وَهْم وجود نظرية المؤامرة العالمية الكبرى و(إله) الكون الخفي..!

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

الدكتور عبدالله شنفار

 

 

 

 

العقول المسكونة بنظرية المؤامرة العالمية؛ يقولون هناك شيء ما؛ خفي وكبير مخطط له ويقف وراءه عنصر خفي يتحكم في العالم؛ من خلال نشر الأمراض والفيروسات (كورونا والجمرة الخبيثة والأيدز وإيبولا…) وإشعال الحروب (حرب العراق ولبنان والشرق الاوسط وأوكرانيا..) والفتن ورفع أسعار البترول والتحكم فيها وغلاء المعيشة…

وينفعلون ويستسلمون أمام الأمر الواقع؛ تحت ضغوط اجتماعية واقتصادية وسياسية وحروب وجهل وفقر ومرض…؛ بحيث يجدون مبررًا يختزل في عبارة: (ليس لنا في الأمر حيلة!) وهم قسمان:

⁃ 1) البعض مسكون بفكر المؤامرة؛ بل يستطيع تخيلها والتنبؤ بها وكشفها؛ حتى قبل وقوعها؛
ولكن عندما يتعرض للمؤامرة؛ تجده يُردد ويقول: “والله كنت على علم مسبق بها وكنت أتوقعها.”..!
ولكن ماذا فعلت لتفادي وقوعها أو الوقوع فيها شباكها؛ أي (المؤامرة)؛ وما كان يُحاك ضدك!؟
وما هو الحل والحالة هاته؛ حينما تعرضت للمؤامرة!؟

⁃ 2) القسم الثاني مسكون بالاحتمالات اليقينية؛ ومن مساوئ التفكير الإجرائي عند هؤلاء؛ هو غياب التفكير الاستراتيجي؛ واللجوء إلى الاستدلال ب: لم نَكُنْ نتوقَّع..!
هو ما الذي لم تَكُنْ تتوقَّعه!؟
فحينما تكون الأحداث والوقائع واضحة وضوح الشمس في النهار؛ ويشيح عنها النظر ويغض عنها الطرف؛ ويغوص في سباتٍ عميق من التفكير الإجرائي؛ ويرى أن الواقع هو الأولى؛ ويأتي في الأخير ويقول: “لم يكن يتوقع”!

لم يكن يتوقع حجم المؤامرة العالمية! والكراهية الدولية! وحجم التخطيط العالمي؛ وارتفاع الأسعار!
نضرب مثالًا لذلك: فكلنا نتابع النشرة الجوية لمعرفة أحوال الطقس المتوقعة يوم غد؛ ولكن مع ذلك تقع لدينا إعاقة في التنزيل وتصريف الاستفادة منها في حياتنا..!

ونسمع بتساقط الثلوج والأمطار بالمنطقة الفلانية؛ ومع ذلك نصر على السفر إليها أو عبرها دون برمجة مسبقة؛ ونصبح عالقين؛ فنقول: “قدَّرَ اللهُ؛ وما شاءَ فعلْ؛ مع أنه كان على علم بذلك.”
مجتمعات وشعوب وأمم؛ مسكونة بفكر المؤامرة؛ تكون دائمًا غير قادرة على التقاط الإشارات؛ وغير قادرة على الاستنبات والاستنتاج والاعتبار من الابتلاءات والمصائب.
مجتمعات مسكونة بروح المؤامرة وتضخم الشك وجرعة زائدة من الخوف؛ ليس لها القدرة على تكوين صورة متكاملة حول تدفق الأحداث والوقائع والأفكار على جميع المستويات؛ سواء التحولات الداخلية؛ أو المتغيرات العالمية.

صحيح هناك جزء من الحقيقة؛ وفيه قوى تتصارع وعندها مصالح مختلفة ومتناقضة؛ قد تنجح أحيانًا؛ وقد تفشل في أحيان أخرى؛ ولكن هناك الكثير من الأوهام والتخرصات؛ التي يتم تقاسمها بشكل كبير بين الناس؛ ولا تتمتع بدرجة عالية من العقلانية؛ حيث تنعدم فيها الفعالية؛ في محاولة لإقناع الناس جميعًا بحجم نظرية المؤامرة الكبرى؛ والتي قوامها: الماسونية العالمية والقوى الظلامية الخفية؛ الدين يتحكمون في مصير البلدان والعباد؛ ولهم يد طولى وعيون ومراكز متقدمة في كل العالم؛ ويتحكمون في الكبيرة والصغيرة..!
مع أن ظاهرة الاحتجاج والخروج للشوارع وتنظيم المسيرات والوقفات والاعتصامات والثورات… وهذا ما نشاهده في كل بقاع العالم؛ في العالم المسيحي والعالم اليهودي والعالم الإسلامي؛ وعند الشيوعية والاشتراكية والرأسمالية…

وهذا النوع من الفكر؛ الذي يتم تفسير كل شيء يحدث في العالم من خلاله؛ وأنه قادر على فعل كل شيء؛ ومهما حولنا إقناعه أن هذه ظواهر بشرية عادية جدًا؛ فهو مصمم على إرجاع ذلك إلى قوى خفية متحكمة! وهذا الاعتقاد يجعل الموت (إله) من غير الله عز وجل؛ على طراز الآلهة على عهد الميثولوجيا اليونانية.
فبين إنسان الانتظارية؛ وإنسان الفاعلية؛ توجد هُوَّة ومسافة كبيرة جدًا؛ ناتجة عن كمية المخدرات والمسكنات والعبارات اللفظية والتفاؤل العاطفي؛ التي يقدمها حَرَسُ القديم والمألوف والتخلف؛ كوصفة وجرعة جاهزة لتبرير حالة الانتظار تلك.

إن نظرية المؤامرة الكبرى؛ توجد في العقول فقط؛ وتسكنها وتسيطر عليها. فالذي يتحكم في الكون هو الله وحده سبحانه وتعالى.

استئصال الوعي المزيَّف من جذوره؛ هو إحدى المقدمات الصحيحة لبناء المجتمعات الحديثة ذات الفاعلية. فكل يوم نكتشف حجم مساحة العقول التي تم احتلالها مع احتلال فلسطين. فنسبة المساحة التي يحتلها الغباء في بعض العقول؛ تعادل نسبة المساحة المحتلة من طرف إسرائيل لأرض فلسطين.

*مفكر وراصد اجتماعي وباحث مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...