*د. التجاني بولعوالي
إذا كانت فتاوى تحريم تهنئة أهل الكتاب تبدو جد عادية، لاسيما في الدول الإسلامية التي لا تعيش فيها أقليات دينية أجنبية، فإن الأمر يتخذ بعدا مغايرا، سواء في الدول الإسلامية المتعددة الأديان أو في العالم الغربي حيث يستقر ملايين المسلمين، الذين تقتضي منهم ظروف العمل والدراسة والجوار الاحتكاك الدائم بغير المسلمين. ما يجعل مسألة التهنئة سلوكا عاديا ينم عن الاحترام والمجاملة والتسامح، وهذا ما لا يسيء إلى الإسلام قيد أنملة كما يدعي أصحاب الفهم الظاهري والسطحي، بقدر ما يُقر الوجه المشرق لهذا الدين الذي جاء ليحرر الإنسانية ويؤاخي بين الناس.
لكن كيف السبيل إلى ذلك إذا ضاق أفق بعض المسلمين وانكمش تفكيرهم وتقهقر استيعابهم؟ ألا ينم ذلك عن ازدواجية غريبة في التعامل مع الآخر؛ فهم يدّعون أن الإسلام دين رحمة واحترام في حين أنه لا أثر لذلك في سلوكاتهم اليومية؟ فأين نحن من قول الخليفة الأول؛ أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو يوصي جيوشه المتوجهة إلى اليمن مرددا: “وستجدون أقواما حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا أنفسهم له”. ألا يعني ذلك اعترافا صريحا بمعتقدات الآخرين، واحتراما واضحا لاختيارهم العقيدي رغم تعارضه مع تعاليم الدين الإسلامي، في الوقت الذي كان يملك فيه القوة الكافية لأن يمحق أولئك الرهبان، أو يطاردهم خارج حدود البلاد الإسلامية؟
إن المسلمين في الغرب صاروا اليوم فريسة للفتاوى العابرة للقارات، التي تصاغ في بيئة تختلف جذريا عن البيئة التي يعيشون فيها، لذلك فهم في مسيس الحاجة إلى “فقه معاملات” متطور، يأخذ بعين الاعتبار السياق الجديد الذي يوجدون فيه، على أن لا يتعارض مع الجوانب القطعية في الإسلام؛ عقيدة وشريعة، وقد كان هذا ديدن المسلمين الأوائل الذين احترموا أعراف وتقاليد البلدان الجديدة التي فتحوها، وعملوا جاهدين على جلب المصالح للناس ودرء المفاسد عنهم. وهذا ما أصبح يقتضيه واقع المسلمين في المجتمعات الأوروبية والغربية، التي ضمنت لهم جملة من الحقوق المدنية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية مقابل واجبات مفروضة على الجميع دون تمييز أو استثناء، وتتضافر هذه الآليات التنظيمية والقانونية من أجل تحقيق مواطنة فاعلة تتأسس على الإسهام الإيجابي والتسامح الفكري والاحترام المتبادل، ولعل تبادل التهاني والهدايا يعتبر شعبة أساسية من شعب هذه المواطنة الراقية.
