ابن تيمية ومنهجية قراءة النص الفقهي الكلاسيكي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*معتز الخطيب

 

 

في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية نقرأ الآتي “(وبالوالدين إحسانا) فهذا فيه تقييد؛ فإن الوالد إذا دعا الولد إلى الشرك ليس له أن يطيعه. بل له أن يأمره وينهاه، وهذا الأمر والنهي للوالد هو من الإحسان إليه. وإذا كان -أي الوالد- مشركا جاز للولد قتله، وفي كراهته نزاع بين العلماء”.

وقد جاء من انتزع من النص عبارة “وإذا كان مشركا جاز للولد قتله”؛ ليستنتج منها أن ابن تيمية “يفتي بقتل الولد للوالد غير المسلم”، وليدلل على مسؤولية ابن تيمية بمثل هذه “الفتوى الدموية” -بحسب زعمه- عن عنف “داعش” وأمثالها، وأنها تستند في ذلك إلى تراث قديم، وأن الحل إنما يكون بالدعوة إلى ما سُمي “بالمذهب الإنساني” الذي من شرطه القطيعة مع ما يُسمى التراث والتبرؤ منه.

يميز ابن تيمية في المحرمات بين قسمين؛ الحرام المطلق، والحرام النسبي أو المقيد وهو ما حُرم في حال دون حال، وهذا التمييز سنجده لاحقا عند الإمام الشاطبي الذي ينقل عن ابن تيمية أحيانا ولا يسميه باسمه لسبب ما

سبق لي أن نشرت مقالا في منتصف مايو/أيار 2020 عما سميته منهجية “القارئ التقني” التي تقوم على 3 سمات مركزية؛ الأولى استخدام محرك البحث (search) لإيجاد “اقتباسات وشواهد” منزوعة من سياقها (cut and past)، والثانية أنها مجردة من أي قراءة نصية تحليلية، والثالثة أنها منفصلة عن التقاليد العلمية المتعارف عليها بين أهل الاختصاص، وهي تقاليد تقوم على التلقي وتحري مقصود المتكلم من خلال تتبع “اصطلاحات ومفاهيم ومعهود أهل الاختصاص” (technical terms and perception). وقد ناقشت أيضا في مقال آخر نُشر في يونيو/حزيران 2020 العلاقة المفترَضة بين فتاوى ابن تيمية والجهاديين وأعطاب هذا الافتراض.

في هذا المقال نستكمل النقاش من زاوية أخرى تتصل بمنهجية قراءة النص الفقهي الكلاسيكي، الذي أشرت سابقا إلى أنه نصّ من نوع خاص يختلف عن طرائق التصنيف الحديثة، ويحتاج إلى دربة واختصاص وتلقٍ عن، ومدارسة مع أهل الاختصاص، فهو لم يُكتب للقارئ العام فضلا عن أن يصبح مادة للاقتباس التقني المشار إليه.

وبالعودة إلى نص ابن تيمية الذي افتتحنا به هذا المقال -وهو مجرد مثال لمناقشة فكرة أوسع كما سيتضح لاحقا- نجد أن العبارة جزء من “فصل” طويل (مجموع الفتاوى 14/459-478) يتحدث فيه ابن تيمية عن أن “الذي جاءت به شريعة الإسلام هو الصراط المستقيم، وهو الذي يَصلح به دين الإنسان”، وهو وسط بين صنفين؛ الأول أصحاب البدع المترهبون (أهل الغلو والتشديد) الذين يحرمون ما أحل الله من الطيبات، والثاني أصحاب الفجور المُترفون المُنَعمون الذين يتبعون الشهوات المنهي عنها أو يُسرفون في تناول المباحات، ويتركون الصلوات والعبادات المأمور بها.

