كتابان لسعد عبد الرحمن!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*إبراهيم عبد المجيد

 

 

عرفت سعد عبد الرحمن شاعرا وكاتبا محققا لعدد من دواوين الآخرين. له من الدواوين الشعرية «حدائق الجمر» و»النفخ في الرماد» ومن الكتب «مختارات من شعر شوقي» للأطفال، و»التعليم المصري في نصف قرن» وغيرها. وعرفته موظفا في وزارة الثقافة تولى مناصب كثيرة حتى وصل إلى رئاسة الهيئة العامة لقصور الثقافة، بين عامي 2011-2014، وعرفته عضوا في أكثر من أمانة ثقافية، أو رئيسا لها.

كانت هذه المشاركات الوظيفية والثقافية تصرفنا عن جهوده الأدبية والفكرية، حتى بدأ بعد أن اتسعت له الحياة بترك الوظائف الرسمية، في نشر كتب مهمة أردت أن أنبه لها، وخاصة هذه الكتابين اللذين سبقهما كتاب» قليلا من الأدب» للأسف لم أحصل عليه، وستتوإلى بعدها كتب أخرى رأيتها أشبه بالكنوز المخبأة.

الكتابان صدرا عن دار النسيم المصرية في القاهرة، أخذني الكتاب الأول «تأملات في الجهل» إلى قضايا مهمة جدا سأحاول إلقاء الضوء عليها ولو بإيجاز. وأخذني الكتاب الثاني «التحديق في الظلال» إلى استراحة مع الجمال الضائع الذي ورد ذكره متفرقا من قبل على مدار السنين التي صارت بعيدة، لكن سعد عبد الرحمن يعيده إلينا موجزا لامعا شديد التأثير. لفت نظري في الكتابين السيل الجارف للمراجع في كل مقال، التي تصل أحيانا إلى أربعين مرجعا بين كتب ومجلات ثقافية. الكتابان صغيران كل منهما يصل إلى حوالي مئتي صفحة، لكن ذلك راجع إلى الإيجاز في الحديث، والدقة وعدم الإسهاب والإطناب وراء لغته الجميلة.

«تاملات في الجهل» عشر دراسات شديدة التركيز، الأولى التي حمل عنوانها الكتاب رحلة مع معنى الجهل لغويا، فهو عند العرب له معنيان، الأول مقابلة لمعنى الحلم فالجهل هنا طيش ونزق، والثاني هو المقابل للعلم والمعرفة. عن الأول يقول عمرو بن كلثوم:
«ألا لا يجهلن أحد علينا.. فنجهل فوق جهل الجاهلينا»
وعن الثاني يقول أحمد شوقي:
«بالعلم والمال يبني الناس ملكهم .. لم يبنَ ملك على جهل وإقلال»

وكثير من التفسيرات من القرآن الكريم للمعنيين. يمشي مع الجهل كمصطلح وكظاهرة قد يتصور البعض اضمحلالها مع عصر الانفجار المعرفي، لكنه يتسع وتتنوع أشكاله. هناك الجهل البسيط كجهل الأطفال الفطري والجهل المركب الذي يأتي من العلم الزائف. وهناك جهل يكاد يشمل المجتمع كله وهو الشائع، قسم منه يعود إلى الأمية الأبجدية، وقسم يعود إلى الأمية الثقافية وهكذا.. يمشي مفسرا شارحا كل أمر ويتوقف عند الجهل الموجه من قنوات الإعلام، وغير ذلك من أنواع الجهل، ليصل إلى قول نزار قباني:
«لقد لبسنا قشرة الحضارة والروح جاهلية»

وينتقل في الدراسة الثانية إلى المثقف العربي والتراث ما بين القائلين بالنقل لا العقل، والقائلين باستخدام العقل في الاختيار، والقائلين بضرورة موت الأب مثل أدونيس. المثقف النقلي وكيف ساد في عصور الانحطاط، والمثقف العقلي وكيف استيقظ في عصر النهضة مثل، رفاعة الطهطاوي، وهكذا بشرح ضاف يتوقف حتى عند من يتهمون أصحاب العقل بالارتماء في حضن الغرب.

