سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (27)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

المحور الثالث: الحكامة الاجتماعية

يتناول المحور الثالث وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث الأربعة، فحوى المنظور الملكي للحكامة الاجتماعية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

ثانيا : تأملات واستنتاجات

جهود مقدرة ولكن مع استمرار حالة العجز المزمن

تشير المؤشرات الاجتماعية المسجلة بين عامي 1999 و2019، إلى ارتفاع معدل الالتحاق بالمدارس الابتدائية بأكثر من 27 نقطة، وزيادة متوسط العمر المتوقع بأكثر من ثماني سنوات. وعلاوة على ذلك، حدث تطوير هائل للبنية التحتية عندما طالب النظام بشدة باستخدام الكهرباء على نطاق واسع وتحرك لتحسين البنية التحتية للطرق السريعة في البلاد. بين عامي 1999 و2016، تم تمديد طول شبكة الطرق السريعة من حوالي 400 كيلومتر إلى 1831 كيلومترًا. تتيح هذه الشبكة المطورة لـ 60 بالمائة من السكان (معظمهم في المناطق المنلطق الحضريةية) الوصول المباشر إلى شبكة الطرق السريعة؛ كما أنها تربط 18 مطارًا و37 ميناءًا تجاريًا (13 منها مخصصة للتجارة الخارجية).

فالأمية مازالت تشكل عائقا حقيقيا للتنمية ولاسيما بالعالم القروي وذلك على الرغم من الأموال والمجهودات التي رصدت من أجل تقليص حجمها؛ وهو ما ينعكس على الترتيب العالمي للمغرب في سلم التنمية البشرية حيث أن المغرب لم يتقدم سوى بخمس مراتب خلال العشر سنوات الأخيرة. والمشكلة في محو الأمية أنها لا تقتصر على التعليم والتعلم ولكن باعتبارها حجر عثرة أمام الاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وأما التشغيل، ذلك المشكل الأكبر والمعضلة المعقدة له ميزة خاصة بالمغرب وهو أنه يمس أكثر أولئك الذين لديهم سيرة علمية ودراسية طويلة؛ وهو مشكل يحيل على معضلة التعليم حيث هناك إجماع على عجز النظام التعليمي الحالي وعدم قدرته على الاستمرار. والهدف الذي مازال بعيد المنال هو ربط نظام التعليم والتكوين بالعصر وبالدورة الاقتصادية والمحيط الاجتماعي؛ والصحة بدورها مشكلة كبيرة وعويصة وتتمثل في عدم توفر أو قلة البنيات والتجهيزات الصحية واختلال توزيعها الفردي والمجالي، وشح الموارد العمومية ولا سيما إشكالية حكامة تدبير القطاع الصحي بما فيه قطاع الأدوية الذي سجلت على مستوى تدبيره انزلاقات وانحرافات كشفت عنها تقارير الرقابة والتفتيش.

الجواب الملكي

إن الاختلال الملحوظ بين مستوى التنمية الاجتماعية وضعف حكامتها من جهة ومستوى التنمية الاقتصادية والسياسية من جهة أخرى هو الذي ما فتئ الملك محمد السادس يركز عليه باستمرار، إنه يسعى لردم الهوة بين التنمية الاجتماعية وكل من التنمية الاقتصادية والسياسية. وتدخل مبادراته الكبرى في مجال السياسة الاجتماعية في هذا المنطق والسياق.
وعلى سبيل المثال أعلن سنة 2004 عن المبادرة الوطنية لتنمية البشرية لسد العجز الاجتماعي وفي سنة 2012 تم إحداث نظام راميد كنظام للتأمين الصحي والمساعدة الطبية لفائدة الفقراء ولكن نجاحه كان متأرجحا وقد حان الوقت لإعادة النظر فيه؛ وقد أولى الملك لمشكلة الموارد أهمية خاصة خلال خطاب له سنة 2018 في افتتاح الدورة الخريفية للبرلمان عندما دعا لفتح المجال الصحي أمام الرأسمال الأجنبي. ويمكن أيضا الإشارة إلى نظام “تيسير” الهادف لمكافحة الهدر المدرسي خصوصا في العالم القروي؛ لكن، تبقى المبادرة الأهم هي المبادرة الوطنية للتنمية البشرية باعتبارها ورشا استراتيجيا مفتوحا وشاملا كما جاء على لسان الملك.

نموذج حكامة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية

حكامة دامجة وتشاركية: تعتبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية نموذجا وطنيا في الحكامة الاجتماعية، أحدثت أساليب جديدة في مجال الحكامة من خلال مقاربة تتأسس على آليتي الادماج والمشاركة، وحضور معتبر للمجتمع المدني، استنادا للإرادة الملكية في تجسيد قيمة المشاركة الفردية والجماعية في مسلسل التنمية، وقد كان وما يزال للمجتمع المدني حضور معتبر في مختلف مراحل تنفيذ المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.
الضبط والتتبع والتقييم والمحاسبة: من خلال أجهزة المفتشية العامة للإدارة الترابية والمفتشية العامة للمالية والمرصد الوطني للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية وكذا الشركاء الماليين.
مواجهة تحديات التفعيل: وتتمثل هذه المواجهة في ضرورة تطوير فعالية اللامركزية واللاتمركز وكذا ضرورة تجانس آليات ومنهجيات العمل ولا سيما على مستوى السياسات القطاعية.

