مداخل ومخارج اعتناق الإسلام في أوربا

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*منتصر حمادة

 

 

كما أن هناك مجموعة من الأسباب التي تقف وراء اعتناق الإسلام في الساحة الغربية، فإن هناك، موازاة مع ذلك، مجموعة مداخل أو قل أبواب لهذا الاعتناق أو التحول من مرجعية دينية أو مادية نحو اعتناق الإسلام، والحال أنه نادراً ما صدرت في الساحة العربية البحثية، دراسات تشتغل على عقد مقارنات بين مداخل ومخارج اعتناق الإسلام، نقصد بذلك، عقد مقارنات بين طبيعة أنماط التدين الإسلامي التي ولج عبرها المسلم الجديد المجال الثقافي الإسلامي، وطبيعة ممارسته الإسلامية في مرحلة ما بعد الاعتناق.
ونحسبُ أنه من شأن الاشتغال على هذه الجزئية، تزكية الخلاصات التي جاءت في أغلب المقارنات البحثية التي اشتغلت على القلاقل التي تسببت فيها لنا الظاهرة الإسلامية الحركية، بصرف النظر عن أسباب الظاهرة، لأنها متشابكة، وتحتمل عدة عوامل أو محددات.

هناك مجموعة مقدمات مصاحبة لظاهرة اعتناق الإسلام في الغرب، ومن ذلك، نذكر على سبيل المثال لا الحصر؛ تبعات النهل من العدمية والفوضوية، كما هو الحال مع ما جرى مع جيل ما بعد مظاهرات 1968، التأثر بمعاملة مسلمين هناك، ممن لا يرفعون شعارات إصلاحية، ولا علاقة لهم أساساً بخطاب دعوي أو إسلامي حركي، وإنما يعملون بقاعدة “الدين المعاملة”؛ قراءة نصوص إسلامية مباشرة، دون المرور على الوسائط الفكرية والإعلامية وغيرها، من قبيل قراءة النصوص القرآنية أو تأمل التجربة النبوية أو بعض النصوص التراثية، وخاصة الصوفية؛ إضافة إلى أسباب أخرى، ونحيل هنا على كتاب صدر في الموضوع منذ عقد، للباحث صالح عبد الرزاق، بعنوان “اعتناق الإسلام في الغرب : أسبابه ودوافعه”، وإن لم يكن شاملاً في حصر جميع الأسباب، فهذا أمر صعب، ولا أحد يدعي الكمال، ولكن يُحسبُ للمؤلف أنه طرق باب الاشتغال البحثي على الموضوع، بصرف النظر عن مرجعيته الإيديولوجية.

لا نتوقف في هذه المقالة عند أهم أو معالم هذه الأسباب، بقدر ما يهمنا التوقف عند معالم المداخل التي يتم عبرها اعتناق الإسلام، بمعنى آخر، لنفترض أننا اختزلنا جميع الأسباب في سبب واحد، جامع مانع، فإننا أمام محطة ثانية، عنوانها طبيعة التديّن الإسلامي الذي يعتنقه هذا المتديّن المسلم الجديد.
وإذا حسمنا في أهم هذه المداخل (السؤال الثاني)، يمكن حينها الانتقال في سؤال ثالث، لا يقل معضلة، وعنوانه مخارج هذا الاعتناق أو تأثيره على الواقع الإسلامي هناك، سواء مع المواطنين الأوربيين غير المسلمين، وهم أهل الدار/ الوطن، أو مع الجاليات المسلمة.
من باب تبسيط الخوض في هذا المقام الثاني المؤرق، يمكن الجزم أن هناك ثلاثة مقامات من اعتناق الإسلام في الساحة الأوربية، ونوجزها في ما يلي:

