رمزية المخيم في رواية «سبع شداد» للأردنية نردين أبو نبعة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

موسى إبراهيم أبو رياش (*)

المخيم، أي مخيم، يعني التشرد والضياع والتيه والغربة والحرمان والفقر والمستقبل المظلم، والأحلام المقتولة، والخوف في كل لحظة. وأن تعيش في مخيم، يعني أن تعيش على فتات الذكريات، على الماضي، فهو الوحيد الذي يمدك بالأمل، إن كان ثمة أمل يلوح في الأفق!
والمخيم، يعني لسكانه وطنهم الذي هربوا منه؛ بحثًا عن أمن وفرصة حياة. وكل مخيم هو وطن مصغر، فالجميع ـ في الغالب- يعيش الظروف نفسها، ويعاني من المشكلات ذاتها، وربما لا تختلف أوضاعهم الاقتصادية والمعيشية إلا قليلًا. ولذا فالمخيم بالنسبة للعراقي، هو العراق، وللسوري هو سوريا، وللفلسطيني، هو فلسطين، وهكذا لكل شعب كُتب عليه التشرد والضياع.
في رواية «سبع شداد» للروائية الأردنية نردين أبو نبعة، حضر المخيم بقوة، من خلال مخيم «اليرموك» للفلسطينيين في دمشق، الذي تجنب الكارثة السورية في البداية، ولكنه ما لبث أن وقع ضحية لصراع الفرقاء ومصالحهم وخلافاتهم ، فدُمرَّ، وجرى عليه ما جرى للأحياء السورية، وربما أشد.

ستتناول هذه المقالة رمزية المخيم ودلالاته، باعتباره فلسطين المصغرة، أو فلسطين الدمشقية، فكل مخيم فلسطيني في أرض الشتات، هو فلسطين، يحمل همّ فلسطين وقصصها وحكاياتها وتراثها وثقافتها وهويتها، ومهما طال الزمن وتغيرت الظروف، فسيبقى المخيم الفلسطيني، فلسطينًا تنتظر العودة إلى أمها، إلى مسقط رأسها، إلى أرضها، إلى مستقرها وحضنها.
المخيم الفلسطيني، مدرسة، مدرسة وعي وسياسة وفكر وحياة، ولذا فالطفل الفلسطيني أكبر من عمره في الغالب، فإبراهيم وهو في السادسة كان: «يستمع لأحاديث الرجال وتحليلاتهم السياسية للأوضاع وحال المخيم ومشكلاته.. وعندما كبر قليلًا، وعى أن المخيم هو فلسطين المصغرة.. فلسطين الضاجة بالهتافات والمسيرات وجنازات الشهداء.. بالشعارات التي تملأ جدرانه.. بمقبرة الشهداء التي تتسع يومًا بعد يوم.. عرف إبراهيم أن المخيم هو خيانة الأنظمة العربية، هو الثمن لعروشهم الثابتة… هو التيه الجديد.. هو حضور وسيادة الاحتلال، وصمت وقهر الشعوب».

المخيم لقاطنيه، هو وطنهم المؤقت إلى حين عودة، يجمع شتاتهم في أرض الشتات، وخاصة للأجيال التي ولدت فيه، فهو بالنسبة لها واقع، وفلسطين ذكريات وحكايات تتناقلها شفاه الكبار، ولذا فإن بيسان «لفترة طويلة جدًا.. كانت تعتقد أنها تعيش في فلسطين.. كانت تحفظ كل أسماء الشهداء والقرى والبلدات.. لم تعرف أنها في مخيم أبدًا! المخيم هو فلسطينها.. فلسطينها التي تقضي فيها السهرات العائلية وتتدحرج على ترابها وتركض على شاطئها وتجمع الأصداف وترسم العلم وتغني وتدبك الدبكات الفلسطينية».
وإذا رُوي تراب المخيم بدماء الشهداء، فقد دفع الثمن، وتعمد وطنًا آخر، تتساءل بيسان: «أيعقل أن يصبح المخيم وطنًا آخر؟ نعم لقد أصبح وطنًا آخر! أتدري لماذا؟ لأنه مليء بالشهداء وهم من يمنحون المخيم بهاء الوطن وخضرته.. المخيم هو وطن المكروبين والموجوعين.. عندما تسكن المخيم يسكنك بكل ما فيه.. يسكنك هو والوطن.. فتصبح بوطنين.. فيستكثرون عليك ذلك ويسلبونك الاثنين معًا، وما أقسى أن تفقد وطنك مرتين».