ولئن يظهر للبعض أن المسلم في الغرب يستطيع أن يتجنب مظاهر الاحتكاك مع غير المسلمين حتى لا يقع فيما يؤثر على عقيدته، غير أن ذلك قد يؤدي لا محالة إلى نتائج معكوسة، فينعزل عن الواقع الذي يعيش فيه، ما قد يترتب عنه ضياع العمل والتوقف عن الدراسة ومقاطعة الجيران وهلم جرا. وهذا ما يتناقض مع رسالة الإسلام التي تجعل من كل مسلم داعية إلى الخير والإيخاء والتوحيد، وإذا ما حكمت الأقليات المسلمة على نفسها بالانطواء والتقوقع في تجمعات مفصولة عن المجتمع، فإن من شأن ذلك أن يسهم في تصاعد الحذر والقلق منهم عند باقي شرائح المجتمع، وهكذا تنشأ بالتدريج أسباب ظاهرة الخوف من الإسلام عند الآخر، الذي يبدو له هذا الدين غريبا ومغايرا بل ومتعارضا يتناقض خطابه الظاهري مع الباطني، وجانبه النظري مع التطبيقي، ومقاصد دعوته مع تجليات واقعه..! فهو بذلك، حسب ظنه، دين ينطوي على تناقض وجودي وسلوكي عميق، حيث يتحدث فيه المسلمون عن رحمة الإسلام وتسامحه في حين ينعزلون عن المجتمع الذي يعيشون فيه، ويشكلون طرفا أساسيا فيه؛ فكيف تكون رحيما بالغير دون أن تتواصل معه؟! وكيف تكون متسامحا مع الآخر وقد اخترت الابتعاد عنه والتعصب لرأيك وثقافتك وقبيلتك؟!
إن مسألة تهنئة أهل الكتاب بأعيادهم الدينية وغيرها من الممارسات الاجتماعية والثقافية التي لا تؤثر في عقيدة المسلم، أصبحت تقتضي اليوم مراجعة جذرية من قبل علماء الإسلام بمختلف توجهاتهم ومشاربهم، قصد الإجابة عن جملة من التحديات التي بات يشهدها راهن المسلمين، وإن كانت تبدو جد عادية بالنسبة إلى الكثير من الدعاة و”رجال الدين”، إلا أنها تخلق مختلف المشاكل النفسية والاجتماعية والتواصلية بالنسبة إلى المسلم الغربي العادي، سواء المهاجر أو الأصلي، الذي تضعه العديد من الفتاوى الفقهية الجاهزة في مفترق الطرق. ولا أدل على ذلك من مسألة التهنئة التي تطرح شتى الحالات الإشكالية التي قد تحرج أي مسلم. وهذه بعض النماذج الحية حول ذلك:
• موظف مسلم يعمل في شركة طوال عقود من الزمن، حيث جميع حقوقه المادية والقانونية والمهنية مضمونة، تؤدى له كيفما تم الاتفاق معه في البداية، يعامله الجميع باحترام كبير، بل وأكثر من ذلك فإن مدير الشركة أو صاحبها يضع فيه الثقة التامة، ويعول عليه في أكثر من موقف. تحتفل الشركة أحيانا بالمناسبات الدينية، حيث تنظم حفلات غذاء أو عشاء تضع فيها جناحا للأكل الحلال خاصا بالموظفين والعمال المسلمين، كما أنها تقدم لهم في نهاية كل سنة ميلادية هدايا بالمناسبة. كيف ينبغي لهذا الموظف المسلم أن يتعامل مع هذا الموقف المحرج، الذي يتكرر كلما حلت مناسبة معينة؟ هل يجب عليه، وفق فتاوى التحريم، أن يقاطع تلك الأنشطة ولا يشارك ذويها ولا يهنئهم ولو من باب الاحترام المتبادل والمجاملة المطلوبة؟ هل يتحتم عليه أن يترك ذلك العمل ويبحث عن بديل آخر صعب المنال، لا سيما في زمن الأزمة الاقتصادية، أم يكتفي بالتعويضات الاجتماعية بعد إجراءات طويلة لا تخلو من اللف والدوران والكذب؟
• طالب مسلم يدرس في كلية الطب حيث يتابع تخصصا علميا نادرا، سوف يقدم بواسطته في المستقبل القريب خدمات جليلة للمسلمين. يقتضي منه هذا التخصص الاحتكاك الدائم بالأساتذة والأطباء والطلبة، إما أثناء تلقي المحاضرات والدروس، أو أثناء القيام ببحوث مشتركة مع زملاء الدراسة، أو أثناء التدريبات داخل مختبر الكلية أو المستشفى. هذه الأنشطة وغيرها تتطلب منه ربط العديد من العلاقات الأساسية لدراسته، سواء داخل الفصل أو خارجه، وإلا فإن أداءه الدراسي سوف يكون هزيلا، ما قد يسبب له التخلي عن الدراسة. تُنظم في بعض الأحيان احتفالات بالأعياد الدينية داخل الكلية وفي المستشفى الذي يتدرب فيه، وتبعث له الدعوة للحضور، فيجد نفسه أمام موقف عويص؛ هل يقبل الدعوة ويهنئ زملاءه بالمناسبة ويشاركهم ولو للحظات قصيرة أم يتجاهل ذلك ولا يعير أي أهتمام لدعوتهم؟ غير أنه إذا ما تكرر مثل هذا التصرف بدون أي مبرر معقول، قد يُعامل بالمثل، فيؤثر ذلك سلبا على دراسته وتدريبه ومستقبله المهني. وقد سبق له أن استفتى ذات يوم أَحَدَ الأئمة بخصوص هذه المسألة، فنصحه بأن يتوقف عن الدراسة!
