة إلى المدينة والطلب على التعليم في الثمانينيات في تركيا، زاد عدد المدارس وتحسنت جودة هذه المدارس.

وبفضل اجتياز العديد من الأطفال لامتحان القبول، تمكن الأطفال الأكثر ذكاءً من الالتحاق بتلك المدارس. وعندما بدأ الشباب الدارسون للمعرفة الدينية والدنيوية يحتلون المرتبة الأولى في امتحانات القبول بالجامعات في التسعينيات، ازدادت جاذبية المدارس. ومع القلق من انتشار التدين والوعي الإسلامي في تركيا، قام الانقلاب العسكري عام 1997 بإغلاق القسم المتوسط من مدارس الأئمة والخطباء وجعل من الصعب عليهم الانتقال إلى الجامعات.

حين تولى حزب العدالة والتنمية الحكم في عام 2002، تم رفع هذه العقبات، وتسهيل دخول خريجي مدارس الإمام والخطيب إلى الجامعات، وأُتيح للطالبات ارتداء الحجاب بحرية. ورأى الشعب التركي في مدارس الأئمة والخطباء مكانًا يمكن لأبنائهم أن يحصلوا فيه على تعليم ديني ودنيوي متكامل. وعلى الرغم من أن منهاج المدارس أكثر صعوبة مقارنة بالمدارس العادية، إلا أن خريجيها حققوا نجاحًا أكبر في الالتحاق بجامعات قوية خاصة في التخصصات الاجتماعية والتقنية. تم بناء معظم مدارس الإمام والخطيب بتبرعات من الشعب، وبعد ذلك قامت الحكومة بتعيين المعلمين فيها. وتستحق هذه المدارس اهتمامًا أكبر كنموذج فريد يجمع بين العلوم الحديثة والعلوم الإسلامية لإبراز الهوية الإسلامية بشكل متكامل.

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...