وفي هذا السياق، يورد ابن تيمية شبهة لأصحاب الصنف الأول (أهل البدع) ممن قد يتوسلون ببعض الأفعال المحرمة؛ بحجة أنها تُنشطهم لفعل الطاعات، أو تعينهم على اجتناب ما هو أشد حرمة فيتجوزن لأجل ذلك في ارتكاب ما هو أخف حُرمة لاجتناب الأشد حرمة. ولإزاحة هذه الشبهة، يحرر ابن تيمية مسألتين في غاية الأهمية:

المسألة الأولى: أنه يميز في المحرمات بين قسمين؛ الحرام المطلق، والحرام النسبي أو المقيد، وهو ما حُرم في حال دون حال، وهذا التمييز سنجده لاحقا عند الإمام الشاطبي الذي ينقل عن ابن تيمية أحيانا ولا يسميه باسمه لسبب ما. فالمحرم المطلق هو ما يُقطع بأن الشرع لم يُبح منه شيئا بحال، لا لضرورة ولا لغيرها، ويتمثل في 4 أمور نص عليها القرآن وهي؛ الشرك بالله، وفعل الفواحش، والقول على الله بغير علم، والظلم المحض. فهذه المحرمات المطلقة لا تنطوي على شيء من المصلحة ولا تجوز بحال من الأحوال، أي ليست خاضعة للتفاوض.

أما المحرم النسبي فهو ما حُرم في حال دون حال، فقد يَحرم في حال ويُباح في أخرى، ومثاله شرب الدم وأكل الميتة ولحم الخنزير وشرب الخمر. فالخمر -مثلا- يُباح لدفع الغُصة باتفاق الفقهاء؛ إن لم يوجد غيره، كما يباح كذلك لدفع العطش في أحد قولي الفقهاء. والخلاف فيه بمسألة دفع العطش لا يتصل بالخلاف حول كونه من الحرام المطلق أو النسبي، بل يتصل بملحظ آخر؛ وهو ما إذا كان شرب الخمر مما يدفع العطش أو لا. فالإمام أحمد -مثلا- رأى أن الخمر لا تدفع العطش، ولذلك لا يباح شربها في هذه الحالة (الضرورة)؛ فهي إنما أبيحت -استثناء- لدفع العطش، فإذا كانت لا تدفعه رجعنا إلى أصل التحريم. وكذلك قتل النفس إنما أبيح في حال دون حال، كالقصاص مثلا، ولذلك يَرد تعبير “قتل النفس بغير حق”، ومن ثم فليس قتلها من الأربعة المحرمة بإطلاق في الشريعة.

وهنا ضرب ابن تيمية مثلا بآية “قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا”، وأنه يجب التمييز في الواجبات والمحرمات بين المطلق والنسبي أو المقيد. فالشرك محرم مطلقا، والإحسان إلى الوالدين واجب نسبي أو مقيد، ومن دلائل كونه واجبا مقيّدا مسألتان؛ أولاهما أن الولد منهيّ عن طاعة والده إذا دعاه إلى الشرك، بل إنّ أمر الولد لوالده بالإيمان ونهيه عن الشرك واجب كذلك، وهو من باب الإحسان إليه. ثانيهما أن الفقهاء أجازوا مباشرة للولد قتلَ والده إذا استوجب القتل (وسنوضح لاحقا موجبات القتل)، ولكنهم اختلفوا في كراهية ذلك.

يتضح هنا أن من اقتطع عبارة ابن تيمية ليوحي بأنه يفتي بقتل الولد للوالد المشرك -مطلقا- إنما حرّف المعنى جهلا أو عمدا؛ لأن ابن تيمية إنما ضرب بهذا مثلا للواجب المقيد أو النسبي، أي أنه قد يباح في حال دون حال؛ لأن حرمته ليست مطلقة، ومن أراد البحث في هذا المثال بعينه بعيدا عن أصل المسألة التي يبحثها ابن تيمية، فعليه أن يبحث في حيثيات تلك الحال التي يباح فيها ذلك تحديدا؛ بما يجري على قانون الفقه وبالعودة إلى مصادر الفقه المذهبي.

المسألة الثانية: أنه يجب التفريق بين فعل النفس وفعل الغير. فما يفعله الإنسان في حق نفسه وما يأمر به ويبيحه -أي يقر إباحته- لغيره يختلف عما يَلزم فيه الصمت فلا يأمر فيه غيره ولا ينهاه عنه. فالإنسان في نفسه لا يحل له أن يفعل الذي يعلم أنه محرم؛ لمجرد ظنه أنه قد يعينه على طاعة الله؛ فإن هذا لا يكون إلا مفسدة أو على الأقل تكون مفسدته راجحة على مصلحته. فإذا وُجد من المحرمات ما لو نهى عنه غيرَه حصل ما هو أشد تحريما منه؛ فعليه أن يصمت عنه فلا ينهى عنه ولكنه أيضا لا يبيحه؛ لأن عدم القدرة على تحقيق الواجب أو اجتناب المحرم لا تغير حالة الفعل الأصلية من حُسن أو قُبح. ولهذا لا يجوز إنكار المنكر بما هو أنكر منه. وإذا كان قوم على بدعة أو فجور ولو نُهوا عن ذلك وقع بسبب ذلك شر أعظم مما هم عليه من ذلك، ولم يُمكن منعهم منه، ولم يحصل بالنهي مصلحة راجحة؛ فإنهم يُترَكون على بدعتهم أو فجورهم ولا يُنهَون عنه.

