“إسرائيل” تحرس المشروع الوطني الفلسطيني!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

حلمي الأسمر

 

قد لا يعلم كثيرون أن حياة “مشتركة” ونوعا من “التعايش” بين العرب واليهود كانا على أرض فلسطين التاريخية بعيد حرب 1967. وقد لا يعرف كثيرون أن رئيس أركان حرب العدو في تلك الحرب، موشيه دايان، كان يحلو له زيارة نابلس، ويتناول الكنافة النابلسية في محلات العكر، ولم يكن غريبا أن يتجاذب الحديث مع رجال نابلس المسنين، وهو يتلذّذ بتذوق الكنافة.
صحيحٌ أنه لم يكن معاهدات سلام ولا اتفاقات مكتوبة حينذاك، ولكن سياسة “القبضة الناعمة” لقوات الاحتلال، وكان يتبنّاها حزب العمل الحاكم حينها، أوجدت نوعا من “الحياة المشتركة” بين العرب واليهود. وبالتالي، لم يكن غريبا أن ترى بائع ملابس يهوديا يحمل صرّته ويتجوّل في شوارع مخيم طولكرم، يفرد بضاعته وتتحلق حوله نساء الحارة لتقليب البضاعة، وربما تبادل المزاح.

هاتان الصورتان اللتان تبدوان وقد قدّتا من مسرحيةٍ مستحيلةٍ كانتا تعبيرا عن تلك الأجواء الغريبة، والتي هدّدت، على نحو أو آخر، بدخول المشروع الوطني الفلسطيني في المخيال الشعبي إلى دهليز أسود، لا يبدو، في نهايته، أي ضوء، بل كان مشهد “اجتياح” اليهود المدن الفلسطينية للتسوّق يوم السبت، وهو يوم عطلة اليهود، ينذر بحالة ميوعةٍ مخيفةٍ لذلك المشروع، بل نشأت علاقة اجتماعية، وربما مصاهرات بين عرب ويهود في حالات، وتبادل للزيارات و”العزائم” بين الأسر من كلا الجانبين.

أخذ الشعب على عاتقه عبء المقاومة والتصدّي للاحتلال بأساليب شعبية بدائية، وكرّس الحجر والمقلاع رمزا للمقاومة الشعبية

