التصعيد الأخير في الحرب الروسية الأوكرانية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

*عبد الحليم قنديل

 

 

بدا الموقف لأول وهلة مثيرا للتعجب، بولندا تتهم روسيا، وأمريكا تبرئ موسكو، وتتبنى وجهة نظرها في حادث سقوط صاروخين على أراضي بولندا العضو في حلف شمال الأطلنطي «الناتو»، أثارت معه بولندا ضجة هائلة، واتهمت روسيا بإطلاق الصاروخين عمدا، وطلبت من حلف «الناتو» التنسيق والتشاور في الرد العسكري، ونفت موسكو القصة من جهتها، واعتبرت الاتهام البولندي «استفزازا متعمدا»، واكتفت وزارة الدفاع الروسية بعبارات نفي قصيرة حاسمة، بينما ذهبت مصادر «الكرملين» إلى ما هو أبعد، وقالت إن الصاروخين أوكرانيان من طراز «أس ـ 300» السوفييتي الذي تستخدمه أوكرانيا.
وكانت المفارقة اللافتة، أن الدوائر الأمريكية المعنية أيدت الأقوال الروسية، وقال الرئيس الأمريكي جو بايدن في تعقيبه الأول، إن الصاروخين لم تطلقهما روسيا «على الأرجح»، ثم جاءت إيضاحات لاحقة من مصادر أمريكية، كشفت أن مصدر إطلاق الصاروخين أوكراني، وأنهما أطلقا من قاعدة أوكرانية في مدينة «لفيف» غربي أوكرانيا الملاصق لبولندا، وأنهما فعلا من طراز «أس ـ 300»، كما قال الروس بالضبط، فما كان من بولندا إلا أن ابتلعت لسانها، وخرست أصوات اتهام روسيا.