هذا معنى وسياق كلام ابن تيمية، وهو نص في غاية الأهمية والفائدة نظريا وعمليا، وفي الفقه والأخلاق معا، وفي التمييز بين المطلق والنسبي، وبين المبدئي والنفعي (البراغماتي). فمن الواضح أنه ليس فتوى كما زعم بعضهم، فالفتوى تختلف عن الحكم. فنحن أمام تحرير مسألة أصولية تتعلق بأنواع الأمر تنظيرا وتطبيقا، وأن الأمر منه ما هو مطلق ومنه ما هو مقيد، وضرورة التفريق بينهما في فهم الخطاب القرآني أولا، وفي تنزيله على الأعيان والوقائع ثانيا.

وفي قول ابن تيمية “وفي كراهته نزاع بين العلماء” إحالة إلى خلاف فقهي مذهبي، ما يعني أننا لسنا أمام اجتهاد خاص بابن تيمية حتى يصح الاستدلال بهذا المثال على فتاواه “الدموية” المزعومة، فابن تيمية الفقيه الحنبلي يشرح هنا مآخذ الفقهاء ومواضع الاتفاق والاختلاف في الأمثلة التي يذكرها، وأن مسألة قتل الولد لوالده المشرك هي مجرد مثال وتفصيل عَرَضي لنقاش أوسع، ولهذا جاء الكلام فيه مجملا؛ اكتفاء بالإحالة على كلام الفقهاء.

فإذا تتبعنا المسألة في المصادر السابقة على ابن تيمية؛ نجد مثلا أن محمد بن الحسن الشيباني (المتوفى 189هـ) قد بحث مسألة قتل الوالد المشرك، وكره ابتداء الابن بقتل الوالد أثناء الحرب، ونقل عنه الفقيه الحنفي أبو المعالي ابن مازَة البخاري (المتوفى 616 هـ) قوله “لا بأس بأن يقتل الرجل المسلمُ كلَّ ذي رحم مَحْرم من المشركين نبذوا إليه؛ إلا الوالد خاصة” (النبذ هو إعلام العدو بنقض الأمان أو ترك الموادعة).

ومحل الإشكال هنا؛ أن ظاهر قوله تعالى “قاتلوا المشركين كافة” [التوبة: 36] عامّ في كل كافر محارب للمسلمين، ولكن محمد بن الحسن ترك هذا الظاهر في حق الوالدين لاعتبارات؛ منها قوله تعالى “فلا تقل لهما أف” [الإسراء: 32]، والنهي عن التأفف نهي عن القتل بطريق الأَولى وإن كان الوالد مشركا، ولأنه اجتمع في حق الوالد حرمتان؛ حرمة القرابة وحرمة الأبوة، ولذلك لا يُقتل الوالد بقتله ولده، ولا يُحبس بدَينه، وإذا ثبت هذا في الوالد ثبت في الوالدة من طريق الأولى؛ لأنه اجتمع في حقها 3 حُرُمات؛ حرمة القرابة، وحرمة الأميّة (أي الأمومة)، وحرمة الأنوثة؛ فإن الأنوثة مما يُحرِّم القتل.

وقد أفرد ابن مازة فصلا خاصا لهذا عنونه بقوله “في قتل المسلم والدَه المشرك ومن بمعناه، وقتله سائرَ محارمه”، أي في الحرب. وفيه وضّح أن ترك الولد مباشرة قتل والده في الحرب إنما يكون في حالة الاختيار، أي “إذا لم يضطره الوالد إلى قتله”، وإلا فإنه “لا بأس بقتله إذا لم يُمكنه الهرب منه؛ لأن ترك الأب حتى يقتله إهلاك نفسه، والمأمور به في حق الابن شرعا ألا يتعرض للأب بشيء ابتداء، لا إهلاك نفسه”، أي أننا هنا أمام موازنة بين واجبات متزاحمة.

