علي أنوزلا: ثورة بايدن الهادئة

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

علي أنوزلا

 

كان الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترمب، كلما أراد أن يَسخَر من منافسه جو بادين، عندما كان الأخير مرشّحاً للرئاسة، يصفه بـ “جو النائم”. لكن بعد مائة يوم من تولي بادين الرئاسة، يبدو أن الرجل النائم استيقظ، وكله حيوية ونشاط، إلى درجةٍ أصبحت المقارنة تعقد بينه وبين واحد من أعظم رؤساء أميركا، روزفلت، الذي تولى الرئاسة ما بين 1933 و1945. وما شدّ المحللين إلى عقد هذه المقارنة بين روزفلت، صاحب “الصفقة الجديدة” التي حولت أميركا إلى أقوى اقتصاد في العالم وقائدة للعالم الحر، وبايدن الطموح، أوجه التشابه اللافتة للنظر في مساريهما الشخصي، ولكن أيضاً الخطوات الدراماتيكية التي اتخذها كلاهما لقلب المسار وإحداث التغيير المفاجئ.

وقد بدأت فعلاً وسائل الإعلام الأميركية والغربية تشبّه بايدن بروزفلت، وتعقد المقارنات بينهما، على اعتبار أن كلاً منهما بدأ ثورة اقتصادية غيرت أميركا وأثرت في العالم. وما جعل هذه المقارنة أكثر صدقيةً، أوجه التشابه الكثيرة بين مسار الرجلين، والسياق التاريخي الذي حكما فيه البلاد. فكلاهما واجه أزمة غير مسبوقة مع بداية عهده عندما وصل إلى دفة القيادة. كساد الثلاثينيات الذي أعقب الأزمة الاقتصادية عام 1929 بالنسبة إلى روزفلت، وأزمة جائحة كورونا بالنسبة إلى بايدن التي ما زالت تداعياتها مستمرة. فعندما وصل روزفلت إلى سدة القيادة في بلاده عام 1933، كانت أميركا ما زالت ترزح تحت تداعيات أكبر أزمة اقتصادية واجتماعية عالمية غيرت مسار العالم. وتولى بايدن رئاسة بلاده في ظل أسوأ أزمة صحية عالمية غير مسبوقة، وورث مشكلات اقتصادية واجتماعية داخلية لم تعرفها البلاد منذ عهد روزفلت، أدّت إلى انخفاض كبير في نسبة الناتج المحلي الإجمالي، وانفجار البطالة وتعميق الهوة بين الفقراء والأغنياء. وكلاهما نهج سياسة المشاريع العظيمة، وبدأ عهده بسنّ إصلاحات عاجلة وكبيرة، هدفها تغيير الواقع الذي وجداه من خلال سياسات الاستثمار العام الضخمة التي شملت عدة قطاعات حيوية مهمة، لتحريك الاقتصاد وإنعاش المجتمع. وما يجمع بينهما أكثر، تبنيهما الاستراتيجية نفسها، القائمة على الاستفادة من الأزمة لإعادة إحياء “الحلم الأميركي”. راهن روزفلت على تطوير الزراعة والصناعة، من أجل القضاء على البطالة وتحديث البلاد. وبايدن يركز برنامجه الاستثماري الضخم على تطوير الشبكة الضخمة للطرق والجسور والأنفاق، والمواصلات العامة، وبناء اقتصاد أخضر جديد، وذلك كله من أجل إعادة الانطلاق السريع للاقتصاد المنهك وإنقاذ البلاد من انهيار كان محققاً.

