في غموض حسابات الحرب الأوكرانية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

كمال عبد اللطيف

 

 

ملأت الحرب الروسية الأوكرانية العالم صخباً، أحيت شعاراتٍ سادت أزمنة القطبية الثنائية، واعتقد الجميع بناء على معطيات ووقائع سياسية مُحدّدة باندثارها.. ولا أحد اليوم يعرف ما يجري في الحرب القائمة، منذ بدايتها في فبراير/ شباط الماضي، رغم أن موسكو أعلنت أن أهدافها من العملية العسكرية في أوكرانيا تتجه إلى نزع سلاح أوكرانيا. وقد دفعت العملية العسكرية الروسية العالم أجمع إلى نسيان الحروب المشتعلة في مناطق أخرى منه، ويجري التركيز في الإعلام الغربي ووسائط التواصل الاجتماعي على آثار الحرب في المدن الأوكرانية، وأيضا إبراز النتائج والتداعيات التي ترتَّبت عنها في الغرب الأوروبي وفي أميركا، وفي اقتصاديات العالم أجمع. وقد أصبحت صوَر المُهَجَّرين الأوكرانيين الهاربين من نيران الحرب وشظايا الأسلحة تملأ حيز الأخبار في القنوات التلفزية والإعلامية في كل مكان.

لكن كيف أصبحت حرب روسيا على أوكرانيا عنواناً بديلاً لكل الحروب الجارية في العالم، وأصبحت مقاومات الشعب الأوكراني ومآسيه عنواناً لكل المقاومات الحاصلة في عالمنا. يتضامن الغرب مع أوكرانيا، ويبني مواقف تستهدف المشروع الروسي، فنجد أنفسنا أمام حربٍ بالوكالة، حربٍ تُقَدَّم فيها المساعدات العسكرية والمخابراتية لمواجهة الجيش الروسي. ولكن لماذا يحدث نسيان المُهَجَّرين في بقاع الأرض كلها، ويمتلئ الإعلام بصور المُهَجَّرين الأوكرانيين وحدهم؟ ومقابل ذلك، لماذا تحتفي قنوات إعلام أخرى بهجوم بوتين على أوكرانيا، وتعدّه عملاً إنسانياً مشروعاً، وترى في عملياته العسكرية موقفاً من حلف الناتو الساعي إلى وضع يده على أوكرانيا؟

لا يستطيع مُتابِع ما جرى ويجري فهم كل ما جرى ويجري، وهناك غموض وضبابية تملأ المواجهة المفتوحة بين روسيا والغرب

تجري العمليات العسكرية الروسية في مدن أوكرانية، وتنشأ مقاوماتٌ أوكرانيةٌ بآليات غربية ومساعدات أميركية بتوسط دول أوروبية عديدة. وبموازاة ذلك، يجري تعميم حرب أخرى في فضاءات التواصل الرقمي، توضع فيها روسيا الأوروبية الآسيوية مقابل الغرب الأطلسي، حيث يُعَمِّمُ بوتين، ومن معه في وسائط التواصل الاجتماعي، رسائل إلى العالم أجمع. ويجري، في الآن نفسه، تعميم مواقف نافية للرسائل ومحتواها، فيجد المتابع للحرب الجارية وأخبارها أمام معطياتٍ كثيرة لا صلة لها بالحرب الجارية. والإشارة هنا إلى التقارير الأميركية التي لا تتوقف، وإلى رسائل الرئيس بوتين وخطاباته وأنماط حنينه لروسيا الإمبريالية، روسيا التي تُشخّص عدوها اللدود في الولايات المتحدة، حيث يتصاعد الحنين في الحرب القائمة إلى القطبية الثنائية. ولا يستطيع مُتابِع ما جرى ويجري، منذ أزيد من شهرين، من الاقتتال بين روسيا وأوكرانيا، فهم كل ما جرى ويجري، وهناك غموض وضبابية تملأ المواجهة المفتوحة بين روسيا والغرب، وذلك بعد أن استقرّت القطبية العالمية على قواعد في الممارسة، منحتها مواصفات وحدودا معينة.