• شاب مسلم اضطرته حالة الحرب الشرسة التي يشهدها بلده إلى أن يهاجر إلى إحدى البلدان الأوروبية، حيث قدم طلبا للجوء السياسي، غير أنه بعد مدة من الانتظار رُفض هذا الطلب. حاول أن يبحث عن حل آخر لتسوية وضعيته القانونية وهو الزواج من مسلمة، إلا أنه فشل في أن يجد أسرة مسلمة ترضى بأن تزوج ابنتها لهذا اللاجيء المقطوع من شجرة! فما كان عليه إلا أن يبحث عن امرأة كتابية للزواج منها، ومن ثم دعوتها إلى الدخول في الإسلام. وبعد مدة وجيزة تعرف على امرأة نصرانية قبلت أن تتزوج منه بشكل قانوني، فساعدته على تسوية وصعيته القانونية، كما وفرت له كل شروط الحياة الكريمة. إلا أنه كان يعيش على المستوى النفسي صراعا عميقا وشرسا، لاسيما أثناء احتفالات الأعياد الدينية التي كانت تقيمها عائلة زوجه، فكانت تتم دعوتهما من فينة إلى أخرى، ما كان يضطره إلى تهنئتهم والحضور معهم. كان ينوي بعض الأحيان مقاطعة تلك المناسبات، لكنه عندما كان يفكر في التضحيات الجسيمة التي قامت بها زوجه من أجله، يحس بالحيرة وتأنيب الضمير والعجز عن أن يفهم ما يجري حوله! لأن بعض التفسيرات الفقهية المتعلقة بفقه التعامل مع غير المسلمين كانت تنغص راحة باله، وتوقعه في ما يشبه التناقض؛ كيف يمكن له أن يكون مثالا للمسلم الصادق في عيون زوجه وعائلتها، إذا قام بالتماس الأعذار وافتعال الأسباب حتى يتجنب الاحتكاك بهم في مناسباتهم الدينية وغير الدينية؟!
هكذا يجد الكثير من المسلمين في الغرب أنفسهم في وضعية إشكالية تحكم عليهم بالعيش في سلوك مزدوج، يجعل شخصيتهم منقسمة بين خيارين صعبين. من جهة الولاء التام للفتاوى الضيقة العابرة للقارات التي تختزل الإسلام كله في حفنة من الجوانب الشكلية، وهذا ما يسفر عنه ظهور نماذج إسلامية منطوية على نفسها تقدم صورة مشوهة حول حقيقة هذا الدين، ما يزرع هواجس الحذر والخوف والارتياب لدى الآخر. ومن جهة أخرى الانفتاح الضروري على الواقع الذي يعيشون فيه، والمساهمة الفعالة في مختلف مجالاته الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، والتعامل الإيجابي مع غير المسلمين في إطار المواطنة والتسامح والاحترام، وهذا ما يتفق قلبا وقالبا مع دعوة الإسلام السمحة التي أرسلت رحمة للعالمين.
*باحث مغربي مقيم في بلجيكا





