حذارِ السلطة التي غلبها رمضان في الجزائر هذا العام

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*ناصر جابي

 

فكرة تراود الكثير من المواطنين المشاركين في المسيرات الأسبوعية، منذ أكثر من سنتين. فما الذي حصل حتى تتجه قوات الأمن، نحو التشدد والقمع، وهي تحاول منع المسيرات منذ آخر مسيرة للطلبة يوم الثلاثاء الماضي. الشيء نفسه الذي كررته في آخر جمعة – الجمعة 115- عندما اعتدت على مسيرات كانت هادئة لغاية ساعتها الأخيرة، عرفت كالعادة بسلميتها الكبيرة، وهي تنادي بالشعارات نفسها، والحضور الشعبي نفسه، الذي ميزها لأكثر من سنتين.

في شهر الصيام، الذي أكد أن عزم الجزائريين أكبر من أن يؤثر فيه الجوع والعطش، وأن رمضان لن «يغلبهم» هذا العام، كما كان يفعل معهم في السابق كأفراد تكثر هوشاتهم، لأي سبب ومن دون سبب، بعد ان تبين لهم بالملموس أن السلطة هذا العام هي التي غلبها رمضان، زادت فيه عدوانيتها، كما كان يفعل الشاب ابن الحي الشعبي، في آخر دقائق يوم الصيام، تحت تأثير غياب «الشمة».

المغرمون بالتحليل الحدثي قد يتوجهون صوب الحدث كالعادة لإيجاد تفسير لهذا التغيير الواضح في سلوك أجهزة الأمن، فقد يكون الإعلان عن توقيت الانتخابات التشريعية هو التفسير لهذا التشنج. فمن المعقول أن تتخوف السلطة على انتخاباتها، التي تعيد تشكيل نظامها من خلالها، في حين تعوّد الجزائريون في المقابل على التعامل معها كحدث ثانوي جدا لا يثير أي اهتمام جدي لدى المواطنين، إذا استثنيا ما قد يجده من بعض اهتمام لدى المرشحين ووسطهم الاجتماعي القريب. فقد اتخذ المواطن الجزائري موقفه في أمر الانتخابات منذ زمن طويل، بعد أن تأكد أنها ليست وسيلة تغيير سياسي. الوضع الاقتصادي والاجتماعي الذي تدهور بشكل لافت في شهر رمضان، قد يكون تفسيرا آخر لهذا التشنج، حتى إن كان أقرب للاتجاه العام منه إلى الحدث. فكل المؤشرات كانت تقول منذ سنوات إن الوضع الاقتصادي ليس في أحسن حال، بل إنه مرشح للتدهور أكثر على المدى القصير والمتوسط، لأسباب هيكلية عميقة، ستزيد في عزلة النظام اجتماعيا، حتى لدى الفئات الاجتماعية، التي كان يعول عليها، ولا علاقة لها بالحدث، مهما كان، حتى إن تعلق الأمر بتدهور أسعار النفط والغاز، التي ما زالت الجزائر تعول عليها بشكل مفرط. تعويل لم يعد ممكنا في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يعيشها العالم، خاصة إذا تم ربطها بتدهور إنتاج الجزائر من هاتين المادتين.