رفض سعيد رسام الكاريكاتير فكرة الخروج من المخيم، ليس لأنه عاشق للمخيم، أو لأن المخيم جنة، ولكن لأن المخيم بظروفه الصعبة وحياة البؤس فيه، يذكره بأن له وطنًا ينتظر عودته، بأن فلسطين لا ترضى لها بديلًا، وأن حياة الرفاهية قد تُنسي، يقول سعيد: «لن أخرج من المخيم مهما حدث، ومهما عرضوا عليّ من مغريات». وكانت رسوماته سلاحه «كل رسمه كانت بمثابة صفعة تدوخ المحتل، وتحرجه، كل رسمه كانت فجرًا يتسلل برقة إلى المتعبين والحالمين بالعودة.. كان يحفظ كل قصص المخيم… ويحولها لرسومات… كان يسرد القصص والحكايات بريشته، كان يكتب ويصفع بريشته». كان سعيد ذاكرة فلسطينية حية «يتخيل فلسطين التي لم يرها.. ينظر إليها من سفح الذاكرة، الذاكرة التي غزلها من حكايا ختيارية المخيم.. كان يردد ما يقوله جده دومًا: فلسطين للكف الساخنة التي ما هادنت ولا صافحت.. فلسطين لمن رفض السجود لعجل السامري، فلسطين لمن حفرها في الصدر ونقشها في الذاكرة». وهو بالإضافة إلى أنه يحفظ كل تفاصيل المخيم وتاريخه «كان يحفظ أسماء القرى الفلسطينية والعائلات التي هاجرت منها لليرموك، وتفاصيل النكبة والتهجير.. كانت (شادية) تلتقط الكثير من الحكايا والتفاصيل التي تسمعها لأول مرة، والتي عرفت في ما بعد أنها الشرر الذي يقدح لوحاته كرسام ويُلهب روح الشاعر إبراهيم».

كان المخيم صورة ناطقة لفلسطين، يجسدها لتبقى حاضرة في الأذهان: «المخيم وطن داخل وطن، المخيم الذي تشتم فيه رائحة الزعتر وتقطف العكوب، وتلتقط الخبيزة وتستمع فيه لأغاني «أبو عرب».. تترنم بسمع الشبابة والمجوز واليرغول، تدبك مع الشباب الذين يدبكون الدبكة الفلسطينية في الشوارع، يطالع الجدران الملأى بصور الشهداء وكأنه يستلهم منهم القوة.. في المخيم لا تملك سوى ذكرياتك المرة، ولكي تصبح هذه الذكريات محتملة ومستساغة… لا بد أن تحكيها.. أو ترسمها وإلا مت من المرار الطافح في حلقك». لا تكون الهجرة والتشرد خيارًا في كثير من الظروف، بل هي المنفذ الوحيد للتشبث بالحياة، وإلا فمن يقبل حياة الذل والضياع والغربة؟ تلوم بيسان جدتها: «لو أنكم متم لكان الموت أرحم من اللجوء.. لقد صرنا لاجئين تُسد الأبواب في وجوهنا ونُعامل كحثالة، منشورين كملابس رثة مهترئة على حبال غسيل في كل أنحاء العالم، فلا جنسية ولا جواز سفر ولا قيمة لنا، الكل ينظر لنا نظرة ازدراء.. وكانت الأسئلة تقف في حلق بيسان، تستعصي أن تخرج.. وعرفت الإجابة على كل تلك الأسئلة في يوم الخروج من المخيم».

المخيم في الحقيقة، سجن، وإن كان بلا أسوار، ولكنه جدران نفسية واجتماعية واقتصادية كثيرة ترتفع بين المخيم وما حوله، وثمة بون شاسع بين المخيم ومحيطه، شرخ عميق «المخيم هو الوجه الحقيقي لضمير العالم المزيف».. تقول بيسان عن مخيمات اللجوء السوري في تركيا: «يحشرونهم في المخيمات، كما حشروا الفلسطينيين من قبل، وكأنه محكوم على اللاجئ أن يبقى لاجئًا حتى الموت! يعدون عليه الحركات والأنفاس، يحبسونه في هذه الأقفاص بحجة حفاظهم عليه لحين العودة». والمخيم، بما يملك من مخزون كبير للذاكرة، وبتنوعه المدهش، وتمثيله الدقيق للشعب الفلسطيني، وبظروفه القاسية، كان ملهمًا للكتابة والرسم وغيرها، تكتب خُزامى: «الكتابة لفلسطين هي محاولة للإمساك بالوطن وزرعه في الذاكرة.. المخيم مليء بالحكايات ولهيب الوجع والانكسار والهزائم.. ويحتاج إلى خرطوش إطفاء.. القلم هو الذي يطفئ هذه النيران».
وكانت المرأة الفلسطينية في المخيم تدرك أهمية الكتابة وأثرها، وأنها الأقدر على التوثيق، وبث الأمل «كانت بيسان تضحك عندما ترى نساء المخيم يسرعن ليرتدين أبهى ما عندهن بمجرد رؤيتهن لأمها! واكتشفت أن سبب ذلك هو أنهن يرين أنفسهن بين سطور كلماتها.. في الحقيقة كانت تكتبهن، كانت ترسمهن بدقة.. كانت صوتهن الذي فقدنه.. هي من كانت تعيد ترتيب حكاياتهن.. لم تكن تحتاج للخيال كي تكتب.. فما كانت تسمعه من ختياريات المخيم جعلها تسخر من الخيال، وتوقن أن في المخيم قصصًا تتفوق على الخيال».

وبعد؛ فإن «سبع شداد» دار المعرفة ـ القاهرة 2019 ـ 256 صفحة» رواية تناولت كارثة مخيم اليرموك، الذي كان يعج بالحياة والنشاطات والفعاليات الثقافية والسياسية والاجتماعية، وكان مقرًا لمعظم التنظيمات والقيادات الفلسطينية، وما لحق به، هو تذكير بشعب ما زال يعاني ويُشرد، تتلاطمه أمواج السياسة والمصالح والتوازنات الدولية، في تغييب متعمد لقضيته الأساسية، التي تتقاطع مع كل القضايا العربية الرئيسة، ولن تحل قضية عربية بدون العودة إلى البوصلة الصحيحة، ولا بوصلة إلا القدس.

كاتب أردني (*)

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...