بدأ بايدن بالفعل تجسيد شعار حملته الانتخابية “أميركا عائدة” على أرض الواقع، وأولى خطواته في هذا الطريق العودة إلى منظمات دولية انسحب منها سلفه

في عهده، نجح روزفلت في تحويل أميركا إلى دولة رفاهية، ويَعِد بايدن الأميركيين بعودة دولة الرفاهية، أو”الدولة الاجتماعية” التي يطمح إلى تحقيقها الديمقراطيون والاشتراكيون في دول كثيرة، مبتعداً عن العقيدة النيوليبرالية التي طبعت السياسات الاقتصادية في البلاد زهاء أربعة عقود. وتبدو المقارنة أقرب إلى الواقع، بين الرجلين، عندما يتعلق الأمر بفكرهما الاقتصادي الذي يحكمه المنطق “الكينزي”، نسبة إلى المفكر الاقتصادي جون ماينارد كينز، الذي يرى أن للدولة دوراً رئيسياً تلعبه في تحفيز الطلب ودعم النشاط الاقتصادي لتطوير البلاد. وهذه حقيقة أكّدها جو بايدن أمام الكونغرس، عندما أعلن رغبته في كسر ما يقرب من نصف قرن من الوسطية الديمقراطية، من خلال إعلان سلسلة من الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية الطموحة تكون الدولة قائدتها والمبادرة إليها.

على المستوى العالمي، لا يُخفي بايدن طموحه في استعادة القيادة الأميركية للعالم الحر، وفرض القيم والمبادئ التي تجعلها، عندما يريد ساستها أن تكون كذلك، قوة أخلاقية كبيرة. وقد بدأ بايدن بالفعل تجسيد شعار حملته الانتخابية “أميركا عائدة” على أرض الواقع، وأولى خطواته في هذا الطريق العودة إلى المنظمات الدولية التي انسحب منها سلفه، وإمساكه بزمام قيادة العالم في مجال التغير المناخي، وإعادة فتح صفحة جديدة مع إيران، للوصول إلى اتفاق جديد بشأن برنامجها النووي، وإعلان الانسحاب الكامل للقوات الأميركية من أفغانستان، وبعث الحياة في التحالف عبر الأطلسي مع أوروبا، وطرح مؤشرات في اتجاه التعدّدية القطبية مع أخذ حذر كثير من طموحات الصين المتنامية، ومراهنات روسيا على تعطيل الديمقراطية الأميركية، وسنّ خط جديد للسياسة الخارجية الأميركية مبني على الموازنة بين كفتي القيم والمصالح، مع ترجيح كفة القيم الديمقراطية وحقوق الإنسان، على المصالح، كما هو الشأن في العلاقة مع السعودية، والاعتراف بالإبادة الجماعية للأرمن، على الرغم من أن تركيا تعتبر حليفاً تاريخياً واستراتيجياً لأميركا. ويمكن الحديث عن “تأثير بايدن” الذي وصلت موجات تردّده إلى المنطقة العربية، والتقطت كثير من أنظمتها في الخليج ومصر إشاراته، وبدأت تتفاعل معها إيجابياً. وغالب الظن أن هذا التأثير سيتواصل بوتيرة أكبر وأسرع وأوسع في ما هو مقبل من الأيام، وسيؤتي أكله في المنظور القريب.

أعلن رغبته في كسر ما يقرب من نصف قرن من الوسطية الديمقراطية

حتى الآن، نجح بايدن في تجنب الوقوع في فخ أخطاء الرؤساء الجدد، التي غالباً ما يرتكبها الرؤساء الأقل خبرة في بدايات عهودهم. وإذا ما استمر أداؤه على هذا المنوال، فإن الرجل ماضٍ في تسجيل اسمه في سجل أعظم رؤساء بلاده. وربما كان هذا أكبر محفز يجعله يعمل بهدوء وصمت، لكن بإصرار وعمق كبيرين. نتمنى أن تكون ثورة بايدن الهادئة ذات بعد قيمي وأخلاقي تعيد إلى العالم الأمل في بناء مستقبل يعمّ فيه السلام ويزدهر فيه الاقتصاد الاجتماعي، وهما أعز مطلبين في هذه الأوقات العصيبة لأسوأ أزمة يمر بها العالم.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...