الحج والجهاد والميلاد القلبي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.إبراهيم بية

 

 

 

في الأيام الماضية، منَّ الله العليّ عليّ برحمته الواسعة، وضيفني في بيته العتيق لأداء مناسك الحج. الحجّ رحلة استثنائية لا تقتصر على الجسد فقط، بل تمس الروح بعمق. هي بحق رحلة جسدية وروحية نحو الله، جهاد، سعي لتجديد الإيمان والميلاد القلبي.

في هذا المقال وفي المقالين القادمين، بإذن الله، أودّ أن أشارك الجميع، المسلمين وغير المسلمين، بعض التأملات الروحية والأخلاقية حول هذه الرحلة الفريدة. في هذا النص، سأركّز بشكل خاص على القيمة الإحسانية الروحية لهذه الرحلة، وفي المقال التالي سأتحدث عن تعاليمها المتعلقة بقيمتا الوحدة والعدل، وأخيرًا في المقال الثالث سأتناول بعض الملاحظات النقدية حول الغزو الشرس للمادية والاستهلاكية في الأماكن المقدسة للإسلام.

أبدأ ببركة الله مقتبسًا من سورة البقرة الآيات الكريمة التي تبيّن أهمية فريضة الحج في شريعة الإسلام:

“الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا۟ مِنْ خَيْرٍۢ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ ۗ وَتَزَوَّدُوا۟ فَإِنَّ خَيْرَ ٱلزَّادِ ٱلتَّقْوَىٰ ۚ وَٱتَّقُونِ يَـٰٓأُو۟لِى ٱلْأَلْبَـٰبِ ﴿١٩٧﴾ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا۟ فَضْلًۭا مِّن رَّبِّكُمْ ۚ فَإِذَآ أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَـٰتٍۢ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ عِندَ ٱلْمَشْعَرِ ٱلْحَرَامِ ۖ وَٱذْكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ ﴿١٩٨﴾ ثُمَّ أَفِيضُوا۟ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌۭ رَّحِيمٌۭ ﴿١٩٩﴾ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَـٰسِكَكُمْ فَٱذْكُرُوا۟ ٱللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَآءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًۭا ۗ”. البقرة: 197-200.
يتحدث الإمام عبد السلام ياسين عن شعبة الحج في كتابه المنهاج النبوي بهذه العبارات والمعاني التي أشهد أني عشتها وتأكدت من صحتها خلال رحلتي:
“خمس مرات يتكرر الأمر بذكر الله واستغفاره في هذا السياق من سورة البقرة. وينتهي بالتوجيه إلى التقوى ومراقبة الله الذي إليه نحشر.
فالحج اختيار وتقوية وتدريب لقدرة المؤمن على ضبط شهواته وجوارحه، أشد ما يكون الجسم تحملا لمشقات التنقل، وأشد ما تكون النفس حرجا من الغربة والزحمة.
إنها مدرسة الصبر. منهاج تربية، إخراج للمرء من عاداته وأنانيته وإلفه ورخاوته إلى التقيد بالشرع في الحركة والكلمة والخطرة، إلى التواضع والتخلق والتحمل.
الجسم في امتحان وشدة. فتضطرب النفس حين يضيق عليها في رفاهية مركبها. نقلة وانقلاب في العادات لتنقلع النفس عن أرض كسلها وعبثها وارتفاقها. وذكر الله هو الهدف والزاد.
إنه استنهاض للنفوس أن ترتفع عن صغائر الأمور وسفسافها إلى التجرد عن الماديات، بالتقلل منها، والصبر على دواعي الغضب ونوازع الشهوة.“

يمثل الحج شكلًا عاليًا من الجهاد. سألت السيدة عائشة، زوجة النبي، صلى الله عليهما، الرسول قائلة: “يا رسول الله! نرى أن الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟” قال: “لا، أفضل جهادكن حج مبرور.”

