سلسلة حلقات تحليلية معمقة ترصد الحكامة في عهد محمد السادس (30)

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*دكتور محمد براو

 

 

المحور الثالث: الحكامة الاجتماعية

يتناول المحور الثالث وسيرا على المنهج المتبع في جميع محاور البحث الأربعة، فحوى المنظور الملكي للحكامة الاجتماعية في مبحث أول (أولا)، وفي مبحث ثان محاولة من الباحث في بسط تأملاته واستنتاجاته (ثانيا).

ثانيا : تأملات واستنتاجات

في الحاجة لتوفير فرص الارتقاء الاجتماعي
لقد أضحت مسألة الفوارق الاجتماعية وفقدان الأمل الناجم عن نقص فرص الارتقاء الاجتماعي، تحديا كبيرا يتعين مواجهته، وذلك بالنظر للتحولات والتغيرات التي شهدها المجتمع المغربي مؤخرا. حيث إن المواطنين باتوا يعربون بشكل متزايد، وبطرق متنوعة، عن عدم رضاهم وعن حاجياتهم وانتظاراتهم ورفضهم للفوارق ومظاهر الحيف. (من تقرير المجلس الاقتصادي والاجتماعي حول النموذج التنموي الجديد)

آليات الارتقاء الاجتماعي تبقى محدودة جدا
في الوضع الحالي، نجد أن 3.1 في المائة فقط من أبناء الفلاحين و6.3 في المائة من أبناء العمال تمكنوا من الولوج إلى منصب إطارمتوسط أوإطارعاٍل.
.وحسب البحث الوطني للمندوبية السامية للتخطيط حول الحركية الاجتماعية بين الأجيال، فإن 35 في المائة فقط من الأشخاص البالغة أعمارهم 35 سنة فما فوق حققوا ارتقاء اجتماعيا (حركية اجتماعية تصاعدية) مقارنة مع والديهم، فيما ظل الباقون في نفس الوضعية بل منهم من تقهقر وضعه الاجتماعي.

صعوبات الارتقاء الاجتماعي تطال بشكل أكبر بعض الفئات التي تعاني من التمييز
لقداستفا دمن الحركية الاجتماعية الصاعدة الرجاُل أكثرمن النساِء (في43.7المائةمقابلفي17.9المائة) والسكان الحضريون أكثر من السكان القرويين (51.1 في المائة مقابل 14.8 في المائة).
من جهة أخرى، تَبين أن الحركية الاجتماعية الصاعدة تتوقف بشكل كبير على عوامل : سنوات الدراسة ونوعيتها؛ الخبرة المهنية؛ والوضعية السوسيومهنية للوالدين.

لم يتمكن المغرب من تقليص حجم التفاوتات إلا بشكل ضئيل جدا
انتقل مؤشر جيني (GINI)، الذي يقيس حجم التفاوتات في الدخل علـى أساس الإنفـاق السـنوي للفـرد، من 0.407 إلى 0.395 بين سنتي 2007 و2016، علما بأن حجم التفاوتات قد يكون أكثر عمقا ومدعاة للقلق لو توفرت معطيات حول الفوارق في الثروة بالمغرب. بالإضافة إلى ذلك، تعاني الطبقة المتوسطة من ضغط متزايد، في ظل غياب سياسة مو َّجهة لهذه الفئة من المواطنين وخدمات عمومية ملائمة لحاجياتها.

خلاصة أجمالية
إن سياسات الحكامة الاجتماعية وإن كانت مبنية على رؤية وإرادة ملكيتين متينتين وصادقتين، فإن تنزيلها في أرض الميدان بقي يشكو من ضعف التخطيط العملاني والتعثر المؤسساتي، وقلة الأثر الملموس على حياة المواطن، من أجل ذلك دعا الملك للوقوف وقفة تأمل ومراجعة من أجل استخلاص العبر والانطلاق من جديد، وهذا هو العنوان الأساسي في المضمون البيداغوجي لخطاب الملك لعيد العرش سنة 2014.