وإذا تصفحنا كتاب “السنن الكبرى” للإمام البيهقي الشافعي (المتوفى 458هـ) نجد بابا بعنوان “المسلم يَتَوقى -في الحرب- قتلَ أبيه، ولو قتله لم يكن به بأس”، وساق حديثا فيه قتل أبي عبيدة بن الجراح لأبيه، رواه الطبراني والحاكم والبيهقي. وفيه “جعل أبو أبي عبيدة يتصدى لأبي عبيدة يوم بدر، فجعل أبو عبيدة يَحيد عنه، فلما أكثر، قصده أبو عبيدة فقتله”. وروى البيهقي في “السنن الكبرى” عن مالك بن عمير -وكان قد أدرك الجاهلية- قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني لقيت العدو ولقيت أبي فيهم فسمعت لك منه مقالة قبيحة، فلم أصبر حتى طعنته بالرمح أو حتى قتلته. فسكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم. ثم جاء آخر فقال “إني لقيت أبي فتركته وأحببت أن يليه غيري، فسكت عنه”.

لست هنا في صدد مناقشة ثبوت هذه الأحاديث، فالهدف هو بيان منهجية الفهم والاقتباس عن المصادر القديمة باستيفاء المسألة محل البحث واستقصاء حيثيات الانشغال بها تاريخيا، وإثبات أن ابن تيمية لم يخترعها، وإلا ففي هذه الأخبار مقال من جهة الصنعة الحديثية.

وما يعنينا في هذا النقاش أنه مركب، ووارد على 3 مستويات:

1. التمييز بين الواجبات؛ الواجب المطلق والواجب النسبي أو المقيد، وأثر ذلك في حيز التطبيق.

2. الموازنة بين الواجبات عند التزاحم أو التعارض، كالتعارض القائم بين الأمر بقتال المشركين المحاربين كافة، ويدخل فيهم الوالد المحارب، والأمر بالإحسان إلى الوالدين، ويدخل فيهم الوالد المشرك المحارب أيضا.

3. التداخل بين الأخلاقي والفقهي، فمن جهة الأخلاقي هناك بر الوالدين، والجمع بين حق الله -وهو عدم الإشراك والإنكار على المشركين- وحق الوالدين “وبالوالدين إحسانا”؛ خصوصًا أن الواجبين قد اقترنا معا في نص القرآن؛ لأنهما يرجعان إلى مبدأ أخلاقي واحد وهو شكر المنعم (الله أصلا، والوالدان فرعا)، ومن جهة الفقهي هناك جانب قضائي يتصل بالضمان في حالة إقدام الولد على قتل والده من دون موجب شرعي، وهناك جانب دياني متعلق بالإثم وعدمه. ففي حالة الجواز لا إثم ولا ضمان، وفي حالة الكراهة والتحريم يختلف الأمر، أي أن المسألة تتفاوت بين درجات القانوني (الضمان والعقوبة) والفقهي (المشروعية) والأخلاقي (الكمال ورعاية حرمة الأبوة)، وهو التركيب الذي تشير إليه الأخبار السابقة بالسكوت المُقِرّ لحالتين مختلفتين (تحاشي قتل الوالد ومباشرة قتله).

فنقاش ابن تيمية إنما يرجع إلى أن الأمر بالإحسان إلى الوالدين ليس في إطار النهي عن الشرك بالله، فالأول أمر نسبي أو مقيد، والثاني أمر مطلق بترك الشرك. فالشرك مستقبح مطلقا ولا يُباح بحال، أما الإحسان إلى الوالدين فتختلف أحواله وتطبيقاته بحسب أحوال الوالد نفسه (مسالم أو محارب، داعية إلى الشرك أو غير داعية) وبحسب العلاقة التي تربط بين الوالد والولد، وهنا يمكن أن نحصي 3 أنواع من العلاقة هي:

علاقة السلم والحرب.
علاقة العدل والبغي (فيما لو كان الوالد من البغاة والولد من أهل العدل أي من الفئة المبغي عليها).
وفيما لو كان الأمر محلا للتقاضي، أي فيما إذا تولى الولد تنفيذ حكم قضائي في الوالد.
فهذه 3 أحوال تجعل من فعل البرّ والإحسان محل إشكال وفي تعارض مع واجبات أخرى يتم الاجتهاد في الموازنة ودفع التعارض بينها، والبحث عن الكمال ورعاية حق الوالدية النسَبية.