ــ هناك مقام خاص بالنخبة، سواء كانت سياسية أو بحثية أو إعلامية أو فنية أو رياضية أو غيرها، ويمكن ذكر لائحة عريضة من الأسماء، منها المغني البريطاني كات ستيفانس (يوسف إسلام)، السفير الألماني السابق مراد هوفمان، مغني الراب الفرنسي عبد المالك، الناشط الجمعوي الإسباني منصور إسكوديرو، الباحث الفرنسي إريك جوفروا، أحد رموز الاشتغال الأوربي على سؤال التصوف، وأسماء نخبوية أخرى.
ــ هناك ثانياً مقام خاص بما قد نصطلح عليه “العامة” أو البسطاء، وليس العامة من منظور إيماني، أي أهل مقام الإسلام، موازة مع أهل مقام الإيمان وأهل مقام الإحسان.
والحديث هنا عن أي حالة تهم فردريك أو كارتين، التي اعتنقت الإسلام، دون أن يكون فردريك محسوباً على النخبة، أو أن تكون كارتين تزوجت إدريس العربي المسلم مثلاً، واعتنقت تديّن البسطاء، وهو التديّن الأقرب إلى الفطرة السليمة، البعيد عن التديّن الحركي.
ــ وهناك ثالثاً، التديّن الحركي، أو تديّن الخطاب الإسلامي الحركي، وخاصة تديّن الحركات الإسلامية، السلفية الوهابية، الإخوان، “الجهاديين”، التشيع الطائفي.. إلخ، ويمكن أن نضيف في هذه الخانة، من باب التصنيف الإجرائي، تديّن الطرق الصوفية، ونقصد اعتناق الإسلام عبر بواب التصوف الطرقي، أو التصوف الفردي، وإن كان العمل الصوفي مختلفاً في خطابه وأهدافه مقارنة مع العمل الإسلامي الحركي.

بعد استحضار مُجمل هذه المداخل التي اعتنق عبرها غير المسلم، الإسلام، حينها، ننتقل إلى السؤال الثالث سالف الذكر، وجاء في صيغة استفسارية: ما هو تأثير هذا الاعتناق على أحوال المسلمين هناك؟ وهل يمكن أن يكون إضافة نوعية أو يكون باباً من أبواب إثارة مشاكل، تبقى الجاليات المسلمة في غنى عنها، خاصة مع تصاعد أصوات خطاب الإسلاموفوبيا، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية؟
تكمن أهمية الشق الثاني من هذا السؤال، عندما نستحضر السياق التاريخي الذي تمر منها القارة الأوربية والعالم بأسره، أي سياق “أزمة كورونا” الذي يتميز بتفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية وغيرها، وفي مثل هذه الأحداث، كما جرى في أحداث تاريخية سابقة، نعاين عودة الديني (وليس عودة الدين، لأن الدين قائم أصلاً، لولا أن هذه الجزئية تجهلها الإيديولوجيات الدينية والمادية).
وبمقتضى عودة الديني، وتهم التفرعات الثلاثة للديانات الإبراهيمية: اليهودية والمسيحية والإسلام، سنعاين، من باب تحصيل حاصل، موجات جديدة من اعتناق الإسلام في الساحة الأوربية، ومن هنا بعض أسباب تحرير هذه المقالة.

واضح أنه لا يمكن توقع مشاكل ميدانية كبيرة مع أهل المقام الأول والمقام الثاني، أي أهل النخبة والعامة الأوربية التي اعتنقت الإسلام، وبيان ذلك كالتالي:

ــ أقصى القلاقل التي يمكن أن تصدر عن أهل المقام الأول، أي المقام النخبوي، تهم الاشتغال النظري في قضايا تهم الخطاب الإسلامي (الفقه، التصوف، فلسفة الدين، قضايا الاجتهاد..إلخ)، وهذه قضايا نظرية تهم النخبة المسلمة في العالم بأسره، وقائمة منذ قرون، ولا تخرج نتائجها عن قاعدة “البقاء للأصلح”، رغم كثرة اللغط والهرج والمرج السائد في المنطقة والعالم الإسلامي، سواء بسبب تطفل الإيديولوجيات الدينية والمادية، أو بسبب تواضع أداء العديد من المؤسسات الدينية في المنطقة العربية على الأقل (مؤسسة القرويين، مؤسسة الأزهر، مؤسسة القيروان).
ــ أقصى القلاقل التي يمكن أن تصدر عن أهل المقام الثاني، أي مقام العامة، تبقى حالات فردية، ولا تثير الكثير من الإثارة الإعلامية والبحثية والسياسية وغيرها، بل غالباً ما يتم حصر أسبابها وتداعياتها في الشق العائلي الصرف، مادامت بعيدة عن أي ارتباطات بمشاريع دينية إيديولوجية، سواء كانت دعوية أو سياسية أو قتالية، وبالتالي، تبقى هذه القلاقل، حالات عابرة، بما يُحيلنا على مأزق القلاقل التي فرضت نفسها في سياق استحضار السؤال الثالث سالف الذكر.
بقي أمامنا إذن، مدخل اعتناق الإسلام عبر بوابة مشاريع دينية، من قبيل المشروع الإسلامي الحركي (إخوان، سلفية وهابية، شيعة.. إلخ)، أو عبر باب التصوف، في شقيه النظري والمؤسساتي أو قل الطرقي.

