مصادر إنتاج السياسة والأفكار الايديولوجية في معادلة الأكثرية والأقلية والأغلبية وإشكالية تحقيق الإجماع بحد السيف بدل الإقناع

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

* الدكتور عبد الله شنفار

 

 

ما هو السبيل إلى مفاتيح الغيث لاحتواء الصراعات السياسية والايديولوجية؟
كيف تتم هندسة الخلافات عبر التسويات والتوافقات والترضيات؛ وجعل السيطرة مجهولة سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا؟

كثيرا ما أسمع هذا الدعاء المربك للعقل؛ يتردد على مسمعي، ويقول فيه صاحبه: (اللهم احشرنا يوم القيامة مع الفقراء والضعفاء والمساكين.)
لكن لماذا ليس مع الأغنياء والأقوياء والأكثرية والأغلبية أو الأقلية؛ من الناس!؟

عَنْ أبي هُريرةَ -رضْيَ اللهُ عنه- قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: “المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى اللهِ مِنَ المؤمنِ الضَّعيفِ وفي كلٍّ خيرٌ…” ومعناه القوي في الإيمان؛ وليس في البدن.
في غياب الإجماع الا بحد السيف؛ وليس عن طريق الإقناع؛ وفي غياب التسويات والتوافقات؛ واحتواء وهندسة الخلافات السياسية والاجتماعية والثقافية؛ نجد في البحث عن مصادر إنتاج السياسة والأفكار الايديولوجية:

⁃ في المجتمعات المسكونة بالدين؛ تعتبر المعتقدات الدينية مصدرًا من مصادر السياسة أو الأفكار الأيديولوجية. وأصحابها يدعون أن أفكارهم الأيديولوجية عبارة عن حقائق تطابق الحقيقة الإلهية. معناه أنهم اطلعوا على كل ما يجري ويقرر في اللوح المحفوظ بالملأ الأعلى. مع أنه لولا الوحي من أين كان يدري باختلاف الملأ الأعلى في شأن آدم وامتناع إبليس من السجود له، ومحاجته ربه في تفضيله عليه. (مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَىٰ إِذْ يَخْتَصِمُونَ. إِن يُوحَىٰ إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ.)

⁃ عند الماركسية مصدر السياسة هم الطبقة العاملة؛ من خلال الحتمية التاريخية أو المادية التاريخية العلمية. بمجرد انتفاضة عمال العالم؛ يتم القضاء على البورجوازية المتحكمة في وسائل الإنتاج التي سرقتها من العمال في المصنع والأعمال الفلاحية.
⁃ عند الرأسمالية؛ مصدر إنتاج السياسة هو الحرية الفردية والسوق للجميع عبر المنافسة أو تحقيق الحد الأقصى من الأرباح.
وفي التمييز بين تركيبة تشكيلة المجتمعات، نجد من هم في أعلى الهرم؛ حيث يكثر العطاء والكرم في كل شيء؛ خيره وشره؛ ومن هم في أدنى السلم؛ حيث يقل العطاء والكرم المادي والمساهمات؛ وبين هؤلاء جميعًا؛ توجد الأقلية والنخبة والصفوة. قد تكون من المثقفين أو المنتخبين أو المؤمنين أو الورعين؛ أو المتطرفين.

وتتخلل هذه التركيبة، شرائح مجتمعية، يمكن تصنيفها من حيث العقلانية والفاعلية ومصادر إنتاج السياسة والأفكار الأيديولوجية؛ كما يلي:

⁃ 1) الأغلبية من الناس. وتُحِيل إلى مفهوم ومعنى: الغلبة والغالبية العظمى؛ أي معادلة ما بين الاقتناع وحد السيف.
⁃ 2) الأقلية من الناس. وتُحِيل إلى مفهوم ومعنى القليلون أي قليلي العدد والأصوات. وإلى النخبة والصفوة.
⁃ 3) الأكثرية من الناس. وتُحِيل إلى مفهوم ومعنى الكثيرون، والكثيري الأصوات المسيطرون على الوقائع والأحداث والقرارات.

لكن ما حكم الأكثرية في القرآن الكريم؟
حول مفهوم الاكثرية؛ يقول تبارك وتعالى في سورة البقرة: (كَم من فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ؛ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ.
ولأكثرية؛ وصفها القرآن الكريم بأذم الأوصاف في العديد من الآيات القرآنية؛ وتشكل الأقلية فريقًا وندرًا قليلًا جدًا؛ وصفهم الله عز وجل بعباده الْمُؤْمِنِين الشكورين:

• (إِلا قَلِيلاً.)
• (إِلا فَرِيقًا مِنْ الْمُؤْمِنِين.)
• (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُور.)
⁃ الاكثرية معرضون؛ (لا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ.