الحج يعلم التواضع وحسن السلوك مع الجميع، والتحمل والسيطرة على الذات حتى عند التعرض لـ”ظلم” صغير مثل الدفع أثناء الطواف أو تجاوز الدور للصعود إلى الحافلة، أو الكلمات غير اللطيفة من شرطي. إنها انتقال وتغيير في العادات التي تخرج الإنسان من أرض الكسل والراحة. يُدعى الحاج لتحويل صعوبات الرحلة والبعد عن الراحة اليومية إلى فرصة لاختبار وتعزيز قدرته على المقاومة والصبر. إنها لحظة يمكن للمؤمن أن يتحرر فيها من الانشغالات الدنيوية ويركز تمامًا على علاقته مع الله.
في هذا السياق، قد يسأل سائل: لماذا نتكبد المشاق لنذهب إلى الله في رحلة الحج, ولماذا هذه الهجرة المضنية.. والله معنا في كل مكان.. بل هو أقرب إلينا من حبل الوريد.. وهو القائل إنه “قريب مجيب الدعوات”.. بل إن قربه لنا هو منتهى القرب.. فما الداعي إلى سفر وارتحال لنقف فوق عرفه لندعوه منها.. وهو القريب منا قرب الدم من أجسادنا.
يجيب على هذه الأسئلة المشروعة الكاتب المصري د. مصطفى محمود في كتابه “الطريق إلى الكعبة”:
“والحقيقة أن الله قريب منا بالفعل وأقرب إلينا من الدم في أجسادنا ولكننا مشغولون على الدوام بغيره. إنه لا يقيم دوننا الحجب ولكننا نحن الذين نقيم هذه الحجب.. نفوسنا بشواغلها وهمومها وأهوائها تلفنا في غلالات كثيفة من الرغبات.. وعقولنا تضرب حولنا نطاقاً من الغرور.. وكبرياؤنا يصيبنا بنوع من قصر النظر ثم العمى .. فلا نعود نرى أو نحس بشيء سوى نفوسنا .. وهذا هو البعد رغم القرب ..

والهجرة على القدمين وتكبد المشقات والنفقات هي وسيلة مادية للخلوص من هذه الشواغل وتفريغ القلب لذكر خالقه ولإيقاظ الحواس على حقيقة هذا القرب القريب لله.
ومن هنا كانت كلمة “عرفه” .. فبعد رحلة من ألوف الأميال يتيقظ القلب على “معرفة” .. فهو “يَتَعرّف” على ربه ويكتشف قُربه، و “يَتَعرّف” على نفسه ويكتشف بُعدها ..”

الحج هو لحظة عظيمة من الوحدة بين البشر، حيث تتلاشى الفروقات بين الجنسيات، اللغة والوضع الاجتماعي، تاركة المجال لتجربة جماعية من الإيمان والإنجماع على الله. يقدم الحجاج، مرتدين لباس الإحرام، متجردين من أي علامة تمييز دنيوية، مما يرمز إلى المساواة بين جميع البشر أمام خالقهم. يستحضر إلى الذهن لباس الإحرام الكفن، اللباس الذي يُلبس لمن أنهى أيامه في هذه الحياة ويستعد للقاء ربه ليحاسب على إقامته في هذه الدنيا. تشبه العديد من مناسك الحج مشاهد القيامة ويوم الحساب، مثل الوقوف في عرفات، الذي يمثل اللحظة المحورية للحج. قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “الحج عرفة.”

وقف مليونا حاج بلباس واحد، في مكان واحد، بقلوب متجهة نحو إله واحد. كان الوقوف في عرفات بالتأكيد أكثر اللحظات عمقًا وتأثيرًا في هذا الحج بالنسبة لي أنا كذلك، خاصة في اللحظات التي سبقت غروب الشمس، عندما كنا جميعًا متجهين نحو القبلة، مكة المكرمة، حيث تغرب الشمس. أمامنا ملايين الناس الذين يتحدثون مباشرة إلى الله بدون وسطاء، كل واحد بلغته الخاصة، يجثون على الأرض في العراء حيث لا توجد محاريب للصلاة، ولا مآذن، ولا قبب، ولا منابر، ولا سجاد، ولا أسقف مذهبة، ولا جدران من الرخام والعقيق. لا شيء سوى السماء المفتوحة، القلوب تنفتح، تتعرى، تبكي… جميعنا نبكي. في تلك اللحظة من اللقاء مع النفس ومع الله، حيث تبدو الكلمات ضئيلة، لا يستطيع اللسان التعبير عما يشعر به القلب، تبدو العبارات صامتة، ولا يبقى سوى الدموع، دموع الفرح، دموع التوبة، دموع التزكية، دموع الميلاد القلبي. إنها لحظة فجر روحاني لا يعرفه إلا من جربه.

قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: “من حج البيت ولم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه.”

مكة المكرمة، 19 يونيو 2024، الموافق 13 ذو الحجة 1445

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...