قد لا يروق هذا الكلام لكثيرين، ولكن من يؤرّخ لتلك الحقبة يعلم مدى واقعية هذا التوصيف “المؤلم” بين من يقوم بالاحتلال ومن وقع عليه الاحتلال، وكان لافتا آنذاك أن عبء مقاومة الاحتلال كان يقع بالكامل على عاتق تنظيمات المقاومة الفلسطينية خارج الأرض المحتلة وخلاياها في الداخل، ولم يكن مصطلح “المقاومة الشعبية” يحمل أي معنى تقريبا في مجمل مشهد الاحتلال. ولا يعني هذا، في المعنى العام، أن الشعب الفلسطيني استسلم للاحتلال واستساغ العيش في “كنفه”، بل يعني، فيما يعنيه، أن الضمير الجمعي الشعبي كان يقع تحت وطأة “صدمة الاحتلال”، وبدا أن سياسة حزب العمل الناعمة القائمة على فلسفة “التعايش” والتسهيل على حياة الناس، والابتعاد، إلى حد كبير، عن سياسة العقاب الجماعي، ساهمت في “تخدير” هذا الضمير ولو مؤقتا، حتى إذا بدأت شمس حزب العمل المصنّف “معتدلا”، وأقرب إلى اليسار، بالأفول تدريجيا ووثوب حزب الليكود إلى السلطة، وما نما على أطرافه من تنظيماتٍ وأحزابٍ “يمينية” متطرّفة، نقضت قبضة الاحتلال قفّازها الحريري، وبدأت تظهر لها مخالب وكلابات متوحّشة قلبت حياة الشعب الفلسطيني، و”ضربت” رأسه بنوبة وعي جماهيري، جعلته يعود إلى حالته الطبيعية في رفض الاحتلال. وشيئا فشيئا، استعادت الوطنية الفلسطينية عافيتها، فكانت الانتفاضات الصغيرة ابتداء من 1976 تحديدا، حيث أول يوم أرض، اليوم الذي كرّسه فلسطينيو الداخل، وصار انتفاضة سنوية منذ ذلك التاريخ في عموم فلسطين. وشيئا فشيئا تجمّعت الانتفاضات الصغيرة واشتعلت الانتفاضة الشعبية الأولى، يوم 8 ديسمبر/كانون الأول 1987، حيث بدا أن الشعب أخذ على عاتقه عبء المقاومة والتصدّي للاحتلال بأساليب شعبية بدائية، وكرّس الحجر يومها والمقلاع رمزا للمقاومة الشعبية، ودخل مصطلح “انتفاضة” قواميس اللغات الحيّة. وبعد نحو عقد، تخلّله مزيد من التوحش الاحتلالي، وتعزيز متسارع لمعسكر اليمين الصهيوني المتطرّف، اشتعلت الانتفاضة الثانية، وتحديدا في 28 سبتمبر/أيلول من العام 2000، والتي أخذت طابعا مسلحا أكثر من الانتفاضة الأولى، وتخلل هذا عقد اتفاقات أوسلو بين رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، ياسر عرفات، ورئيس وزراء الكيان إسحق رابين، الذي اغتالته رصاصات اليمين، واغتالت أيضا عرفات، واغتالت أيضا كل أمل في عقد أي اتفاق “سلام” بين من يحتلون الأرض وأهلها الشرعيين. وبدا أن الكلمة العليا في صناعة القرار داخل قيادة كيان الاحتلال هي لليمين الصهيوني المتوحش، الذي أقصى أي أملٍ في عقد أي اتفاقاتٍ مع الشعب الفلسطيني. وبدأنا نسمع منذ انفراد اليمين بالحكم نغمة “لا يوجد شريك فلسطيني” لعقد أي اتفاقاتٍ معه، وانكمشت سلطة فلسطين “الرسمية” في حكم مقاطعة رام الله القائم على مبدأ عمل السلطة في خدمة الاحتلال وحمل عبء “الكناسة والحراسة” نيابة عن السلطة المحتلة، وقضى أو كاد على حلم الخلاص الفلسطيني، الأمر الذي أيقظ الوطنية الشعبية في المخيال الشعبي الفلسطيني، وبدأت ظاهرة الانتفاضات القصيرة، وما سميت مقاومة “الذئاب المنفردة”.

حوّلت سياسات اليمين المتوحش في كيان الاحتلال كل شابٍ وفتى وفتاة من أبناء الشعب الفلسطيني إلى قنبلة موقوتة

وفي الخلاصة، لو استمرّت سياسة قبضة الاحتلال المغلّفة بالنعومة، لطال مدى صحوة المقاومة الشعبية، ويكفي اليوم أن يرى شابان فلسطينيان، كأسعد الرفاعي وصبحي أبو شقير، من سكان قرية رمانة في جنين، جنديا صهيونيا يخلع حجاب فتاة فلسطينية في باحات الأقصى، ليمتشقا بلطتهما ويُعملانها في رقاب من يعملان عندهم في مستعمرة إلعاد. توحش الاحتلال واستمراره في قضم الأرض وإذلال الناس والضغط على العصب الحي لهم (الأقصى تحديدا) وتغييب أي أفق لحل ولو كان “وسطيا” غير عادل، هو بمثابة حراسة للمشروع الوطني الفلسطيني، وإبقاء جذوة المقاومة الشعبية مشتعلة، ناهيك أصلا عن وجود مقاومة مسلّحة أثبتت كفاءتها وفاعليتها في غزّة، تعضد جماهير “الذئاب المفردة” وتغذّيها وتلهمها، في طول فلسطين التاريخية المحتلة وعرضها؟

لقد حوّلت سياسات اليمين المتوحش في كيان الاحتلال كل شابٍ وفتى وفتاة من أبناء الشعب الفلسطيني إلى قنبلة موقوتة، وليس لأحدٍ في الكيان أن يسأل عن سر “التطرّف” و”الإرهاب” الفلسطيني، فهو ما صنعته يدا الاحتلال، وهو ما سيجعل حياته مستحيلة، أو على الأقل بلا مستقبل ما دام يصرّ على عدم رؤية كل الثورة المشتعلة في صدور الملايين من أبناء فلسطين.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...