في ذكرى اليوم الوطني للمهاجر..المهاجر المغربي بجنوب إيطاليا.. لا بواكي له

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ذ. أحمد براو

 

 

تتعدد معاناة المهاجر المغربي بداية من لوعة الغربة وحرقتها ولهيب الوحدة وعذاب التهميش وضراوة الإنعزال في مجتمعات مختلفة ثقافيا وبيئة جديدة غريبة وأحيانا مستنكرة إن لم نقل متصادمة مع قناعاته التربوية ومرتكزاته الأخلاقية وقواعده الدينية و تكويناته النفسية، مرورا بمسارات صعبة من أجل التواصل واللغة والاندماج لإيجاد موطئ استقرار وهدوء للتمكن من إدارة دواليب الحياة والمعاش الصعبة خاصة في مجالات الشغل والسكن والحياة الكريمة التي لهث كل ماضيه للبحث عن بصيص منها، كما تتراكم عليه الهموم ويضطر لمواجهة مشاكل التمييز والعنصرية والشعور بالدونية والإذلال أمام أهل بلد الإقامة الذين يمتصون زهرة شبابه ويستغلون جهده وطاقته وفكره وصحته وربما تصل هذه الظروف القاسية لوضع حدا حياته بأسباب متنوعة وياما سمعنا من حوادث أدت لوفيات المهاجرين سواء في الشغل أو في الطرقات وحتى الغرق، “الأسباب متنوعة والموت واحد” كما يقال وهو قدوم الأجل. ورغم أن المهاجر رقم صعب و مهم في مجال تنمية بلد الإقامة إلا أنهم يضمرون ذلك ويبدون أنهم ليسوا في حاجة إليه ويشعرونه أنه مستغنى عنه وهو فقط رقم زائد ليس له أي دور، بل هو عبئ اقتصادي تضطر الدولة المضيفة لتأمين الشغل والسكن والخدمات الإجتماعية التي يتمتع بها باقي سكان البلد. ليس هذه فقط هي مظاهر المعاناة التي تختلف وطأتها من مهاجر لآخر حسب الظروف والحظ والصبر والمتابرة للحصول على بعض المكتسبات، لكن هناك معاناة أخرى تتجلى في تخلي البلد الأصلي عن رصد ومتابعة ودعم أفراد الجالية وتركهم فريسة لمخالب الإستغلاليين سواء من أبناء جلدته الذين سبقوه بالهجرة ليقضوا مضجعه بالتوسط و”التسمسر” أو بسبب التهميش وهو في أشد حاجة للدعم والمؤازرة والإنصات لحل مشاكله وهمومه. دون أن نتكلم عن معاناته مع السلطات والإدارة سواء منها في بلد الإقامة أو التمثيليات المنوط بها خدمة المواطن المغربي المهاجر. ويستفحل الأمر عند زيادة المسؤولية من شخصية إلى متعدية فتزداد بذلك ظروفه صعوبة لما يصبح ربا لأسرته ومسؤول عن إعالتها وتربيتها وتعليمها والنفقة عليها وإحاطتها بكل ما تحتاجه من عناية وحماية ليجعلها تمتع بمستوى عيش تليق بها إسوة بباقي أسر بلد الإقامة. وهنا تتحول حياة هذا المهاجر المسكين لأقسى ما تتحمله الجبال، وإذا أخفق في هذه التجارب فسيتعرض لنكسات نفسية وصحية ويفقد أسرته أو بعضها إذا لم يتداركه القدر ويجد الملجأ والمنجى، والله المستعان.

– الجالية المغربية بجنوب إيطاليا نموذجا
تشهد الجالية المغربية خصوصا في جنوب إيطاليا الفقيرة والنائية أشد أصناف وضروب هذه المعاناة فإذا كانت وطأتها قوية في باقي الجهات والمناطق في الوسط والشمال، ففي الجنوب أنكى وأشد إيلاما، أولا لنوعية المهاجرين المغاربة المتواجدين بالجنوب الإيطالي ومناطق انطلاقهم بالمغرب بحيث عادة ما تجد غالبيتهم من البوادي والقرى وبعضهم من أطراف المدن والأحياء الهشة، الطبقة الساحقة منهم ضعفاء التمدرس والتكوين والتعليم. فيقصدون الجنوب لمزاولة التجارة والفلاحة والسخرة اي العمالة اليدوية لكسب مؤقت وليس قارا ومنظما. ولا يخضع لقوانين الشغل وحقوق الشغيلة.
كما يفتقدون للأسف لفك شفرات اللغة وهو ما يصعب عليهم عملية التواصل ويجعل من فرصة الإندماج جد بطيئة إن لم نقل مستحيلة، بحيث تسأل أحدهم عن مدة الإقامة فتصدم برقم يتجاوز أحيانا ثلاثة عقود ولا يستطيع تكوين جملة مفيدة وسليمة في اللغة الإيطالية.