إن المرحلة الأولى من عمر الحكامة الملكية

اتسمت بقوة الزخم الرمزي المتجه نحو الإصلاح الاقتصادي والإداري جنبا إلى جنب مع الإصلاحات السياسية والحقوقية، انطلاقا من مبادئ ومعايير عصرية قوامها المفهوم الجديد للسلطة والرقابة والمحاسبة وحكم القانون طبقا للمعايير المتعارف عليها دوليا. وفي هذا الاتجاه تمت إشاعة جو جديد من روح الحرية والمبادرة من خلال سياسة الأوراش الكبرى التنموية في مختلف قطاعات الاقتصاد، ولاسيما ذات العلاقة بالتجهيزات الأساسية والمشاريع التنموية الكبرى في ظل انفراج سياسي وانفتاح حقوقي كبيرين؛

أما المرحلة الثانية يمكن أن نؤرخ لها بتقرير الخمسينية وانطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية

حيث إن التوجه الملكي ركز على التنزيل الميداني لخياراته ذات النفس الاجتماعي. ولاحظنا ترجيح العهد الجديد للأولوية الاقتصادية والاجتماعية في مقابل التراجع النسبي للأولوية السياسية والحقوقية وذلك في أعقاب أحداث الدار البيضاء الإرهابية التي دفعت بالهم الأمني للأمام. لكن سنوات 2008 و2009 و2010 شهدت تركيزا للاهتمام نحو مفاهيم الحكامة الاقتصادية والإدارية والمالية لعل من أبرز تجلياتها الثورة الهادئة التي أحدثتها في ذهنية ونفسية متخذي القرار الاقتصادي والإداري المالي في أجهزة الدولة والمرافق العمومية، تقارير المجلس الأعلى للحسابات وما رافقها من إعلاء لمفاهيم الرقابة والمحاسبة والتي جسدتها متابعات قضائية لبعض المسؤولين السامين، تنفيذا لتوجيهات الملك الداعية للضرب بيد من حديد على كل متلاعب بالمال العام أو مستغل للنفوذ من خلال آليات المراقبة الصارمة والمحاسبة الحازمة حسبما جاء حرفيا في خطبه المتوالية.

وبخصوص المرحلة الثالثة فيمكن وصفها بالعصر الذهبي للحكامة المؤسساتية الشاملة
والتي قوامها منظومة متناسقة ومتكاملة ومنسجمة للرقابة والمحاسبة والنزاهة أسس لها دستور 2011، وما تلاها من ورش إصلاحي مؤسساتي ركز على تفعيل آليات الاستشارة والدراسة والتقييم ذات العلاقة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية.

والمرحلة الحالية هي مرحلة البحث عن نموذج تنموي شامل جديد: جوهره الأساسي التنمية الاجتماعية
تقوم على أساس التقييم الميداني المستند لأخلاقية النقد الذاتي، انطلاقا من الحقائق الواقعية والتدابير العملية، وطي صفحة التقارير الورقية المبنية على سرد الأنشطة والأرقام، لأن الأهم بالنسبة للملك محمد السادس هو الجواب عن سؤال ماذا استفاد المواطن، وهو هنا يضع مبدأ الجدوى الاجتماعية في صدارة المبادئ التوجيهية للتقييم، ويقوم التقييم الميداني على الفعالية كمعيار للتقييم يستهدف قياس مدى مساهمة مدخلات السياسات العمومية ولا سيما الاجتماعية في الوصول لمخرجات طبقا للنتائج المرسومة والأهداف المنتظرة، دون لف أو دوران، ودون تلبيس أو لوي لعنق الحقائق الميدانية، أو البحث عن تبريرات اعتذارية. وهذا هو المتوقع ونحن في سنة 2021، السنة التي سيشرع فيها المغرب في تطبيق نموذجه التنموي الجديد ، والذي مهما كانت متانة وأصالة مضمونه فإن العبرة بنوعية الفاعلين الذين سيتولون تنفيذه.

(يتبع)

حقوق النشر محفوظة

انتهى المحور الثالث، في الحلقة المقبلة ننتقل للمحور الرابع والأخير من هذه السلسلة: الحكامة الإدارية

*باحث ومحلل في الشؤون السياسية والاستراتيجية
خبير دولي في الحكامة ومكافحة الفساد
m.berraou@yahoo.fr

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...