في حين وصف الاكثرية المذمومة بما يلي:
⁃ الاكثرية لا يشكرون:
• (وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ.)
• (وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ.)

⁃ الاكثرية ضالون:
• (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأَوَّلِينَ.)
• (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ.)
⁃ الاكثرية يبغون: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ.)

⁃ الاكثرية لا يؤمنون:
• (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ)
• (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ.}
⁃ الاكثرية لا يعقلون: (أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ)
⁃ الاكثرية فاسِقون: (وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ.)

⁃ الاكثرية لا يعلمون؛
• (ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ.)
• وأيضًا: (وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُون.)
⁃ الاكثرية للحق كارهون:
• (وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ.)
• (وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ.)
⁃ الاكثرية لا يشكرون: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ.)
⁃ الاكثرية يجهلون: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ.)

⁃ الاكثرية لا يسمعون:
• (فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ.)
• (بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً.)
⁃ الاكثرية كافرون: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ)
⁃ الاكثرية غافلون: (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ.)

⁃ الاكثرية مشركون:
• (كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ.)
• (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ.)
⁃ الاكثرية يتبعون الظن:
• (إن يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُون.)
• (وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلا ظَنًّا.)

والخلاصة: أن مفهوم الأكثرية؛ لا تحمل دائمًا على صواب.
فما بين إنسان الفاعلية وإنسان الانتظارية في تركيبة المجتمعات؛ يمكن التمييز بين القوى الحية من القوى الجامدة والراكدة؛ الذين ينتظرون ما ينتجه الآخرون أو ما ينتج عن ريع الأرض أو حدوث معجزات لتغيير أحوالها.

في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعض دَرَجَاتٍ.) حيث يقسم الأشخاص عادة إلى الفئات التالية:

• أولًا: صُنَّاع ﺍﻟﺤﺪﺙ؛ (المبادرون).
• ثانيًا: الفاعلون ﻓﻲ ﺍﻟﺤﺪﺙ؛ (صُنَّاع القرارات).
• ثالثًا: ﺃﺻﺤﺎﺏ ردود ﺍﻟﻔﻌﻞ؛ وهم إما:
⁃ مؤيدون؛
⁃ أو معارضون؛
⁃ أو غير مبالين؛
هذا؛ وﻟﺼﻨﺎﻋﺔ أﻱ ﺣﺪﺙ؛ ﻳﺒﺪﺃ ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍلفئة الأﻭﻟﻰ: أي (ﺍﻟﻤﺒﺎﺩﺭﻭﻥ). ﺛﻢ ﻳﻨﻀﻢ إليهم ﺃﺻﺤﺎﺏ ﺍلفئة ﺍﻟﺜﺎنية أي (ﺍﻟﻔﺎﻋﻠﻮﻥ). ﺛﻢ ﻳﻠﻴﻬﻢ أﺻﺤﺎﺏ ﺍلفئة ﺍﻟﺜﺎلثة أي (ﺍلإﻧﻔﻌﺎﻟﻴﻮﻥ).

لكن ﻛﻴﻒ ﺗﻘﻀﻲ ﻛﻞ فئه من هذه الفئات أوقاتها؟
تقضي الفئة الأﻭﻟﻰ ﻣﻌﻈﻢ ﻭﻗﺘﻬﺎ ﻓﻲ: التعلم؛ والتدريب؛ وﺍﻟﺘﺨﻄﻴﻂ؛ وﺍﻟﺘﻌﻠﻴﻢ؛ وتغرق في ﺍﻟﺘﻔﻜﻴﺮ الإجرائي وﺍﻷﺑﺤﺎﺙ؛ وﺍﻟﺘﻄﻮﻳﺮ؛ والإبداع والابتكار وﺍﻟﺘﻮﻇﻴﻒ؛ وﺍﻟﺘﺄﺛﻴﺮ؛ والتطلع إلى إﻣﺘﻼﻙ ﻣﺼﺎﺩﺭ ﺍﻟﻘﻮة؛
أما الفئة ﺍﻟﺜﺎنية؛ فتقضي وقتها ﻓﻲ: ﺍﻟﻌﻤﻞ؛ وﺍﻟﺘﺪﺭﻳﺐ؛ وقراءة الأحداث؛ والتفكير والتخطيط الاستراتيجي والتوقعات والتموقعات؛ والتعايش مع الأحداث ودراسة الواقع؛ والاستعداد للتغيير والانتقال إلى الأفضل.