حصيلة مختلطة للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية خصوصا وللسياسة الاجتماعية عموما والسبب الجوهري يتلخص في ضعف التنزيل العملي لمقتضيات الحكامة الرشيدة

إن حصيلة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية منذ إطلاقها سنة 2005 تجاوزت على مستوى عدد المشاريع المنجزة 40 ألف مشروع، وتجاوز عدد المستفيدين 10 ملاين مستفيد، وجرى بناء المئات من المدارس والمراكز الصحية…فضلا عن دعم آلاف الجمعيات والتعاونيات، وهذه حصيلة مهمّة. المغرب قبْل أن تأتي المبادرة كان في الرتبة 130 في سلم التنمية البشرية، والآن رَبح 7 درجات. ولكن الحجم المالي على أهميته ليس هو العمل الحاسم في هذه اللحظة، بل الأهم هو “التنظيم، والحكامة، والانسجام، وعدم التبذير، ومحاربة الفساد، والتخطيط المُحكم والحكامة التشاركية”.

هناك أخطاء ارتُكبت في المرحلة الأولى والثانية من المبادرة، ولكنها لا يمكن أن تخفي ما حققته من إنجازات وما حققته من حكامة على المستوى المحلي والوطني؛ لكن لا يمكن القول إنها ناجحة مائة في المائة، ولا كلها فاشلة مائة في المائة. ولكن ما يعاب على المبادرة الوطنية للتنمية البشرية هو أنها اهتمت بالمشاريع الكبرى ولم تهتم بالمشاريع الصغرى، في حين أنها هامة جدا إذا كانت مستدامة. الذين كانوا يجتمعون في اللجان لدراسة الملفات لا يتمتعون كلهم بالكفاءة اللازمة؛ وإقصاء الخبراء من تنفيذ وتقييم البرامج كان له أثر سيء على نجاح المشاريع. حين تُبنى مؤسسات وفضاءات وملاعب بملايين الدراهم، وتظل فارغة على عروشها، لا يستفيد منها أحد، علينا أن نتساءل هل هناك تتبع بَعدي للمشاريع المنجزة؟.

إن المرحلة الحالية هي مرحلة إعطاء الأولوية لمعيار استفادة المواطن من السياسات العمومية المعتمدة، من خلاله يتم قياس مدى جدواها بمدى مساهمتها في الوصول إلى نتائج يلمسها المواطن. إنها كما قال الملك محمد السادس في آخر خطاب ألقاه أمام البرلمان في دورة خريف 2018، مرحلة المسؤولية والجدية.

في الحاجة لاستحضار أمثل لهاجس العدالة الاجتماعية في السياسات العمومية

صحيح أن السياسات العمومية المغربية قد استحضرت -بدفع ملكي- البعد الاجتماعي وتحققت أرقام متصاعدة في المرصودات المالية للمرافق والخدمات الاجتماعية؛ ولكن هاجس المحافظة على التوازنات المالية الأساسية والعلاقة الحسنة مع المؤسسات المالية الدولية والحاجة لاستجلاب الاستثمار الأجنبي، كلها عوامل قد حدت من الإقدام على إصلاحات جذرية تتناول السياسة المالية والضريبية على وجه الخصوص قدما نحو عدالة توزيعية للأعباء والثمار. ومما لا يزال يحتاج للجهد والتقدم في الأداء هو تحقيق عدالة مجالية بين الجهات وحسن توزيع الأغلفة الاستثمارية بين القطاعات والمناطق الجغرافية.
كما أن نهج سياسة اجتماعية متوازنة ومستدامة مبنية على أسس راسخة وهيكلية من شأنه استكمال والدفع إلى الأمام ببعض الإجراءات المحددة الأهداف والفئات كآلية السجل الاجتماعي، بحيث يكون هناك تكامل بين البعد الاجرائي المحدد والبعد الاستراتيجي البنيوي المستدام في الزمن. ومما لاشك فيه أن المخططات المتعددة السنوات والقوانين المالية السنوية هي المحك الحقيقي لمدى تحقيق أي تحول في وضع وتنفيذ السياسة الاجتماعية المنشودة. ولعل أولى تباشير هذا التحول ما أوردته أرقام وتنصيصات القانون المالي 2019 والمبادئ التوجيهية التي بني عليها والمستمدة بشكل واضح مما جاء في الخطب الملكية الأخيرة من توجهات وإرشادات ذات نفس اجتماعي ملحوظ، لولا أن جائحة كوفيد 19 قد داهمت هذا التفاؤل وفرضت إعادة النظر في الأرقام والطموحات، بشكل أحدث تأثيره على معادلات ومؤشرات نتائج النموذج التنموي الجديد ، المفرج عن تقريره العام قبل أيام قليلة.

(يتبع)

حصريا حقوق النشر محفوظة

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
[email protected]

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...