منير العكش يرصد العنف في الأديان السماوية

إيطاليا تلغراف

 

 

 

ذ.سلمان زين الدين
كاتب من لبنان

 

 

العنف في الأديان السماوية هو الظاهرة التي يعكف الباحث السوري/ الفلسطيني منير العكش على دراستها، في ثلاثيّته المعنونة بـ«كيف يصبح الدين شرّا» وهو عنوان إشكاليٌّ بامتياز، يحدو إلى التساؤل: هل يمكن لحقلٍ معرفيٍّ أن يكون موضوعا لأحكامٍ أخلاقية، أم أن الممارسة هي التي تجعل من هذا الحقل أو ذاك خيرا أو شرّا؟ وبالتالي، إنّ التطبيق البشري للدين هو ما ينحرف به عن مقاصده الأصلية، فالدين، كما سواه من الحقول المعرفية، ليس خيرا ولا شرّا بحدّ ذاته، بل هو الإنسان من يجعله كذلك. وبمعزل عن هذا الاستطراد الإشكالي، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ كتابين اثنين من هذه الثلاثية صدرا عن «المؤسّسة العربية للدراسات والنشر» في بيروت، حتى تاريخه؛ الأوّل بعنوان «اليهود والعنف» والثاني بعنوان «المسيحيّون والعنف» أمّا الثالث المعنون بـ«المسلمون والعنف» فهو قيد الطبع. على أنّه، قبل الخوض في محتوى الكتابين، لا بدّ من الإشارة إلى أن العكش باحث وصحافي ومترجم وأكاديمي سوري من أصل فلسطيني، عمل قبل تقاعده في بعض الجامعات الأمريكية، وأصدر 23 كتابا في حقول معرفية مختلفة؛ أوّلها «عن الشعر والجنس والثورة» الصادر في بيروت عام 1971. وآخرها «دولة فلسطينية للهنود الحمر» الصادر في بيروت عام 2015. وبينهما كتب في الدين والسياسة والتاريخ والنقد والترجمة.

جذور مشتركة

في تمهيده للثلاثية المذكورة أعلاه، يشير العكش إلى أنّها «محاولة لتأسيس نظرة واحدة موحّدة عن العنف وأسبابه وأخطاره في تاريخ الأديان الثلاثة، التي تُنسَب إلى السماء. وهي رحلة تنقيب عن الجذور المشتركة لعنفها الديني في مختلف ألوان تربته وأنواعها وطبقاتها». وهذه الإشارة تدفعنا إلى التساؤل: إذا كان من نافل القول وجود جذور مشتركة للعنف الديني بين الأديان السماوية الثلاثة، بفعل اشتراكها في الحاجة إلى التبشير وتحصين الذات ومحاولة تغيير الواقع وطرح الأفكار الجديدة مع ما يترتّب على ذلك من مخاطر وتحديات قد تدفع بها إلى الانخراط في العنف، فهل يمكن الحديث عن نظرة واحدة موحّدة إلى موضوع إشكالي تختلف أسبابه وتتعدّد تمظهراته؟ ومع ذلك، ثمّة جهود كبيرة يبذلها الباحث في محاولته، يقتفي فيها آثار العنف في النص والتاريخ الدينيّين، ويعود فيها إلى عشرات المصادر والمراجع الأجنبية، ويخلص منها إلى نتائج معيّنة، تختلف من دين إلى آخر. وهو ما يشكّل موضوع هذه القراءة.
يرصد العكش في «اليهود والعنف» تمظهرات العنف في «العهد القديم» ويتقصّى وقائعه في التاريخ العبراني؛ والمفارق أنّ كثيرا من هذه الوقائع يُشكّل ترجمة لروح النص الديني، ويعتقد القائمون بها، أنّهم يفعلون ذلك بموجب تكليف إلهي ينسبون فيه أخطاءهم وخطاياهم إلى إلههم الحصري، ويعلّقونها على مشجبه المثقل بجرائم أتباعه، وهم الذين اخترعوه على صورتهم ومثالهم. وبالتالي، هم في حِلٍّ ممّا يرتكبون، وفي تحلّلٍ من أيّ شعور بالذنب عمّا تقترفه أيديهم.