يخصص المقال أو الدراسة الثالثة التي جاءت بعنوان «هلك المتنطعون» مدافعا عن طه حسين أمام مهاجميه بعد كتابه «في الشعر الجاهلي» وحتى اليوم بالأسماء والأقوال والأفعال. ثم بحث بلاغي هو الرابع في الكتاب عن مطابقة الكلام لمقتضى الحال.. عن الشعر في مدى توافقه مع العالم الخارجي لا حالة المتكلم، بينما الشعر تفاعل ذاتي مع العالم الخارجي والذات معا. ثم بحث دقيق عن الفارق بين النحو والمنطق وفن المناظرة العربي، وما كتب فيها وما تم الاحتفاظ به منها. ثم حديث رائع بعد ذلك عن أحمد شوقي على درب لافونتين في أدب الأطفال والحكايات الخرافية التي جاءت في شعره، وهو دور عظيم لأحمد شوقي لا يتوقف عنده الكثيرون. يأخذه شوقي في بحث تالٍ إلى محمد عبد الوهاب ومعارك شوقي مع العقاد والمازني وكيف تصالحوا في جلسة حضرها عبد الوهاب بلبل شوقي الأثير وغنى، وكيف مدحه العقاد والمازني في ما بعد لكنه لم يغنِ لهما، فهاجماه ومدحا الأقل منه مثل محمد بخيت الذي لم يستمر في الغناء. لعل وقفته بعد ذلك مع أحمد خيرت شاعر الأطفال هي من أجمل الفصول التي تعيد لنا شاعرا وطنيا عظيما قدم الكثير للأطفال في الكتابة والإذاعة وللوطن. بعد ذلك حديث عن أزمة الشعر العربي الحديث، كما يراها ثم يدخل بنا في الفصل التالي إلى شخصية عظيمة مجهولة للكثيرين هي شخصية الشاعر القبطي من أسيوط وهو نصر لوزا الأسيوطي، الذي توفي عام 1966 والذي على نهج بردة أحمد شوقي وبردة البوصيري أبدع بردته التي حملت عنوان «البردة الميلادية» عن المسيح. إنه اكتشاف غائب عن الكثيرين، وتحليل رائع لهذه البردة شعريا وفكريا.

تنقلنا هذه الاكتشافات إلى الكتاب الثاني «التحديق في الظلال» الذي به إحياء لقضايا وأشخاص على درجة عظيمة من الأهمية. هنا مقال عن الشعر عند طه حسين وتأليف الأغاني ولماذا لم يستمر فيهما واعتبرهما سذاجة في بداياته، بل ومن غنى له. المعركة بين العقاد وشوقي تعود من جديد في مقال ثم الجانب الزهدي الإيماني في أبي نواس الشاعر الرجيم، وينهي الفصل بقصيدته «إلهنا ما أعدلك.. مليك كل من ملك» التي غناها محمد فوزي عام 1962، وبعده غناها الكثيرون. ثم الوجه الآخر للمتنبي الذي لخصه بيت من الشعر «أنا في أمة تداركها الله.. غريب كصالح في ثمود» أو قوله «ما مقامي بأرض نخلة إلا كمقام صالح في ثمود» وكيف رسم لنفسه صورة كأمير أعظم من كل ملك أو أمير، بينما هو في الواقع على عظمة موهبته لم يكن غير شاعر يتكسب بشعره. ثم يأتي مقال «آداب الجريمة» منذ العصر الجاهلي وشعراء كعروة بن الورد ثم الشطار والعيارين، وكذلك في أوروبا ثم يمشي بنا إلى العصر الحديث. يأخذه ذلك إلى فصل عن الأديب المجرم حافظ نجيب الذي توفي عام 1946 وحياته التي قذفت به إلى الجريمة وإسهاماته الرائعة في الأدب والصحافة. لقد كتب عنه الكثيرون من قبل، لكن سعد عبد الرحمن يضع لك السلة كلها بما فيها من غرائب وجنون. ثم حديث رائع عن المترجم عمر عبد العزيز أمين صاحب سلسلة روايات الجيب التي صنعت أجيالا من الكتاب والصحف والمجلات التي أنشأها والتي حين تقرأ عنها تتساءل كيف كان كل ذلك في مصر، وكيف ليس لدينا الآن هذه الحرية، ولا لدينا سلسلة واحدة تلخص الروايات العالمية كما فعل هذا العظيم، الذي كان مؤسسة ثقافية في إهاب مترجم. ثم أتي مقال عن الشاعر ابن دانيال الذي رثى إبليس بعد أن ألغى الظاهر بيبرس البارات وبيوت الدعارة والخواطي.

يختتم الكتاب بما جرى للنشيد الوطني لثورة 1919 من تغير أو تحريف، وكيف غاب عنا بنشيد «والله زمن يا سلاحي» بعد حرب السويس 1956 ثم أعاده السادات بعد السلام مع إسرائيل، بينما كان غناء وتلحين سيد درويش له إيجازا لثورة 1919 ونهضة الأمة.

يحتاج الكتابان إلى دراسة مستفيضة لكنني أحببت أن ألفت النظر إلى القدرة الرائعة لسعد عبد الرحمن التي أخفتها عن الكثيرين وظائفه للأسف. والأهم القدرة الرائعة في البحث الدقيق فيما يكتب، وكيف صارت مقالاته أو بحوثه مرآة لكل الآراء في ما يكتب عنه فتقتنع بموضوعية بآرائه. إنها قدرة على البحث رائعة، تحملها لغة أكثر من رائعة، ستأتينا في الأيام المقبلة بكتب تستحق كل اهتمام وتقدير.

*روائي مصري

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...