المسلمون في الغرب ومفهوم «المواطنة المتساوية»

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

 

*د. سعيد الشهابي

 

 

من بين أكثر العناوين السياسية ذات البعد الإيجابي التي طرحت في العقود الأخيرة في الغرب مقولة «التعدد الثقافي» وأن المجتمعات الغربية مستعدة لذلك التعدد، تشجعه وتوفر أسبابه، وتعتبره من إنجازات الفكر السياسي الغربي.

ويتضمن ذلك التعدد القدرة على التعايش السلمي بين الأديان والأعراق والإيديولوجيات. ومن المؤكد أن لهذه المقولة تجليات كثيرة، ومصاديق لا يمكن إنكارها. فعلى صعيد الممارسات يتمتع المسلمون في الغرب بمستوى لائق من الحرية للقيام بها، بالإضافة لحصولهم على حقوق المواطنة المتساوية في أغلب الأحيان، والشعور بالأمن النسبي من قبل اللاجئين السياسيين. ولكن هل حقا أن الغرب مستعد للاستمرار في ذلك الطريق؟

هل سيضحي الغربيون بشيء من مصالحهم إذا ما تعرضوا للابتزاز من قبل الأنظمة القمعية في المنطقة؟ ماذا يعني القرار الأمريكي الأخير بحجب 130 مليون دولار من المساعدات العسكرية الأجنبية كانت مزمعة لمصر؟

هل أنه قرار مرتبط بانتهاكات حقوق الإنسان في مصر (حسب ادعاء واشنطن) أم من أجل الضغط على ذلك البلد لاقتحام بوابة التطبيع ليس من البوابة التي صنعها السادات بل من خلال إلغاء كافة الحدود والمعوقات امام ذلك؟

تساؤلات كثيرة وإجابات قليلة حول هذا العنوان الذي ما يزال بريقه ساطعا. إن هناك اعتبارات عديدة للتعاطي مع المقولات المهمة التي ارتبطت بالغرب في العقود الأخيرة من بينها: الحرية والديمقراطية وحكم القانون والمواطنة المتساوية والتعدد الثقافي. غير أن هذه جميعا تتعرض لضغوط بعضها ينبع من الداخل والبعض الآخر خارجي. ومن المؤكد أن الوضع الاقتصادي الحالي أصبح يضغط على المواطن الغربي، وهذا الوضع نجم عن أسباب عديدة آخرها الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار النفط والغاز المستوردين من روسيا وبقية الدول المصدرة لهاتين السلعتين الحيوتين. وفي الشهور الأخيرة تكاد هموم الغرب تنحصر بالجانب الاقتصادي وغلاء الأسعار. وقد وجدت حكومات عديدة نفسها مضطرة لتوفير موازنات كبيرة لدعم المواطنين ماليا لمواجهة فواتير الطاقة. فألمانيا وفرت 65 مليار يورو لدعم فواتير المواطنين، ووفر أغلب الدول الأوروبية دعما بعشرات المليارات لمساعدة المواطنين في هذه الأوقات الصعبة. ويتوقع أن يكلف ذلك الدعم الخزينة البريطانية أكثر من 100 مليار جنيه استرليني. وهنا مربط الفرس، فإلى أي مدى سيتحمل الغربيون هذه الضغوط؟
كانت زيارة الرئيس بايدن للملكة العربية العربية السعودية و «إسرائيل» في شهر يوليو الماضي مؤشرا لتحولات متوقعة في السياسات الغربية تجاه المنطقة، لها دعامات ثلاث: أولاها ضمان تدفق النفط مجددا بمعدلات تعوض أي نقص في الإمدادات من روسيا. وثانيها: ضمان حدوث تطبيع بين الدول العربية و «إسرائيل» وثالثها تقليص الاهتمام الغربي بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة وذلك من أجل حماية الأنظمة السياسية التي يعتبرها الغربيون «صديقة».

ومن شأن هذه الاعتبارات أن تؤثر على الداخل الأوروبي وبالتحديد الجاليات المسلمة التي أصبحت مستهدفة بتشريعات تتجدد باستمرار لمحاصرة وجودها ونشاطها وفاعليتها. هذه السياسات الجديدة ـ القديمة ستترسخ في المستقبل المنظور، الأمر الذي قد يؤدي لتراخي الغربيين إزاء القيم والمبادئ المذكورة أعلاه. فبعد الفراغ من استهداف التوجهات الإسلامية الحركية وتجلياتها من خلال التنظيمات المرتبطة بما يسمى «الإسلام السياسي» أصبح استهداف الإسلام كدين يتمدد في العالم هدفا آخر لهذه السياسات.