العنف في النص

في النص، يصدّر العكش كتابه بمقتبَس من «سفر التثنية» يحضّ على العنف بشكل مباشر، جاء فيه: «فضربا تضرب سكّان تلك المدينة بحدّ السيف/ وتحرّمها بكلّ ما فيها مع بهائمها بحدّ السيف/ تجمع كلّ أمتعتها إلى وسط ساحتها/ وبالنار تحرق المدينة وكلّ أمتعتها كاملة للربّ إلهك/ فتكون خرابا إلى الأبد لا تُبنى بعد». وهذا المقتبَس يعبّر بوضوح عن مضمون النصوص النبوية في «العهد القديم» التي هي «ليست أكثر من حاضنة مقدّسة للعنف المميت» على حدّ تعبير الدارس، الذي يشمل بالدرس سائر الأسفار في هذا العهد، ويخلص إلى أنّ الأسفار الخمسة الأولى منه مشحونة بهاجس الإبادة الجماعية بالمعنى «التحريمي» وأنّ الأسفار التسعة والثلاثين مسكونة بهاجس الحرب والنهب والقتل وتمجيد الدمار، باستثناء سِفْرَي «راعوث» و«نشيد الإنشاد».

العنف في التاريخ

في التاريخ، يرصد العكش الذهنية اليهودية بمقوّماتها وممارساتها؛ فيشير، في غير موضع من كتابه، إلى أنّها تقوم على: سوقية الإله وحصريّته، الاختيار العنصري، الأرض الموعودة، التحريم، عبادة الذات، والتضحية بالآخر. وغنيٌّ عن التعبير ما تنطوي عليه هذه المقوّمات من اصطفاء وعنصرية وإقصاء واعتداء واستباحة.
ويشير إلى الممارسات الناجمة عن هذه الذهنية العدوانية من: غزو وسلب ونهب وقتل وعنصرية، وكره العمل، والإغارة على الحضارات الأخرى واستعباد المرأة وارتكاب المجازر الجماعية وغيرها من الموبقات والخطايا، وهو ما اضطلع به العبرانيّون عبر التاريخ، بمحاولاتهم المستميتة القضاء على الكنعانيين ووضع اليد على أرضهم، وهو ما تضطلع به الصهيونية المعاصرة، ولعل ما يشهده قطاع غزة في هذه اللحظة التاريخية هو خير شاهد على ما نقول.

ومن الجدير بالذكر أن هذه الذهنية، بمقوّماتها وممارساتها، هي نتاج الزواج غير المقدّس بين نصٍّ دينيٍّ يحضّ على الكرهية والعنف، وبيئة صحراوية قاسية. وبذلك، نكون إزاء ديانة صحراوية بدوية تبيح ارتكاب الأخطاء والخطايا وتنسبها إلى ربّها، و«مجتمع بصيغة إله يعبد ذاته، ويسمو بنفسه فوق قوانين وقيم وأخلاق وفضائل ذلك الآخر الذي يسمّى بشرا».
على أنّ هذه النتائج التي يخلص إليها الدارس تستند إلى قراءة النصوص المرجعية لهذا الدين، من جهة، وإلى الاطلاع على المصادر الأجنبية المختلفة، من جهة ثانية.
وبالتالي، هو لا يصدر عن الهوى، ويقوم بفكّ الاشتباك مع المعتقدات المسبقة، ويقيم مسافة بينه وبين الموضوع المدروس، ومع هذا، لم ينأَى عن الوقوع في التعميم والأحكام المطلقة، لأنّ كثيرين من اليهود لا يتبنون تلك الذهنية العدائية، بل هم يتنكّرون لها ويتبرّؤون منها. ولعل التعميم والإطلاق يصحّان في حالة الكلام على ذهنية صهيونية عدائية، ما تؤيّده الوقائع التاريخية، وإذا كان مصطلح «الصهيونية» حديث الاستعمال، فإنه يصحّ إطلاقه على ممارسات العبرانيين بحق جيرانهم، بمفعول رجعي، فهم صهاينة منذ فجر التاريخ.
«المسيحيّون والعنف» هو الكتاب الثاني في ثلاثيّة منير العكش الدينية، «يستعرض جناية ممالك أوروبا البربرية على المسيحية، ويروي كيف قرصنتها وحوّلتها من ضحيّة إلى جلّاد، وكيف تجاهلت أخلاق السيد المسيح ودينه، وتبنّت أخلاق الإله المحارب ودين عدوّ المسيح». وفيه يفعل ما فعله في الكتاب الأوّل، فيقوم باقتفاء آثار العنف في النصّ والتاريخ، ويخلص بدوره إلى نتائج معيّنة، تتقاطع مع الأولى وتفارقها في آن. وهو ما نورده أدناه.

