تونس و الديمقراطية الفتية هل تهددها القفزة إلى الفراغ؟

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

ذ.أحمد براو

 

 

 

عرفت تونس استثناءا عربيا وتقدما للصفوف في شتى صنوف العلاقات بين الحاكم والمحكوم، ابتداء بنهجها العلماني منذ الزمن البورقيبي وبمجابهة الإستبداد في زمن بنعلي وتصدرها لحِراكات الشعوب العربية نحو الحرية والديمقراطية في ثورة الياسمين فاتحة الباب أمام الشعوب العربية للتعبير عن انتهاء خريف الخوف والقمع وبداية ربيع الثورات والإنعتاق من الحكم الدكتاتوري الشمولي الذي يحكم بالحديد والنار وينهج سياسة تجفيف الينابيع وتجميع السلط وتركيع الجماهير.

مرت عشر سنوات من النضال والمخاض لبناء وطن جديد، بناء صرح تونس الجديدة حاولت خلالها الترقي بحكمة وتأني وروية نحو تثبيت مؤسسات ديمقراطية قوية ودستور راقي يجمع بين طيّ صفحة الماضي وتطلع لمستقبل مبني على أسس متينة من تناغم السلطات وتناسقها مع المؤسسة العسكرية والشعب التونسي من مجتمع مدني ومقاولين ونقابات خصوصا الطبقة الهشة منها والشباب الذي تصدر الميادين في بناء هذا الصرح والمشروع المتقدم من نوعية البلدان النامية في الإقليم الأفرومتوسطي العربي والإسلامي.

عانت تونس في هذه المرحلة من تخبطات ومشاكل واختلالات وارتجاجات، وعرفت فساد سياسي وإداري واقتصادي وريْعي مبني على المحسوبية والإحتكار و استغلال النفوذ والمناصب وشراء الذمم إلى غير ذلك كثير من الإنزلاقات صحبتها إخفاقات أمنية وعمليات إرهابية مدبّرة بليْل، وتفاقم الوضع الإقتصادي والإجتماعي وساءت الخدمات، من صحة وتعليم وبنية تحتية، وانغلقت الآفاق أمام الشباب فلجأ هذه المرة إلى قوارب الموت أملا في الحياة الكريمة في بلاد ما بعد البحر المتوسط.

عزاء التونسيين كان في إصرارهم على نجاح العملية الديمقراطية بعدما اختاروا طريقها وراكموا تجربتها وذاقوا ويلات الحكم البوليسي المتعجرف الذي لا يعرف لقلبه رحمة ونالوا منه سياط التعذيب والإرغام على التركيع والقمع والذل والهوان.

كما عزاؤهم بالنظرة المحترمة التي كانت ترفع معنوياتهم من إخوانهم في الدول العربية وتشجعهم على ضرورة الإستمرار في طريق النضال والبناء والمقاومة وأن وراءهم قلوب وعقول الشعوب المستضعفة ممن أرادوا نهج طريقهم وسلك سبل الحرية والإنعتاق لكنهم تعرضوا للإبادة والتقتيل والتشرد والتهجير والدمار المادي والمعنوي على أيدي جلادي الثورات المضادة، وهم من فتحوا لهم هذا الباب للثورة ضد الظلم، فلذلك لهم مسؤوليات ويحملون على عاتقهم آمال هذه الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج.
عزاؤهم في ذلك أيضا، أن هذه مرحلة مؤقتة وظرف استثنائي لابد لهما من صبر وطول نفَس وإصرار على التغيير مهما عظمت الصعاب وتفاقمت الظروف وقلت الحيَل وتكالبت الأعداء لأنهم يريدون صعود الجبال وعدم الركون إلى الحفر. ولأن الشعب إذا يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب له القدر.

قدر تونس أن تتصدر المشاهد والأحداث وتصبح إبرة الميزان الذي يرجح إحدى الكفتين والثقلين و يرتكز على طموحات الشعوب العربية وإصرار المستبدين وأعداء الحرية واقفة بين واجهة الإنعتاق والرقي والتحضر وأخرى تجنح نحو الحضيض والإستبداد والشمولية.

لازالت غالبية الشعوب العربية تأمل في نجاح العملية الديمقراطية وهي تعلم ان تونس لم ولن تعود أبدا إلى الوراء لأن التوانسة أجمعوا أمرهم على المضي في هذا النهج وأن أبهى صور الحكم الذي وصلت له البشرية في هذا الزمان هو الديمقراطية والحرية والحقوق والتعددية والتناوب و ربط المسؤولية بالمحاسبة عبر التحكيم إلى رأي الشعب في اختيار وانتخاب من يحكمه و من يمثله وللشعب حصريا الحق في إقصاءه وتغييره إذا أخطأ ولم يقم بواجبه، بدون شيطنة أو تشويه أو بروباغاندا أو استغلال نفوذ و شراء ذمم إلى غير ذلك من الأساليب و الطرق التي ينهجها المتاجرون بمصائر الشعوب و الدول.

قدر تونس أن تكون فخر ربيع العرب ويتربص بها جميع المتربصون من أعداء هذا الربيع وأعداء الحرية وانعتاق الشعوب. وحاولوا منذ 2018 الإنقلاب على الشاهد والسبسي على يد وزير الداخلية السابق لطفي براهم وكان لفرنسا والإمارات اليد الطولى في التخطيط والتنفيذ ولكنهم فشلوا في ذلك، ولم ييأسوا وأعادوا الكرة مستغلين تفاقم الجائحة والسخط الشعبي وشيطنة حركة النهضة وخرجات الرئيس سعيّد الشعبوية من أجل إعادة تونس للمربع الأول.. ورغم ان الطبقة السياسية الحالية كلها – بما فيها إسلاميين وعلمانيين وليبراليين وقوميين وحتى رئاسة الجمهورية طرفا في المشكلة وليست في الحل الذي يجب أن يكون مجمعا عليه عن طريق الحوار – رغم أن هذه الطبقات كلها فشلت فشلا ذريعا وزادت من تأزم الأوضاع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، ولكن يمكننا القول أن هذا الأداء السيئ من الطبقة السياسية لا يعني أن سياسة الإقصاء على طريقة بن علي ستُجدي نفعا، ومن ثمَّ فإن الجلوس على طاولة الحوار هو الحل الأوحد حتى تتمكَّن تونس من الحفاظ على تفرُّد تجربتها الناجحة نسبيا في العالم العربي، وان تنجح في الحفاظ على ديمقراطيتها الفتية على الرغة من صعوبة هذه المرحلة التي تتقاذفها فيها الأمواج نحو الفراغ.

أملنا أن ترفع هذه الغمة عن الشعب التونسي الشقيق وأن نرى هذا البلد الصغير مساحة ولكنه الكبير حضارة تقدما يتقدم الصفوف مرة أخرى نحو الحرية والمساواة والعيش الكريم وأن يكون بديمقراطيته الناشئة قاطرة الشعوب العربية ومثلا يحتذى به في الثورة على الظلم والصبر من أجل البناء والنماء.
مستقبل تونس باهي إن شاء الله.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...