وفي ظروف سبقت، لم تكن من عادة الإدارات الأمريكية تحري الحقيقة والإنصاف، بل سعت دوما لترويج تلال الأكاذيب، وكلنا يذكر ما جرى في التمهيد لغزو العراق، ونشر واشنطن لادعاءات مفضوحة عن أسلحة دمار شامل في العراق، ثم اعترفت بعد الغزو بأنها لم تجد شيئا مما زعمت، وكانت القصة كلها ذريعة مفبركة، لكن اللعب مع روسيا غير التلاعب في العراق، ونشر مزاعم عن هجوم صاروخي روسي على بولندا، لن تكون عواقبه أقل من توريط واشنطن في حرب معلنة رسميا مع موسكو، قد تتطور إلى صدام نووي مهلك، فالمادة (5) من ميثاق «الناتو»، تلزم أمريكا بالدفاع الحربي عن كل شبر من أراضي الدول المنضمة للحلف، وقالت واشنطن إنها ستذهب إلى الحرب ردا على أي طلقة رصاص روسية ضد دول «الناتو»، وهو ما أرادت واشنطن تجنبه بالنفي السريع المتطابق مع النفي الروسي، وفي التوقيت نفسه تقريبا، الذي انتهت فيه أعمال اجتماع قمة العشرين في جزيرة «بالي» الإندونيسية، وصدر بيانها الختامي خلوا من الإدانة الصريحة لروسيا بالاسم في حرب أوكرانيا، واكتفى البيان بإشارة إلى إدانة بعض الدول لحرب أوكرانيا، ثم أشار إلى وجود وجهات نظر مختلفة في الموضوع الأوكراني، وبدت في الأمر محاولة أمريكية لتجنب صدام أوسع مع روسيا، وبالذات مع ثقل حضور الصين، التي رفضت بحزم أي إدانة لحليفها الروسي الحاضر في القمة ذاتها، ووصفه وزير الخارجية الصيني بأنه «قوة عظمى»، ولم تجد أمريكا مخرجا سوى أن تستجيب على نحو ملموس للضغط الصيني ولحلفائه في قمة العشرين الأكبر اقتصادا، خصوصا بعد قمة جمعت بايدن مع الرئيس الصيني شى جين بينغ، حرصت فيها بكين على تأكيد حقها القومي في ضم «تايوان» سلما أو حربا، وفيما بدا موقف الصين أكثر قوة وتوازنا، لم تجد الأطراف الغربية المشاركة من فرصة مفتوحة، تتجاوز «الإعراب عن الأسى» بسبب الهجوم الصاروخي الروسي الأوسع على أغلب المدن الأوكرانية، وتدمير قواعد ومحطات طاقة، أدت لسيادة الظلام في نصف أوكرانيا، بينما بدا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في وضع المحاصر، وهو يخاطب قمة العشرين عبر فيديو مسجل مسبقا، يرفض فيه ما سماه «مينسك ـ 3»، في إشارة مفهومة لاتصالات روسية أمريكية متلاحقة في الأسابيع الأخيرة، جرى أحدثها في أنقرة التركية عشية اجتماع قمة العشرين بلقاء مديري المخابرات الأمريكي والروسي، وبمبادرة من واشنطن، التي تقول إنها تريد إبقاء قنوات الاتصال مع موسكو مفتوحة، وبهدف خفض التوتر النووي، وإجراء مفاوضات استطلاع لتجديد اتفاقات «ستارت» والعودة لتفتيش نووي متبادل بين الطرفين، سبق أن أوقفته موسكو، التي تريد تضمين الموضوع الأوكراني في الاتصالات الروسية الأمريكية الجارية، وقد شملت عمليا أغلب المسؤولين المعنيين في البلدين، من مجالس الأمن القومي إلى وزراء الدفاع والخارجية، وجرت وتجري في الكواليس الهاتفية، أو في عواصم شرق أوسطية وعربية مستعدة للاستضافة بحماس، ولها مصالحها الذاتية في وقف حرب أوكرانيا، وهو ما تبدو واشنطن أقرب للتجاوب معه، ومن دون التمسك بالضرورة بمطالب الرئيس الأوكراني، ولا اشتراط الانسحاب الروسي المسبق من كل الأراضي الأوكرانية، وهو ما ترفضه موسكو طبعا، وتصر على تنفيذ قرارها بضم الأقاليم الأربعة (دونيتسك ولوغانتسك وزاباروجيا وخيرسون) إلى أراضيها، إضافة لإقليم شبه جزيرة «القرم» وميناء «سيفاستوبول» المنضمين لروسيا منذ عام 2014، وهو ما يطلق عليه في الكواليس الاسم الكودي «مينسك ـ 3»، في إشارة إلى سوابق اتفاقيتي «مينسك ـ 1» و»مينسك ـ 2»، التي نصت على منح حكم ذاتي موسع لإقليمي الدونباس «دونيتسك» و»لوغانتسك»، وهو ما أخلت به أوكرانيا، وأعادت ضم أراضي واسعة من إقليمي الغالبية الروسية، وكان ذلك سببا معلنا في شن روسيا لعمليتها العسكرية الخاصة قبل نحو تسعة شهور، وانغماس الغرب كله في حرب ذات طابع عالمي على الأراضي الأوكرانية، ومن وراء قناع جيش أوكراني، تبدل جلده وسلاحه مرات، بأكثف حملة تدفق سلاح متطور إلى الميدان الأوكراني، قادتها واشنطن بتكلفة عشرات المليارات من الدولارات، ومن دون نجاح نهائي في «إضعاف روسيا» وإلحاق الهزيمة بها، رغم آلاف مؤلفة من عقوبات اقتصادية ومالية غربية ضد موسكو، ردت عليها الأخيرة، بخفض إمدادات الغاز الروسي إلى أوروبا، الذي لم تفلح أمريكا في تعويضه، وفرضت أسعارا فلكية مضاعفة بأربع مرات على الأقل، تؤدي إلى خنق اقتصادات أوروبا الكبرى، التي يشعر قادتها اليوم بأنهم الضحية الأولى لما جرى ويجري، ولم يعودوا متحمسين لدفع تكاليف استمرار الصراع في أوكرانيا، ويتطلعون لوقف الحرب اليوم قبل الغد.