هذه المرة لن تنحصر تلك الأهداف بالغربيين، بل أن حكومات بعض الدول العربية والإسلامية تساهم في ذلك علنا او سرّا. صحيح أن ملك بريطانيا الجديد طرح آراء إيجابية إزاء الإسلام في خطابات عدديدة، وصحيح كذلك أن هناك تمثيلا محدودا للمسلمين في المؤسسات الرسمية الغربية، ولكن المنحى العام للسياسات الغربية يتجه عكس ذلك. فخلال ربع القرن الاخير تراجع الغربيون عن حماسهم للعديد من تلك المقولات، خصوصا حقوق الإنسان والترويج للديمقراطية، وسيكون ذلك التوجه أوضح في المستقبل المنظور. ومن المؤشرات لذلك المنحى ما يلي:

أولا: توسيع أطر التشريعات التي وضعت منذ مطلع القرن الحالي لمواجهة ظاهرة الإرهاب. هذه التشريعات كانت ضرورية في البداية، خصوصا أن السياسيين والمثقفين والإعلاميين كان لديهم شبه اتفاق على تعريف الظاهرة. ولكن التراخي في الاتفاق على تعريفات وتوافقات حول المفهوم فتح المجال لاستغلال تلك التشريعات لمواجهة الظاهرة الدينية بعمومها، خصوصا مع تراجع ظاهرة الإرهاب المرتبطة بالقتل العبثي وإراقة الدماء والتدمير. فما أكثر الذين يتم توقيفهم في المطارات الأوروبية وإخضاعهم للتفتيش الدقيق، والكثير من هؤلاء علماء دين ووعاظ وكتّاب ونشطاء عاديون. وقد أبعد السجال حول الإرهاب عن الفضاء العام وتركت تفسيراته للمؤسسات المختصة بالأمن. وتنشط هذه الاجهزة والمؤسسات بهدوء مطبق، مستفيدة من الرعب الذي يتشكل لدى الاشخاص المستهدفين على الحدود، بعد أن تصادر ممتلكاتهم الشخصية كالهواتف الذكية والكومبيوترات المحمولة والدفاتر الشخصية.

ثانيا: يسود المسلمين شعور بالإحباط بعد الكشف عن دور لبعض الحكومات في التحاق بعض الشباب والشابات من المسلمين بمجموعات العنف في سوريا والعراق، ومن هؤلاء الشابة البريطانية من أصل بنغالي، شميما بيغام. هذه الشابة ذهبت في العام 2015 مع فتاتين أخريين وهن في سن المراهقة إلى سوريا للالتحاق بـ «المجاهدين». وهناك تزوجت وأنجبت طفلين توفيا بعد ولادتهما، وقتل زوجها في المعارك أيضا. ولكن السلطات البريطانية سحبت جنسيتها ومنعتها من العودة.
واتضح لاحقا أن نقلها لسوريا تم بدعم من أجهزة مخابرات غربية. ولم يكشف النقاب بعد عن الجهات التي دعمت التحاق مئات الشباب والشابات بمجموعات العنف في سوريا والعراق، ولكن حالة من الإحباط تسود أوساط المسلمين بعد الكشف عن بعض فصول قصة شميما بيغام، فقد نجم عن ذلك تكريس تصورات سلبية لدى الرأي العام الغربي حول أبناء المسلمين ومدى استعدادهم للانخراط في مشاريع العنف.

ثالثها: منذ صدور قانون «بريفنت» البريطاني كان هناك امتعاض لدى المؤسسات الإسلامية شبه الرسمية من خطر التوسع في ممارسته واهدافه. وربما تحمس له البعض في بداية الأمر عندما قيل أنه يهدف لمحاصرة التطرف ومنع نمو الظاهرة في المجتمع البريطاني (وغيره من المجتمعات الاوروبية). فقد كان التطرف يستهدف الجميع، ولم تسلم المؤسسات الإسلامية من تأثيراته. بل أن بعض مساجد المسلمين استهدف بالاعتدء والحرق من مجموعات «إسلامية» متطرفة.

ويتفق المسؤولون البريطانيون على أن أساليب مكافحة التطرف التي انتهجتها الحكومة لم تحقق النتائج المطلوبة وأن الحاجة لاعادة النظر في مفهوم «التطرف» أصبحت أكثر إلحاحا. ووفقا لمراجعة مهمة أجريت مؤخرا لبرنامج «بريفنت» الذي طرحته الحكومة البريطانية قبل سنوات، فان البرنامج استهدف بعض المجموعات أكثر من استهدافه «المتطرفين الإسلاميين». وتطالب المراجعة بتوسيع تعريف التطرف الإسلامي ليشمل النشطاء بشكل عام، وليس المرتبطين بأجندة العنف فحسب. وثمة مؤشرات للبدء بتطبيق ذلك على أئمة المساجد والنشطاء. ومن بين الإجراءات التي بدأت السلطات باتخاذها سحب جوازات السفر البريطانية من النشطاء الإسلاميين حتى غير المرتبطين بالعنف. وتجدر الإشارة إلى أن الشباب المسلمين من أكثر الفئات تضررا بهذه القوانين التي تنطوي على مساحة واسعة من العنصرية غير المعلنة.

رابعها: إخضاع القوانين التي تهدف لتحقيق المواطنة المتساوية للمزيد من الفحص وإعادة الصياغة على مستوى التشريع، والسماح للجهات الأمنية بالانتقائية في التنفيذ. من هنا أصبح المواطن المسلم يشعر بأنه مستهدف، وأن هناك انتقائية واضحة برغم التصريحات الرسمية وتبادل التهاني بالأعياد وبعض التعيينات السياسية والمدنية. ويختلف الزعماء الغربيون في مواقفهم من الإسلام. فبعضهم يتطرف في مواقفه ولا يخفي رغبته في المزيد من القوانين المتشددة تجاه أتباعه. بينما ينسب للملك البريطاني، تشارلز الثالث، تصريحات ومواقف إيجابية من الإسلام، وتأكيد تأثير الحضارة الإسلامية على الغرب.

*كاتب بحريني

إيطاليا تلغراف

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...