في النص، يتناول الدارس «العهد الجديد» بالدرس، ويرى أنّه، خلافا للعهد القديم، يخلو من أيّ إشارة تحضّ على العنف، إذ «ليس في حياة السيّد المسيح، أو في تعاليمه إشارة واحدة إلى الحرب أو القتال، أو الجهاد، أو الانتقام، أو النهب أو السطو على بلاد الآخرين» على حد تعبيره، بل على العكس يدعو إلى الرحمة والتراحم والسلام، ويتماهى مع القيم الأخلاقية والمثل العليا. غير أن ثمة سؤالا يطرح نفسه، في هذا السياق، حين يشير الدارس إلى تبنّي اللاهوت المسيحي العهد القديم وقراءته بمنظور الرمز والمجاز والاستعارة، وهو ألا يعتبر ذلك حضّا على العنف بطريقة غير مباشرة؟

في التاريخ، يميّز العكش بين مرحلتين اثنتين في تاريخ المسيحية؛ مرحلة الضحية ومرحلة الجلاّد. تشغل الأولى القرون الثلاثة الأولى من ظهور الدين الجديد، لم يرق فيها أتباعه قطرة دم واحدة، كانت خلالها «قلوبهم وصلبانهم هي كلّ ما كان في راحات أيديهم» وتعرّضوا لشتّى أنواع الاضطهاد والتعذيب والقتل بمشاهد استعراضية في كثير من الأحيان، و«كان القانون الروماني يسمح بحرق المسيحيين أحياء، أو بإطعامهم الوحوش المفترسة». وتبدأ المرحلة الثانية باعتناق روما المسيحية، وتمر بانتشارها في ممالك أوروبا. وفي هذه المرحلة، تتم القطيعة مع المسيحية الفلسطينية المشرقية، برحابتها الإنسانية، ويتم الانقلاب عليها من قبل المعتنقين الجدد، وتكون آيتهم المفضّلة، المستلّة من سفر أرميا: «ملعون من لا يغمد سيفه في الدم» بعد أن كانت آية المسيحيين الأوائل المفضّلة، المستلّة من إنجيل متّى: «طوبى للرحماء فإنّهم يُرحمون… طوبى للساعين إلى السلام فإنّهم أبناء الله يُدعون». وعليه، يعود العنف في التاريخ المسيحي إلى هذه المرحلة الثانية، ويتمظهر في مجموعة من الممارسات العنيفة، يرصدها المؤلّف في كتابه، وتتوزّع على الفصول المختلفة. وهي ممارسات تبدأ بالإكراه على اعتناق الدين، فقد تباهى القدّيس بونيفانس (672 ـ 754) بتعميد مئة ألف ألماني في سنة واحدة، وتباهى القدّيس أوغسطين

(ت. 604) بتعميد عشرة آلاف إنكليزي في يوم واحد. وتمر بممارسة العنف التبشيري في أوروبا والمكسيك والبيرو، وبتزوير اللوحات والكتب، بحيث يتم رسم السيد المسيح الفلسطيني المولد بملامح أوروبية، ويتم تصوير البيئة الصحراوية لآباء التوراة «على شكل صروح شاهقة وقصور هائلة وساحات مرمرية مزينة بالنوافير» وبتنظيم الحملات الصليبية التي تنخرط فيها الكنيسة. وتبلغ هذه الممارسات الذروة في حروب الإبادة الجماعية لأكثر من 500 شعب من سكّان أمريكا الأصليين. وهكذا، تنقلب المسيحية في الغرب على تاريخها المشرقي، وتتحوّل من دور الضحية إلى دور الجلّاد، وتتولّى أمريكا تنفيذ هذا الدور بنفسها أو بأداتها الإسرائيلية في المشرق العربي، أو بأدوات أخرى في غير منطقة من العالم. فالنزعة الأمريكية المحاربة هي وريثة الذهنية اليهودية العدائية القديمة، بامتياز.

وبعد، يتبيّن لنا بنتيجة القراءة أن أتباع الدينين السماويين، الأول والثاني، يمتلكون تاريخا طويلا في ممارسة العنف، بتمظهراته المختلفة، لأسباب سياسية أكثر منها دينية، والأمر نفسه ينطبق على أتباع الدين السماوي الثالث، مع فارق أنّ هذا العنف له جذور عميقة في نصوص الدين الأول، بينما تخلو نصوص الدين الثاني من أي إشارة للعنف.
على أي حال، ثمة جهود كبيرة في تفكيك العنف في الكتابين، ولعل التفكيك هو الخطوة الأولى في مسيرة آلاف الأميال للتخلّص منه، وفيها يحيل المؤلّف على عشرات المراجع الأجنبية، بحيث تشغل هذه الإحالات قرابة النصف في كل كتاب، وهذا دليل قاطع على حجم الجهود المبذولة ومنهجية البحث المعتمدة، ما يجعل الكتابين حاجة للمكتبة العربية في موضوعهما، وضرورة للقارئ تبصّره بعواقب التطرّف الوخيمة وتدعوه إلى التبصّر في الأمور.

 

 

 


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...