هل تلبّي الأحزاب الأوروبية تطلّعات مواطنيها من أصولٍ مهاجرة؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.حسان الأسود
كاتب ومحامٍ وحقوقي سوري، المديرالسابق للهيئة السورية للعدالة والمحاسبة، مقيم في ألمانيا.

 

 

بدأت انتخابات البرلمان الأوروبي أمس، في السادس من يونيو/ حزيران الحالي، وتختتم بعد غد الأحد. ومن حقّ ما يقارب 350 مليون شخص المشاركة في الانتخاب، نصيب ألمانيا وحدها منها، باعتبارها أكثر دول الاتحاد سكّاناً، 65 مليونًا، بعد أن خُفّض سنّ الناخبين من 18 عاماً إلى 16 عاماً، وتشغل من مجموع مقاعده الـ 720، بموجب آخر تعديل بعد خروج بريطانيا من الاتحاد، 96 مقعداً. ما يمّيز قوانين الاتحاد الخاصّة بانتخابات البرلمان أنّ كلّ دولة عضو يمكنها تحديد القواعد الانتخابية ضمن حدود أراضيها. من هنا، جاء تخفيض سنّ الأهلية الانتخابية في ألمانيا ليدفع بنحو خمسة ملايين شابّ وشابّة، تحت سن الـ18 عامًا، إلى الواجهة الانتخابية، وهؤلاء محسوبة أصواتهم سلفاً، بافتراضِ الحكومة التي أجرت التعديل، ضدّ اليمين المتطرّف. قد تُظهر النتائج غدًا عكس ذلك، خصوصاً أنّ عدداً من المظاهر العنصرية بدأت تتصاعد في أوساط الطلبة صغار السن، كان آخرها في مدرسة ألمانية خاصّة يدرس فيها أبناء الطبقة الثريّة، وسبقها حفل مجموعة من الشباب في جزيرة زُلت (Sylt) التي يرتادها أيضاً الأثرياء، حيث شارك هؤلاء في احتفال خاصّ من خلال أغانٍ عنصريةٍ تستهدف المهاجرين والأجانب قائلين: “ألمانيا للألمان والأجانب خارجًا”.

تتنافس مجموعة من الائتلافات بين الأحزاب الأوروبية على مقاعد البرلمان، وهي تتشكّل أساساً من تحالفات مُختلفة بين أحزاب وطنية يجمعها عادة قرب المصالح والعقائد والبرامج السياسية الداخلية، تنتظم جانب بعضها في مقرّ البرلمان، على أساس هذا التصنيف أيضاً. على سبيل المثال، يتكوّن ائتلاف الشعب الأوروبي من تحالفٍ يضمّ حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي في ألمانيا، وشريكه البافاري؛ حزب الاتحاد الاجتماعي المسيحي (CDU+CSU) مع حزب الجمهوريين في فرنسا، وحزب فورزا إيطاليا، وعدد آخر من الأحزاب التي تنتمي إلى يمين الوسط. بينما يتكوّن التحالف التقدّمي للديمقراطيين والاشتراكيين من مجموعات الأحزاب العمالية والاشتراكية والديمقراطية الاجتماعية في أوروبا مثل الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني (SPD) الحاكم ضمن الائتلاف الحالي، برئاسة المستشار أولاف شولتز.

يلاحظ في مجموع برامج الأحزاب الوطنية الداخلية والأوروبية، عموماً، حضور مسألة الهجرة، وغياب قضايا المهاجرين

يتكون البرلمان الأوروبي من سبعة ائتلافات أو تحالفات، هي: ائتلاف الشعب الأوروبي الذي يشغل حاليًا المرتبة الأولى بواقع 177 مقعدًا. والتحالف التقدّمي للاشتراكيين والديمقراطيين، ويأتي ثانيًا بواقع 140 مقعدًا. وهناك تحالف تجديد أوروبا، وله في آخر دورة 120 مقعدًا. وائتلاف الخضر الأوروبي وله 72 مقعدًا. وتحالف المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين وله 68 مقعدًا. وائتلاف الهوُيّة والديمقراطية ويتمثّل من خلال 59 مقعدًا. وأخيراً، تحالف اليسار الأوروبي وله 37 مقعدًا. يُضاف إلى هذه التحالفات والائتلافات مجموعة من ممثّلي الأحزاب التي لا تنتظم ضمن أيّ تحالف وتأخذ صفة المُستقلّين. وتكتسب هذه الانتخابات أهمّية كبيرة، باعتبار أنّ البرلمان واحد من ثلاث هيئات تشريعية رئيسية في الاتحاد، إلى جانب مجلس الاتحاد والمفوضية. وصحيح أنّ البرلمان لا يملك صلاحية اقتراح التشريعات (حقّ المبادرة)، فهي محصورة بالمفوضية، إلا أنّه يقرّها بالمشاركة مع المجلس ويتمتع بسلطة الرقابة.