– الجمعيات المغربية لا حيلة لها
كما عرفت هذه المناطق الجنوبية طفرة في السنوات العشر الأخيرة من حيث التنظيمات والتكتلات الجمعوية التطوعية التي تعنى بحاجيات الجالية لكنها انتكست مرة أخرى بعد جائحة كورونا، فقد حاول بعض النشطاء الجمعويين وضع لبنة لتأسيس عمل وحدوي وتحالفات لتعميم الفائدة وتبادل الخبرات وللمساهمة في رسم نسيج المشهد الجمعوي ونقل معاناة الجالية للسلطات المغربية وبالفعل تمكنت من الوصول حتى قبة البرلمان المغربي وبعض الوزارات كوزارة الخارجية ووزارة النقل ومؤسسات مثل مجلس الجالية ومؤسسة الحسن الثاني وبعض الأحزاب خصوصا الإستقلال والحركة الشعبية والأحرار. ووضعت ملفات قيد النقاش مثل مشكل رخص السياقة، والنقل من الجنوب مباشرة للمغرب عبر الطيران والبواخر، ومسألة نقل الجثامين وبعض الخدمات القنصلية، والتي للأسف قلصت من تقريب الإدارة من المهاجرين ونزول عدد تنقل القنصليات في كالابريا مثلا وهي في أقصى الجنوب بمعدل مرة واحدة في السنة بعدما كانت تتنقل ثلاث مرات وبالإضافة لهذا التراجع الحاد، تم إلغاء خدمات مهمة كتقديم طلبات الجوازات والبطائق الوطنية وبعض الخدمات الضرورية المتعلقة بالعقود والشواهد واقتصر الأمر فقط على توزيعها وهو ما عقد من جديد مسألة السفر المضني للعديد من الأسر لمسافات تزيد عن 450 كيلومتر ولمدة يومين بميزانيات تقض مضاجع الأسر ذات خمس أو ستة أفراد بمصاريف وتكاليف تتجاوز الألف أورو، مليون بالدارجة المغربية، بين مصاريف التنقل ورسوم التمبر حتى أصبحت تسوية الوثائق فزعة ومعاناة لا تتحمل الأسرة المهاجرة سماعها وأغلبهم يفضلون العودة للوطن لتقديم الطلبات.
إن الجالية المغربية بالجنوب الإيطالي لا بواكي لها ولا من يحرك ساكنا ولا من مجيب لمشاكلها ومشاكل أبنائها وشبابها من الجيل الثاني فالمراكز الإسلامية المنتشرة ليس لها أي علاقة بهموم الجالية ولم تجعل من أولوياتها تحقيق مطالبها والعمل على التخفيف من معاناتها بل تكتفي بتسيير المسجد وصلاة الجمعة وجمع التبرعات وهي محظوظة إذا استطاعت أن تسير المسجد وتتجاوز مشاكلها الداخلية والتراشقات بين المسؤولين. ومعظم الجمعيات التطوعية المغربية لا تستطيع مجارات القوانين والمساطر المنظمة لعمل القطاع الثالث ما يجعلها تبحث وتلهث عن الدعم والتمويل لكن بدون جدوى خصوصا بعد إحداث السجل الوطني لهيئات القطاع الثالث، والإقصاء من الدعم لكل الجمعيات التي لا تستجيب لدفتر التحملات وحرمانها من أي مشاركة في تقديم طلبات الشراكة والمشاريع.

– صرخة مدوية لحل مشاكل آنية
هناك عدة أمور مستعجلة تخص الجالية لابد من العمل على حلها في أسرع وقت ونحن على أبواب عملية مرحبا. أولها، هو تكثيف وتنظيم قنصليات متنقلة كاملة مكملة في المناطق النائية كما يحدث في باقي الجهات بإيطاليا وليس الإكتفاء فقط بتوزيع الجوازات والبطائق الوطنية المنجزة فهذه ليست قنصليات متنقلة بل هي فقط نقاط توزيع، ثانيا لابد من تحريك ملف رخص السياقة فبعد أكثر من مائة يوم على توقيع اتفاقية التبادل بين إيطاليا والمغرب بخصوص استبدال رخص السياقة فلا زال هذا الملف طي الرفوف ولم ير النور بسبب تأخر الأمانة العامة للحكومة المغربية كما طرق آذان بعض النشطاء الحقوقيين، ولازالت معاناة السائقين المغاربة وأرباب الأسر يعانون من التنقل، ثالث هذه الأمور هي مسألة النقل الجوي والبحري رغم كثرة المناشدات والمحاولات وطرق الأبواب في كل الجهات من شركات الطيران والنقل البحري والمؤسسات المغربية والإيطالية والبعثات القنصلية، فلازالت دار لقمان على حالها، إذا أردت السفر للمغرب بالسيارة من منطقة كالابريا فعليك أن تسافر أكثر من ألف كيلومتر حتى تصل للميناء. وإذا أردت التنقل عبر الطيران فلابد من التوقف مرة أو مرتين وتغيير الطائرة بحيث لا توجد رحلات مباشرة من كالابريا للمدن المغربية.

أحوال مزرية ومستعصية، تحضرني في غمرة العطل والصيف وعملية مرحبا وذكرى يوم المهاجر الوطني وعيد العرش المجيد, هذا هو الواقع فما العمل؟
هناك مشاكل عويصة عدة تواجهها الجالية المغربية بالجنوب فيما يخص الرعاية الإجتماعية والثقافية الغائبة تماما، غياب برامج وأنشطة تربوية وتعليمية للأطفال، ورعاية المسنين وإدماج النساء، ونقل الأموات، وزيارة السجناء والتخفيف من معاناتهم. هذا بالإضافة إلى مشاكل عقود الشغل والسكن والإقامة والزواج والطلاق والتفكك الأسري، بحيث تنهش جيوب المواطنين المغاربة بعض الذئاب من السماسرة المتواطئين مع الفسدة من المحامين والمجرمين لنهب أكبر قدر من أموالهم التي يضحون بصحتهم وجهدهم ووقتهم حتى يجمعونها بل ويضطرون للإستدانة والسلف لقضاء أغراضهم.
هذا غيض من فيض مما تعانيه الجالية المغربية المغتربة في جنوب إيطاليا وهو ما حاولت وضعه أمام الرأي العام ليس قدحا في أحد أو تبخيسا من عمله ونشاطه، وإنما هو نداء صادق لمن عاش ويعيش يوميا و يعاين مرارا وتكرارا صنوفا من هذه المعاناة أملا في أن تجد آذانا صاغية أو على الأقل إيصال صوت ما لا صوت له.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...