ومن الواضح أن الفقهاء يقيمون اعتبارا خاصا لحالة القتال -سواء في حالة الحرب أم في حالة البغي- فكراهية تَعمد قتل الوالد أو الولد ثابتة لدى بعض الفقهاء -على الأقل- في حالتي الحرب والبغي ولو كانوا من المشركين المحاربين أو من البغاة؛ للعلة الأخلاقية المشار إليها سابقًا. أما من الناحية القانونية، فإذا قتل أحدهم في أثناء القتال لضرورة القتال فليس هناك ضمان، وكذلك لو قتل الباغي أحد أبويه أو ولده فلا يضمن. أما لو وقع القتل في غير القتال أو في القتال ولكن لغير ضرورة القتال فإن الضمان يثبت.

وبناء على ما سبق، لا يمكن لقارئ مختص أن يفهم من نص ابن تيمية مطلق إباحة قتل الولد للوالد المشرك؛ لأن هذا خلاف قانون الفقه، فضلا عن أنه خلاف نص ابن تيمية والأصل الذي قرره باستفاضة حول التمييز بين المطلق والمقيد من المحرمات والواجبات؛ لأنه يصيّر ما هو مقيد عند ابن تيمية مطلقا رغما عنه.

فمن جهة، القتل المشروع وفق قانون الفقه لا بد له من موجبات، وهي إنما تتحقق في سياقين؛ في الحرب، وبناء على حكم قضائي. فليس مطلق وصف الشرك من موجبات القتل، فحتى علة الجهاد ليست هي الكفر عند جمهور الفقهاء، وصلة الولد المسلم للوالد المشرك ثابتة في مدونات الحديث النبوي، كما أننا نجد بعض الفقهاء ينصون على أن من بر الولد المسلم بأبيه المشرك القيام بغسله ودفنه بعد موته، وأنه لما مات أبو طالب قال عليه الصلاة والسلام لعلي اذهب واغسله وكفنه وواره ولا تُحدث به حدثا حتى تلقاني، أي لا تصلِّ عليه. وقال محمد بن الحسن الشيباني “كافر مات وله وليّ مسلم. قال يُغسله ويتبعه ويدفنه”.

ومن جهة أخرى، فإن فعل القتل خارج ساحة المعركة، هو مسألة قضائية (قانونية) وليست متروكة لآحاد الناس، أو لجماعات أو تنظيمات تجتهد في الحكم بالشرك على أي أحد، ثم تجتهد في تنفيذ أحكامها هي التي لا مشروعية لها أصلا، لا من الناحية الديانية ولا من الناحية القضائية.

ويمكن أن نلخص منهجية فهم وتحليل النص الفقهي بناء على هذا المثال في النقاط الآتية:

الأولى: ربط المسألة بباقي الفروع الفقهية ذات الصلة حتى يكتمل تصور الموضوع بلا اجتزاء أو تزييف، ووفق قانون الفقه نفسه. ففقهاء ما قبل العصر الحديث (قبل الدولة الوطنية) ناقشوا مسائل متعددة ترتبط بالعلاقة بين الوالد والولد، سواء كانت علاقة بر أم حالة وقوع جناية من أحد الطرفين على الآخر، أو حالة حرب، أو حالة “قتال البغي”، أو غير ذلك. وفي بعض تفاصيل هذا السياق يناقشون حكم مباشرة القتل الذي يتناقض مع استحقاقات العلاقة النسَبية، كما يناقشون مسألة القصاص في حالة ما إذا كان المعتدي أبا أو ابنا، وحالة الإرث. أي أن صلة القرابة تخضع لتقويمات قانونية وأخلاقية بحسب السياق (في السلم والحرب) وبحسب العنوان الرئيس الذي يحكم هذه العلاقة، سواء كانت حربًا عادلة (جهاد)، أم علاقة بغي وخروج على السلطة الشرعية، أو كانت جريمة جنائية، ولكل حالة حججها النصية وتعليلاتها المستنبطة.