تختلف برامج الأحزاب الأوروبية باختلاف خلفية الأحزاب الوطنية المشكّلة لها، من جهة، وباختلاف نظرتها إلى الاتحاد الأوروبي ذاته، من جهة ثانية. فأحزاب اليمين ويمين الوسط، عمومًا، ترى أنّ الاتحاد يجب ألا يأخذ حيزًا كبيرًا من السيادة على حساب الدول الوطنية، بينما يرى اليسار ويسار الوسط، عمومًا، أنّه يجب أن يتحوّل الاتحاد إلى دولة عظمى تستطيع فرض سياستها على جميع الدول المُشكّلة له، لتصبح رقمًا عالميًا صعبًا. لكنّ جميع هذه الأحزاب تهتمّ بقضايا رئيسية مشتركة، هي الهجرة والمناخ والاقتصاد والعلاقة مع روسيا وحربها على أوكرانيا. فكلّما ذهبنا يمينًا، رأينا التركيز داخليًا على الاقتصاد وخارجيًا على السيادة الوطنية، وكلّما ابتعدنا يسارًا وجدنا التركيز على دعم الفئات المهمّشة داخليًا، والمطالبة بدور مركزيّ أكبر للاتحاد، بينما يركّز الوسط غالبًا على قضايا المناخ والضمان الاجتماعي. يشترك الجميع بضرورة الحدّ من الهجرة غير الشرعية، ويختلفون على سُبل الوصول إليه. كذلك، يلتقي اليمين المُتطرّف، واليسار الراديكالي، بشكل لافت للنظر، في موقفهما من روسيا والحرب على أوكرانيا، فاليمين يرى سياسة بوتين نموذجًا جذّابًا يُحتذى به، بينما لا يزال اليسار دائرًا في فضاء أساطير الاشتراكية العلمية، ومخلّفات الاتحاد السوفييتي الأيديولوجية.

يبحث الناخبون الأوروبيون من أصولٍ مهاجرة في برامج الأحزاب المتنافسة علّهم يهتدون إلى مَنْ يُمثّلهم ويحمل بعضاً من قضاياهم

يلاحظ في مجموع برامج الأحزاب الوطنية الداخلية والأوروبية، عموماً، حضور مسألة الهجرة، وغياب قضايا المهاجرين. فالتركيز ينصبّ على تنظيم الهجرة الشرعية ومكافحة الهجرة غير الشرعية، وهذا كلّه ينطلق من تموضع الأحزاب سياسيًا لكسب أصوات الناخبين. بينما يغيب بشكل شبه كلّي عن برامج هذه الأحزاب طرح القضايا التي تمسّ المواطنين من أصول مهاجرة، فهذه تكاد تغيب عن ساحة النظر. هذا الغياب كان مفهومًا ومبرّرًا قبل عدّة أعوام، لكنّه بات، الآن، غريبًا إثر الازدياد الكبير في أعداد المواطنين من أصولٍ مهاجرة بعد العام 2015، والذين حصل جزء كبير منهم على جنسيات الدول التي استقرّوا فيها فأصبحوا مواطنين يحق لهم الانتخاب. يمكن على سبيل المثال الحديث عن عدد السوريين الحاصلين على الجنسية الألمانية في العام 2023، فقد بلغ 75500 سوري من أصل مائتي ألف ومائة متجنّس من بقية الأصول المهاجرة، ما يُشكّل نسبة 38% من المجموع الكلّي، حسب أرقام مكتب الإحصاء الاتحادي، وأوّل جاليتَين تليان الجالية السورية هما التركية والعراقية، بواقع 10 آلاف لكلّ منهما.

يبحث الناخبون الأوروبيون من أصولٍ مهاجرة في برامج الأحزاب المتنافسة علّهم يهتدون إلى مَنْ يُمثّلهم ويحمل بعضًا من قضاياهم، يمكن على سبيل المثال ذكر حزب (MERA 25) الذي له امتداد عبر عدد من الدول الأوروبية، كما يمكن طرح برامج الأحزاب اليسارية وأحزاب الخضر، وسيكون الحديث عن الخيارات المتاحة أمامهم بتفصيل أكبر موضوع المقالة التالية.

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...