في حين ﺗﻘﻀﻲ الفئة ﺍﻟﺜﺎلثة معظم ﻭﻗﺘﻬﺎ ﻓﻲ: تتبع وسائل الإلهاء؛ كمشاهدة ﺍﻟﺘﻠﻔﺰﻳﻮﻥ؛ وتتبع مواقع التواصل ﺍلإﺟﺘﻤﺎﻋﻲ؛ وﺍﻟﺠﺪال العقيم، وتشجيع الفرق الرياضية؛ والإسراف في الإنفاق وﺍلإﺳﺘﻬﻼﻙ المتوحش، وﺍﻟﺘﺴﻮﻕ، والتبضع ومحاولة إحباط الآخرين والتبخيس ونشر الفكر العدمي والانتقادات؛ جهازهم المعرفي، مصمم ليفكروا به، لا ليتفكروا فيه. وبالتالي لم يخضعوه لمحاكمة موضوعية أبدًا. وهكذا يتقادم تفكيرهم ويزول دون أن يشعروا بعجزهم المتعدد الأبعاد.

⁃ الفئة ﺍلأﻭﻟﻰ ﻏﺎﻟﺒﺎً هم: ﻋﻠﻤﺎﺀ، أساتذة، مدربين، ﺑﺎحثين، ﻣﺨﺘﺮعين، أﺻﺤﺎﺏ أﻋﻤﺎﻝ، ﻣﺴﺘﺜﻤﺮين أو مشاركين في أعمال استثمارية.
• ومن صفاتهم إنهم:
ﻣﺒﺎﺩﺭﻭﻥ في صناعة الأحداث ﺑﺸﻜﻞ ﻋﺎﻡ. وﻟﻬﻢ ﺃﻫﺪﺍﻑ ﻃﻮﻳﻠﺔ ﺍﻷﻣﺪ، وﻟﺪﻳﻬﻢ ﻏﺮﺽ وهدف ﻣﻦ الحياة ويحملون رسالة في حياتهم. وﺗﺤﺮﻛﻬﻢ ﻗﻨﺎﻋﺎﺗﻬﻢ ﻭﺃﻫﺪﺍﻓﻬﻢ التي تكون إما: ﺑﻌﻴﺪة أو متوسطة أو ﻗﺼﻴﺮﺓ ﺍﻷﻣﺪ.

⁃ الفئة ﺍﻟﺜﺎنية ﻫﻢ أشخاص:
ﻣﺤﺘﺮﻓﻮﻥ في أعمالهم، وموظفون منضبطين، ومحافظين على أوقاتهم،
• من بعض صفاتهم أنهم:
يتفاعلون مع الأحداث التي يصنعها أصحاب الفئة الأولى؛ وﻟﻬﻢ ﺃﻫﺪﺍﻑ ﻗﺼﻴﺮﺓ ﺍﻷﻣﺪ؛ ﻣﺮتبطة ﻏﺎﻟﺒﺎً ﺑﺎلمصلحة ﺍﻟﻤﺒﺎﺷﺮة؛ ويحققون توقعاتهم أكثر من أحلامهم.

⁃ أﻣﺎ الفئة ﺍﻟﺜﺎلثة ﻓﻬﻢ:
ﻣﺴﺘﻬﻠﻜﻮﻥ، تظهر عليهم علامة الإسراف والإهمال، ويكثرون من الجدال والنقاشات غير المجدية، ويتعصبون لآرائهم وميولاتهم وقناعاتهم الشخصية، وﻋﺎﻃﻠﻮﻥ في معظم أوقات اليوم. وبداخلهم توجد ثلاث فئات:

⁃ 1) فئة تنظر للمتفق عليه وتوسع من دائرته؛ ولسان حالها يقول: الحمد لله وجدت نقطة التقاء لأَبْني عليها الخير!
⁃ 2) وفئة أخرى تبحث عن أي نقطة خلاف، لتوسع من حالة الشد والجذب؛ فتخسر بها كل ما تجده.
⁃ وفئة سلبية لا تبالي بما يدور حولها؛ حيث بسكوتها لا نستطيع إثبات أو نفي أو الحكم على موقفها الغير المعبر عنه.
• من صفاتهم أنهم:
إنفعاليون، ﻟﻴﺲ ﻟﺪﻳﻬﻢ أهداف ﻭﺍضحة أو محددة المعالم، يكون همهم الوحيد هو انتقاد الأشخاص الناجحين. وهم أقرب إلى أصحاب “الكتب الدفاعية” التي أشبه بالمنشورات الأيديولوجية وكتب المناقب التي تفترض أن الدنيا ستنهار لو اعترف صاحبها بخلل أفكاره الأيديولوجية أو نسبية القيم عند الإنسان؛ وفي هذه الحالة يبقى كل ما على المدافع أن يفعله؛ هو أن يصر على تأكيد سلامة ما يحمله من أفكار؛ وإثبات وتجسيد الخلل في ضمائر المعترضين له.
يقول تبارك وتعالى:(رَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ.)
______
* مفكر وراصد اجتماعي ومحلل سياسي واقتصادي مغربي

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...