ذ.محمد كندولة
كلما انتهت فريضة صيام رمضان ، الا وبدأ نقاش متعدد الانظار ، متنوع الاخبار ، غريب الاطوار ،في موضوع صيام ستة ايام من شهر شوال ، وكأن القضية معضلة ، والجواب عنها يحتاج الرجوع الى مكتبة الالفية ، و الحقيقة ان الامر لو وضع في سياقه لانحل الاشكال ، بدون قيل و قال .
الله سبحانه و تعالى خلق الانسان ، وجعل عبادته جوهر الحياة، “وماخلقت الانس و الجن الا ليعبدون ” فافترض عليه فرائض و واجبات ،و أرشده الى إحسانها وتجويدها بالنوافل و المستحبات ، لآنه سبحانه يريد من الانسان أن يرجع الى موطنه الأصلي الذي هو الجنة ، مقامه الأول ، وحياته المكرمة، ولهذا كان التطوع في الصلاة و الصيام و الحج و الصدقات من الأمور المساعدة للمسلم ليكون على حال حسن ، يضمن به بتوفيق من الله سبحانه وتعالى تحقيق مراد الله في خلقه ، ويصل به الى مبتغاه بالأنس بمعية ربه الحكيم الجليل .
ولهذا ذكر العلماء أن في إتيان النافلة فوائد كثيرة منها :
1. تجبير القصور ،و إصلاح الخلل الذي يصيب إتيان الفرائض و الواجبات ، لأن الاتقان محال لذى الإنسان وهو من تتجاذبه الأهواء ويعتريه الضعف و النقصان.
2. تكثير رصيد الحسنات لتفوق رصيد المعاصي و السيئات ، وكل ما يقترفه المرء من صغائر الأمور ، فالرصيد الضخم من الأخطاء يحتاج إلى رصيد أضخم منه من الحسنات ، وهذا لا يتأتى للإنسان إلا بالنوافل في سائر الاعمال .
3. إذا كانت الفرائض ينال بها المؤمن القرب من الله سبحانه وتعالى ، وهذا مقام رفيع ، فإن النوافل تمكنه من حيازة حب الله ،وهذه منزلة لا تعادلها منزلة ، قال صلى الله عليه و سلم في الحديث القدسي : ” وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه ، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه …”ولهذا رغب الإسلام في النوافل : في الصدقات و الصلاة و الصيام كصوم الإثنين و الخميس ، وصيام يوم عرفة ، وعاشوراء، و تاسوعاء ، وأيام البيض من كل شهر هجري ، مع التصدق والقيام ليلا …..ولهذا ينبغي التمييز بين الفريضة و النافلة ، بين الفرض والسنة ، بين الواجب و المستحب بعقلية العالم المقاصدي الأصولي ، معتمدا الإسناد في كل قول وفعل ، لأنه لو الإسناد لقال من شاء ما شاء ، ليصبح وبالا ومصيبة على الأمة، الشباب منها و الشيوخ ، وهذا ما نتعلمه من إمامنا الجليل مالك بن أنس في موضوع صيام ستة ايام من شهر شوال الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه و سلم : ” عن ابي أيوب الانصاري رضي الله عنه قال ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :” من صام رمضان ، واتبعه ستا من شوال ، كان كصيام الدهر ” صحيح مسلم ، فلقد كره إمامنا مالك صيامها سدا لذريعة خلط الفرض بالنافلة ، لأن الناس قد يصيرون السنة فرضا ، و العادة عبادة ، بتأثير الخطابات غير العالمة ، غير الفقيهة ، زد على ذلك ما قاله يحيى بن يحيى الليثي راوي موطأ الامام مالك النسخة التي بين ايدي المغاربة ، قال رحمه الله :” سمعت مالكا يقول في صيام ستة أيام من بعد الفطر من رمضان ، أنه لم ير أحدا من أهل العلم و الفقه يصومها ، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف ، وأن أهل العلم يكرهون ذلك ، ويخافون بدعته ، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة و الجفاء لو راوا في ذلك رخصة عند اهل العلم .” وهذا هو سبب كرهه إتيان هذه النافلة ، وهو منه موقف قديم ، لكن لما زالت الذريعة اختار المالكية من بعده الاستحباب على قاعدة : الحكم يدور مع علته وجودا وعدما ، علما ان مالك رحمة الله عليه كان يصومها في نفسه ولا يظهرها ، ولهذا اختار شخصيا ان يأتي المسلم هذه النافلة سرا ، وجميل ان لا ينفذ احد في علاقة المرء بربه يقول الفضيل بن عياض :” ترك العمل لأجل الناس رياء، والعمل لأجل الناس شرك ، و الاخلاص ان يعافيك الله منهما”
ويقول الجنيد رحمه الله : الاخلاص سر بين الله و بين العبد ، لا يعرفه ملك فيكتبه ، ولا شيطان فيفسده ، ولا هوى فيميله “
ايها السادة : لا تدخلوا بين الناس و ربهم .
ايها السادة : بشروا ولا تنفروا يسروا ولا تعسروا .
ايها السادة : احترموا عقول الناس وارأفوا بقلوبهم.
اعلموا أنه ” فوق كل ذي علم عليم “
السبت 13/ مارس/ 2024 موافق 04 شوال1445
إيطاليا تلغراف