الثانية: فهم نص المؤلف المعين في ضوء مصادر مذهبه الفقهي الذي ينتمي إليه أولا، ثم في ضوء المصادر الفقهية المذهبية الأخرى، فعندما يقول ابن تيمية مثلا “وإذا كان مشركا جاز للولد قتله وفي كراهته نزاع بين العلماء”، فهو يحيلنا إلى خلاف فقهي قديم، وهو ما يستدعي طرح الأسئلة الآتية؛ جاز عند من؟ وفي أي سياق؟ وما حقيقة النزاع عند العلماء في كراهة قتله؟ وفيمَ تنازعوا تحديدا؟ وهل تنازعوا في قتل الوالد المشرك حتى لو كان ذمّيا مسالما؟

ولا يمكن فهم هذا الكلام المجمل دون الرجوع إلى كتب المذاهب الفقهية المختلفة، ولذلك رجعنا هنا إلى المذهب الحنفي مثلا الذي يكره بدء الولد بقتل والده المشرك في الحرب، ولكن الحنفية يجيزون -مع ذلك- للولد مقاومة والده المشرك المحارب فيما لو بدأ الوالد بمقاتلة ولده. وقد سئل محمد بن الحسن الشيباني “أرأيتَ الوالد إذا كان مشركا محاربا فأراد قتل ابنه. هل ترى للابن أن يمنع منه فيقاتله؟ قال نعم. قلت فإذا لم يقصد الوالد لابنه، كرهتَ لابنه أن يبتدئه؟ قال نعم”، وهو نص يوضح أن نص ابن تيمية هو استمرار لتقليد فقهي قديم، وأنه إنما يتحدث عن الوالد المشرك الحربي لا مطلق المشرك.

الثالثة: أهمية استيعاب الأبعاد المركبة للنظر الفقهي، فمنها ما هو قضائي (يبحث في العقوبات والديات)، ومنها ما هو دياني (يبحث في أصل الجواز والمشروعية وانتفاء الإثم)، ومنها ما هو أخلاقي (يبحث في الكمال والمكارم)، وقد سبق شرح طرف من هذا فيما يخص مسألتنا.

الرابعة: خصوصية النص الفقهي ومراعاة السياق التاريخي، فاستعادة مسألة قتل الولد لوالده المشرك في ظل الدولة هي استعادة لا تاريخية، ومجرد تحريش على التراث بدوافع أيديولوجية أو سياسية وربما شخصية أحيانا تحت دعوى التنوير ونقد التراث، في حين أن المسألة محل النقاش إنما هي مسألة تاريخية ترجع إلى أنها كانت من مشاغل الفقهاء المبكرين حيث الحروب تقليدية تتم عبر المواجهة البشرية المباشرة، وهي تستند إلى سوابق تاريخية تتعلق بالزمن الأول للدعوة الإسلامية حينما وقع الانقسام داخل المجتمع المكي ووقعت المعارك والغزوات، ومن الصعب اعتبارها مسائل صالحة للزمن الحاضر أو استدعاؤها لتصفية حسابات مع التراث أو مع ابن تيمية أو غيره مع ادعاء التنوير، في حين يتم الصمت المطبق عن مشاكل الواقع وأسئلته وعن الجرائم التي تمارسها الأنظمة القائمة التي يعمل معها بعض هؤلاء المتنورين.

إن النص الفقهي نص تخصصي يستوجب الإحاطة بمفاهيم واصطلاحات وأصول وقواعد وتقاليد ثرية، وليس نصّا موجها إلى القارئ العام، ويجب احترام خصوصيته، فقراءة النص التيمي -بل متون الفقه- من قبل العامة خطرة وتنطوي على مشاكل كبيرة، وهو ما يوضح أهمية التخصص، وأهمية الشروط التي وضعها الفقهاء للمفتي؛ إقرارا بخطورة كتبهم من جهة، وبخطورة منصب الفتوى نفسه من جهة أخرى، ولهذا كان لهم تصنيفهم الخاص لدرجات المتفقه والمفتي، وفي بعض الأحيان حتى المتخصص يواجه بعض العبارات المشكلة التي تحتاج إلى مدارسة مع أهل الاختصاص لحلها. والله أعلم.

*أستاذ فلسفة الأخلاق في كلية الدراسات الإسلامية بجامعة حمد بن خليفة

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...