ذ.محمد كريم بوخصاص
أثار حجز السلطات الجزائرية لقميص فريق نهضة بركان في مطار هواري بومدين بالعاصمة الجزائر، دهشة وسخرية الكثيرين، لكن هؤلاء الذين تهكموا لا يعلمون الحقيقة التي دفعت نظام “تبون” إلى اتخاذ هذا الإجراء.
لقد اكتشفوا أن هذا القميص ليس مجرد قطعة قماش بل يحمل في طياته الكثير، حتى نهضة بركان لم تُدرك ذلك عندما اختارت اللعب به في المنافسات الإفريقية وزينته بخريطة المملكة الشريفة وجعلت وسطه علامة أحد رعاتها (شاي الدحميس). وهنا سأروي لكم القصة الكاملة لهذا القميص التي لم تنطل على نظام يقظٍ يقضي كل وقته في تتبع المغرب حتى أصبح عقدته الأبدية.
فعلا، إن ظاهره قميص يتكون من قماش، ولكن باطنه يختلف تماماً. فكم من قميص غيّر مجرى التاريخ ومجريات الشعوب! ولذا، لا ينبغي النظر إلى القادة الجزائريين بأنهم مجرد حفنة أغبياء وإن كانوا كذلك. ربما وجدوا في هذا القميص مبررا لحجزه ومصادرته، وإلا فمن الصعب فهم الأسباب التي دفعت نظام الجزائر إلى “اعتقال” قميص حتى لو كان يشعر بالمرارة من نجاحات المغرب والاستياء من سياسته الهادئة بعدم الانجرار لجوقة “الهُبَّالْ”، وتبنيه سياسة قائمة على الضَّرب والسّْكات لكل من يتجاوز الخطوط الحمراء.
وحتى لا يعتقد البعض أن القمصان تُصنع فقط للارتداء، فكم من قميص غيّر مجتمعات وأحدث ثورات، بل إن تحولات كبيرة في تاريخ الإنسانية حصلت بسبب “قميص”.
ألم يقص علينا القرآن قصة النبي يوسف وكيف كان “قميصه” دليلا على براءته من التهمة التي وجهتها له زوجة عزيز مصر بأنه أراد بها سوءا؟ عندما راودته في بيتها عن نفسه وغلّقت الأبواب وقالت هيت لك، فرأى بُرهان ربه وقال لها “معاذ الله”، واستبقا إلى الباب فقدت قميصه من دُبرٍ ليجدا سيدهما هناك. لقد كان القميص هو مخلصه من الورطة، حين شهد شاهد من أهله “إن كان قميصه قُدَّ من قُبُلٍ فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قُدَّ من دُبُرٍ فكذبت وهو من الصادقين”.
ألم يكن القميص الذي ألقي على وجه النبي يعقوب سبباً في استرداد بصره، حين سلّم ابنه النبي يوسف “قميص النبوة”، الذي ورثه عن جده إبراهيم، إلى إخوته بعد أن عرف أن أباه أصبح ضريرا، وقال لهم: “اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين”؟ وقبل ذلك، ألم يكن “قميصٌ” ملطخ بالدماء هو مخرج إخوة يوسف لتبرير كذبتهم بأن أكله الذئب حين جاؤوا به إلى أبيهم عشاء يبكون؟
بعيدا عن قمصان يوسف، ألم يحمل الأمويون “قميص” عثمان الملطخ بالدماء في حروبهم، واستعملوه كذريعة لمعارضة علي ابن أبي طالب؟ حتى أصبح يُقال “قميص عثمان” لكل من يستخدم مظلمة من أجل أهداف شخصية.
ينبغي علينا كمغاربة أن نبحث عما يوجد في قميص البراكنة وأثار رعب “القوة الضاربة” في المنطقة، وجعلها تحشد له تجريدة من رجال الأمن لمصادرته والتعامل معه كما لو أنه “طائرة مسيرة” أو “صاروخ باليستي” اقتحم الأجواء الجزائرية، فلا يمكن أن نكتفي بالسخرية أو التهكم على هذا الموضوع، كما فعل كُلُّ ذي عقل رشيد طيلة الأيام الماضية.
في كثير من الأحيان، يكون الهَبلُ حلاًّ لتفسير ما لا يفسَّرُ، والحقيقة التي يجب الاعتراف بها كمغاربة، وهي أن أمرا مدهشا كشفته سكانيرات مطار بومدين في القميص، استدعى حجزه بسرعة. إنه “هوية وجغرافيا” تم استثمار ملايير الدولارات لتغييرها في أرض الواقع على مدى أكثر من أربعة عقود، دون أدنى جدوى، فاختارت “القوة الضّاربة” أن تغيرها ولو مرة واحدة في قطعة قماش بعد أن فشلت في ذلك في حروب عسكرية سابقة وتحركات دبلوماسية مكثفة في كل الجبهات، إضافة إلى ثلاث سنوات ونصف من دفع جبهة البوليساريو إلى إعلان الانسحاب من اتفاق وقف إطلاق النار لسنة 1990، وإصدار 905 بلاغات عسكرية إلى حدود 2 نونبر الماضي (تاريخ آخر بلاغ) تتحدث فيه عن أقصاف وعمليات في الصحراء لا تسمع بها إلا الجزائر!!
كان من الضروري بالنسبة إلى “القوة الضاربة” أن تنهج سلوكا يشفي غليلها، فما عادت تقدر على تحمل تجاهل المغرب لها، ولم يبق لها سوى قميص نادي نهضة بركان لتعبر من خلاله عن غضبها، حتى إن كان سَيُبرهن أنها طرف رئيسي في النزاع المفتعل، وسيؤكد أن خريطة المغرب حتى وهي بدون الصحراء الشرقية تقض مضجعها. هذه هي القصة باختصار، لذا لنرحم “القوة الضاربة” التي تحاول أن تستنشق نشوة الانتصار الزائف من خلال حجز قميص.
وبالمناسبة، انسحب المنتخب الجزائري لكرة اليد، يوم الثلاثاء، في المباراة التي كان مقررا أن يلعبها ضد المنتخب المغربي، الذي طبع أيضا خريطة المملكة الشريفة على قميصه. هنيئا للمنتخبات الرياضية المغربية التي عرفت السبيل لتحقيق الانتصارات بدون الحاجة إلى اللعب مع المنتخبات الجزائرية، إذ يكفي وضع الخريطة العزيزة لتبدأ منتخبات “تبون” بالتبخر في الهواء.
الأيام24