عندما نقرأ الحرب بمنطق الثنائية القطبية، يكون القارئ مشدوداً إلى تداعيات ما بعدها، أي مختلف التوافقات التي حصلت بين الولايات المتحدة والغرب وروسيا بوتين في سورية وليبيا وفي مناطق أخرى، على الرغم من الاختلافات والتناقضات القائمة بينهما. أما عندما تُقْرَأ كفعل يتوخّى نوعاً من العودة إلى بناء الثنائية القطبية مجدّداً، فإن شروطاً عديدة تظل غائبة عن كل الخراب الذي تُعَمِّمُه روسيا في أوكرانيا. لقد مارست روسيا، خلال العقدين الأخيرين، وفي سياقات سياسية مختلفة، أشكالاً من التواطؤ المعلن مع الغرب ومع الولايات المتحدة في مختلف البُؤَر المشتعلة في العالم، فكيف تتجه اليوم إلى إخراج أوكرانيا من مشروع التحاقها بالاتحاد الأوروبي، وبحلف الناتو؟ ما هي الدوافع التي تدفع روسيا المنخرطة في عمليات التحوّل إلى الاقتصاد الرأسمالي، زمن التعولم الجارف وهيمنة النيوليبرالية، إلى رفع شعار الخلاص من الغرب وسطوته؟ هل ندرج المسألة في إطار نوع من الحنين لروسيا الإمبريالية أو لاتحاد سوﭬييتي مُمَزّق ومن دون اشتراكية؟ هل تتّجه روسيا إلى بناء مشروع الاتحاد الأورو آسيوي مقابلا للاتحاد الأوروبي؟

يحرص بوتين في الحرب المشتعلة على تذكيرنا بأمرين: الكارثة المرعبة في تاريخ روسيا المعاصرة، والمتمثلة في انهيار الاتحاد السوﭬﻴيتي سنة 1991، إنها تقف في نظره وراء ضرورة تجديد المواجهة. واعتباره أن الغرب اليوم يتهاوى، وهو في طريقه إلى السقوط، ولهذا يكرّر، في مناسبات عديدة، أن روسيا عائدة، وأنها ستعود لمواجهة الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. أما تفاصيل جغرافية الحرب الدائرة في أوكرانيا، بشعاراتها ووقائعها، فإنها لا تشكل أكثر من فضاء وسيط لبناء آليات الخراب القادم أو التوافقات المحتملة.

الولايات المتحدة والغرب الأوروبي يريان أن روسيا خسرت أهدافها في أوكرانيا وروسيا ترى أن نهاية الغرب، بقيادة أميركا، أزفت

يستعيد بوتين، في خطاباته الموازية للعملية العسكرية الجارية، بعض أطروحات المثقف الروسي، ألكسندر دوغين، الرامية إلى اعتماد القومية الروسية من أجل بناء عالمٍ جديد، تجري فيه مواجهة حضارة الأرض مع حضارة أوروبا المائية، معتبراً أن روسيا الجديدة تقوم على مبدأ التكامل الإقليمي، وتنخرط في العقيدة الأوروآسيوية التي تشمل أربع حضارات، الروسية والصينية والهندية والإيرانية، وذلك للتمكّن من تكسير هيمنة القطب الواحد والخلاص من الغرب.

في مثل هذه الحروب، لا تحصل انتصارات ولا هزائم، إننا أمام حروب ترتّب أهدافاً ترتبط بسياقات ومواقف محدّدة، وتستوعب خياراتٍ متناقضة. وبناء عليه، تخفي العملية العسكرية الروسية ما يسمح بإمكانية تجريب شكلٍ من أشكال الجنون، كما تستوعب مواقف الولايات المتحدة والغرب الأوروبي فيها صورا كثيرة للحذر السياسي والتاريخي، ولا يمكن التأكد من إمكانية الاستمرار في هذا الوضع، أمام حرائق المدن الأوكرانية وتهديدات موسكو.. ويبدو أنه لا أحد يستطيع أن يتنبأ اليوم بالمواجهة المفتوحة بين الطرفين في الميدان الأوكراني. وإذا كانت الولايات المتحدة والغرب الأوروبي يريان أن روسيا خسرت أهدافها في أوكرانيا، فإن روسيا ترى، بأعين أخرى، أن نهاية الغرب، بقيادة أميركا أزفت. وما هو مؤكّد اليوم أن الحرب متواصلة، تقوم بها روسيا داخل أوكرانيا، ويقوم بها الغرب بِمَدِّ أوكرانيا بالمساعدات العسكرية والاستخباراتية اللازمة لمواصلة المقاومة.. ومن حقّ المتابعين للعملية العسكرية الروسية أن يتساءلوا عن سقفها وحدودها.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...