نبدأ بهذا الأخير، أي العمل الصوفي، حيث يجب التفريق بين اتجاهين اثنين، وإن كانت النتيجة في مرحلة ما بعد اعتناق الإسلام شبه متقاربة: نتحدث عن معتنق الإسلام عبر بوابة التصوف الطرقي، أي عبر بوابة الانتماء إلى طريقة صوفية ما، أو عبر بوابة التصوف الفردي، الذي يرفع شعار “ما بعد الطرقية”، بمعنى تبني الخيار الصوفي، بشكل فردي، دون الانتماء المؤسساتي إلى طريقة صوفية ما، وغالباً ما يكون ذلك تحت تأثير أحد أعلام التصوف (ابن عربي، الحلاج، الغزالي، عبد القادر الجيلاني.. إلخ)، ونذكر من هذه الأسماء اليوم، إريك جوفروا سالف الذكر.
وإجمالاً، لا نسمع عن قلاقل تصدر عن هؤلاء، بخلاف السائد من الصنف أو التيار الثاني، أي التيار الإسلامي الحركي، وهذا هو المحور الثاني من مقامات الاعتناق.

معلوم أن تأمل خطاب العديد من رموز الإسلاموفوبيا، يجعلنا نستحضر حضور ما يصدر عن أتباع الإسلاموية بشكل عام، وقد تزايدت حدة الأسباب المغذية للاتجاهين خلال العقدين الأخيرين: الخطاب الإسلامي الحركي يغذي الخطاب الإسلاموفوبي، والعكس صحيح، والنتيجة، اتضح أنهما يتسببان للمسلمين وغير المسلمين في قلاقل كانوا في غنى عنها، ويكفي أن نستحضر، على سبيل المثال لا الحصر، عدد الأوربيين الذين اعتنقوا الإسلام وشدوا الرحال إلى سوريا والعراق خلال حقبة ما بعد اندلاع الثورة السورية بينما لن نجد فاعلين اعتنقوا الإسلام عبر التصوف ضمن هؤلاء؛ وعلى صعيد آخر، ليس صدفة أن الباحثة الدنماركية شيرين خانكان، كانت صريحة في كتابها الهام “المرأة مستقبل الإسلام”، عندما أكدت أن خطابها الإصلاحي، النظري والعملي، يروم المساهمة في رد الاعتبار للمرأة المسلمة هناك، والتصدي أيضاً للخطاب الإسلاموي والإسلاموفوبي على حد سواء.
في هذه الجزئيات الدقيقة، رغم أنها تهم أقلية إيديولوجية أساساً، تتضح بعض القلاقل التي يمكن أن تصدر عن معتنقي الإسلام عبر البوابة الإيديولوجية، ومنها البوابة السلفية والشيعية.

صحيح أننا نتحدث عن أقليات، على غرار السائد في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، أي إن الإيديولوجيات الإسلامية الحركية متواضعة الحضور، مقارنة مع عامة وخاصة المسلمين، ولكن الإشكال مع القلاقل التي تصدر عنها (مواقف تحرض على العنف، تشدد وغلو، اعتداءات.. إلخ)، أنها توظف من غلاة اليمين في السياسة والفكر والإعلام، هناك في أوربا، بما في ذلك غلاة الإسلاموفوبيا، بينما غالبية المسلمين، لا علاقة لهم أساساً بهذه الإيديولوجيات: إنها الأقلية المشاغبة التي تشوش على الأغلبية المسالمة.

*رئيس مركز المغرب الأقصى للدراسات والأبحاث. الرباط

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...