وهو ما يدفعنا إلى البحث عن أسباب أكثر هيكلية على المستوى السياسي هذه المرة، لتفسير، لهذا السلوك العنيف الذي ميّز قوات الأمن اثناء المسيرات وهي تعتدي وتضرب وتعتقل المواطنين بالمئات، حسب مصادر إعلامية وحقوقية، من كل الفئات والاعمار. باختصار السلطة وصلت إلى قناعة أن لا حل لها يمكن ان تتفاوض حوله مع الجزائريين، هي التي ترفض أن تتنازل، أو تقترح أي بديل جدي، يمكن أن يقنع الجزائريين، بأن ما خرجوا من أجله تحقق أو في طور التحقيق. تأكيدا للفكرة المعروفة عن النظام السياسي الجزائري، المستعصي على الإصلاح. نحن إذن أمام عجز جدي على هندسة التغيير السياسي المطلوب شعبيا. يظهر على شكل ضعف مؤسسات صناعة القرار السياسي. وضعف لكاريزما الوجوه السياسية التي وجدت نفسها فجأة على رأس هذه المؤسسات السياسية، في وقت زاد فيه اضطراب النظام ككل، وانعدمت الرؤية لديه. خوف من التغيير وعدم القدرة على إنجازه، لا يمكن تفسيرهما، من جهة أخرى إلا بالمستوى الكبير الذي وصله الفساد داخل دواليب السلطة، ما يجعل أي تغيير جدي داخل هذه المؤسسات بعواقب كارثية على هذه الفئات التي استفادت لسنوات من الفساد، الذي سمح به الريع والتسيير المغلق للنظام السياسي، كما شاهدنا بعض حالاته القليلة من خلال المحاكمات التي تمت بعد انطلاق الحراك وإبعاد بوتفليقة عن الحكم. وهو ما يعني أن هذه الفئات، التي ما زالت حاضرة بقوة داخل مؤسسات النظام – عكس ما يدعيه الخطاب السياسي – تبقى في حاجة الى عملية تفاوض- تتم المزاوجة داخلها بين التطمين والضغط والإكراه، لإقناعها أن بقاء هذا النظام بهذا الشكل من التسيير تحول إلى خطر على البلد وعليها، وعلى الجزائريين كشعب، وأنه كلما طال عمر هذا النظام، زاد حجم الفساد وقلًت بالتالي فرص التغيير الفعلية.

اتخذ المواطن الجزائري موقفه في أمر الانتخابات منذ زمن طويل، بعد أن تأكد أنها ليست وسيلة تغيير سياسي

يحصل هذا العجز عن إنجاز التغيير في وقت يستمر فيه الحراك بنقاط القوة والضعف الكثيرة نفسها، لم تجعله قادرا منذ أكثر من سنتين على الدفع بوجوه، يمكن ان تمنحه تلك القدرة على الفعل السياسي المنظم، ببرنامج حد أدنى، يمكن التوافق عليه بسهولة نسبية، إذا انخفض «منسوب العرعار» عند بعض الوجوه. وعرفت كيف تكون في مستوى اللحظة السياسية التي تعيشها الجزائر. كما يعبر عنها الحراك الذي ما زال يتميز بقوة حضور هائلة استطاعت أن تجند الإطار السامي الكبير في السن والشاب والمرأة الماكثة في البيت، ابنة الحي الشعبي والعامل والبطال. وإلا بماذا نفسر أن يكون من بين الموقوفين في مسيرة الأسبوع الماضي، عبد الرحمن حاج ناصر المحافظ الأسبق لبنك الجزائر، الذي كان ضمن المجموعة الإصلاحية التي حاولت فتح مسار الانتقال السياسي بداية التسعينيات، مسار تكون السلطة قد أعلنت عن غلقه بهذه الممارسات العنيفة، التي ستزيد في عزلها أكثر حتى لدى هذه الفئات الوسطى العليا، التي يمكن التعويل عليها، نظريا على الأقل في مثل هذه الحالات.

قوة تجنيد كمي ونوعي، للحراك عبّرت عن نفسها بعودته القوية في الكثير من الولايات – في الشرق على وجه الخصوص – هي التي قد تكون على رأس أسباب هذا التشنج الملاحظ لدى السلطة هذه الأيام هي التي فكرت، ربما أن فرصة رمضان، يمكن ان تكون محطة ضعف لهذا الحراك تستغلها للبطش به، بعد أن أسكتت الاعلام الدولي وحيّدته منذ أكثر من أسبوعين. استراتيجية جربتها السلطة في الولايات التي عرفت ضعفا مؤقتا في تجنيد الحراك، كما حصل في بعض ولايات الغرب التي قمع فيها المواطنون كما حصل أكثر من مرة في وهران، ما يفرض التعامل الذكي من قبل الحراك مع مستويات التجنيد المختلفة من جهة لأخرى، حتى لا تتحول إلى نقطة ضعف تستغل ضده، داخل مسار إصلاحي ما زال طويلا وشاقا أمام الجزائريين، بنظام متعنت وعاجز عن تصور الحلول لأزماته الكثيرة والمتنوعة.

*كاتب جزائري

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...