وبالجملة، تبدو إدارة بايدن محشورة في الزاوية الحرجة، وهي تلمس تململ الحلفاء والأتباع في أوروبا وغيرها، وتبحث هي الأخرى عن طريقة لوقف الحرب وحفظ ماء الوجه، ودفع زيلينسكي إلى التفاوض مع موسكو، ومن دون أي اشتراط مسبق، بينما يصرخ الرئيس الأوكراني، ويطلب مزيدا من السلاح الأمريكي والغربي، ويسعى إلى توريط الجيش الأمريكي مباشرة في الحرب ضد روسيا، وهو ما يقابل على ما يبدو بغضب أمريكي مكتوم، خاصة مع كشف واشنطن للهوية الأوكرانية للصاروخين الساقطين على الأراضي البولندية، وهو على الأرجح عمل متعمد وليس خطأ عفويا، وهدفه الزج بأمريكا رسميا في الحرب مع روسيا، وهو حدث قد يكون له ما بعده، فقد تواترت قبله تصريحات علنية لمسؤولين أمريكيين كبار، دعا بعضها أوكرانيا للكف عن المطالبة باسترداد شبه جزيرة «القرم»، فيما طرح آخرون، من وزن الجنرال مارك ميلي رئيس أركان الجيوش الأمريكية سيناريوهات أثارت سخط زيلينسكي وصحبه، من نوع احتمال تجمد الموقف العسكري مع دخول فصل الشتاء، ودعوة أوكرانيا لاغتنام الفرصة، ولتفاوض مع روسيا تخشاه كييف، وبالذات بعد إعلان الرئيس الأمريكي بايدن رفضه لإرسال مقاتلات أمريكية إلى أوكرانيا، وبدعوى تجنب حرب مباشرة شاملة مع روسيا، وبقدر ما يثيره التراجع الأمريكي النسبي من أحوال ذعر في كييف، فإنه قد يبعث على ارتياح ضمني في موسكو، التي تبدو خططها للأيام المقبلة ظاهرة، فهي تعيد تنظيم قواتها في أوكرانيا، واستجلاب المدد من قوات «التعبئة الجزئية»، وتبني خطوط دفاع أقوى، وتستعد لحملة تصعيد أخيرة كاسحة في الشتاء، تريد بها اعتصار ما تبقى من حيوية أوكرانيا، والتركيز على قصف محطات الطاقة، ودفع الأوكران إلى التجمد والموت بردا، وتشتيت انتباه القوات الأوكرانية، وقطع خطوط إمدادها، وقضم الأراضي المتبقية خارج سيطرتها في إقليمي «الدونباس»، مع الدفاع المستميت عن مواقع سيطرتها في مقاطعتي «زاباروجيا» و»خيرسون»، التي أجرت القوات الروسية انسحابا منظما من قطاعها الغربي (غرب نهر دنيبرو)، وهو يشكل نحو ثلث إجمالي مساحة مقاطعة «خيرسون»، فيما لا تبدي القوات الروسية أولوية وحرصا على ضم ما تبقى من مقاطعة «زاباروجيا»، ربما عملا بمقتضى قرار الضم الصادر عن «الدوما» و»مجلس الاتحاد» الروسيين، الذي لا يشترط الوصول إلى الحدود الإدارية الكاملة للمقاطعتين، فالانسحاب الروسي في «خيرسون»، لم يأت لمجرد اعتبارات عسكرية، بل له على الأغلب معنى سياسي، قد يكون متفقا عليه ضمنا مع الجانب الأمريكي، وبهدف رسم حدود الضم عند شرق نهر «دنيبرو»، وجعل المانع المائي الطبيعي فاصلا سياسيا مستديما.

*كاتب مصري

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...