الدكتور محمد كريم بوخصاص
بينما كنت أفكر في موضوع هذه الإطلالة بعد أيام حافلة بالأحداث المؤلمة، على رأسها عملية “النزوح الكبير” لشبابنا في الشمال، والرقصة المبهرة لسياسيين على إيقاع “مهبول أنا”، وآهات المعوزين ومحدودي الدخل من حريق الأسعار الذي يكوي جيوب من ينعتون بالطبقة المتوسطة، والله وحده يعلم بحال الفقراء، خطرت على بالي عبارة “المعزولون عن الواقع”.
وبينما كنت أقلب الفكرة في ذهني وحيدا، قلت مع نفسي: لم لا أشرك طرفا آخر في التفكير؟ فسألت الذكاء الاصطناعي (AI) عما يفهمه من مصطلح “المعزولين عن الواقع”. فجاء جوابه صريحا، دون اللف والدوران الذي نجيده نحن البشر، ودون تلك المشاعر التي قد تُربكنا في تحليل الأمور.
أجابني بإيجاز لأنني طلبت منه أن يكون مختصرا ودقيقا، وألا يقع في الإطناب الذي يميز أغلبنا خاصة أولئك الذين يتظاهرون بالمعرفة، فيغرقون في بحر من الأوصاف قبل أن ينطقوا بجوهر الفكرة. جاء جوابه بوضوح كالآتي: “إنهم الأفراد أو الفئات التي تعيش في عزلة عن الظروف والتحديات التي يواجهها المجتمع من حولهم، غير مدركين للتغيرات الاجتماعية أو الاقتصادية أو السياسية التي تحدث، أو ربما يختارون تجاهلها”.
أقنعني الجواب، وحفزني لطرح سؤال آخر: من هم الفئات الأكثر احتمالا أن ينطبق عليهم هذا الوصف؟ فجاء الرد سريعا: “إنهم السياسيون الذين يعيشون في رفاهية ولا يدركون مشاكل الطبقات الأقل حظا”. أعجبني مفهوم “الطبقات” الذي يحيل على كتابات كارل ماركس، فسألته: ومن غيرهم؟ أجاب: “الطبقات الاقتصادية المرفهة التي لا تعاني من التحديات اليومية”.
في تلك اللحظة، أدركتُ أن الخوارزميات قد تعرف ما هو أخطر: إنه السياسي الذي ينتمي للطبقة الاقتصادية المرفهة. فسألته: أين المشكل في انتماء السياسي لهذه الطبقة؟ وهل ضروري أن يساهم ذلك في عزله عن المجتمع؟ فجاء جوابه مثيرا للاهتمام: “نعم، يمكن أن تكون فئة السياسيين المنتمين إلى الطبقات الاقتصادية المرفهة أخطر من المعزولين عن الواقع، خاصة إذا جمعوا بين العزلة عن واقع المجتمع والقدرة على اتخاذ القرارات التي تؤثر على الجميع”.
ازداد حماسي، فسألته أن يعطيني مثالاً عن مكمن الخطورة في هذه الفئة التي تجمع بين السلطة والمال. جاء الرد سريعاً: “قد يركز هؤلاء السياسيون على مصالحهم الشخصية، فالسياسيون المرفهون يميلون إلى تعزيز السياسات التي تصبُّ في مصلحة الطبقات التي ينتمون إليها، متجاهلين احتياجات الطبقات الأخرى، مما يزيد الفجوة الاجتماعية ويؤدي إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية”.
في هذه اللحظة، شعرت بشيء من الواقع الذي نعيشه، وقلت له: هل ينطبق هذا الأمر على المغرب وأملي أن ينطق باسم من ينطبق عليهم الوصف، لكنه ربما تحاشى ذكر الأسماء، فتوقفت عند هذا الحد، لأن الجواب عن هذا السؤال لا يحتاج أي مساعدة. يكفي الذكاء الاصطناعي أنه أوصلني لمرحلة جديدة من التفكير وفتح لي آفاقا واسعة.
قصة “المعزولين عن الواقع” تتجلى بشكل واقعي لدينا في وقوف رئيس الحكومة، بكل ثقة وحماس، أمام شباب حزبه يومين قبل “النزوح الجماعي” من الفنيدق، والذين كانوا قد أنهوا الرقص على إيقاع “مهبول أنا!”، ليُبشّرهم بأن حكومته حققت إنجازا غير مسبوق قارياً، حيث جعلت المغرب أول دولة اجتماعية في إفريقيا!!
بفضول، لجأت إلى الذكاء الاصطناعي مجددا، رغم أني قررت إنهاء الحوار معه، وسألته عن أول دولة اجتماعية في القارة، فجاء الجواب محبطا، إذ سمّى لي دولة أخرى. استنكرت عليه جهله لأن رئيس حكومتنا صادقٌ دائما ولا يطلق الكلام على عواهنه، فاعتذر بأدب لعدم معرفته.
قررت أن أسأل البشر، فهم لا يخطؤون. وجهت السؤال إلى “مي السعدية” الأرملة التي تشتغل عاملة نظافة بدون أوراق وتعيل ثلاثة أبناء، والتي صنفها المؤشر الاجتماعي الذي وضعته الحكومة خارج دائرة المعوزين، فكانت صدمتي كبيرة كونها لا تعرف عن هذا الإنجاز بينما كان يفترض أن تكون أول من يشعر به، وكذلك فعلتُ مع “با مصطفى” المياوم الذي لا يعرف سبب رسوبه هو الآخر في المؤشر، لكنه سخر من سؤالي.
بعد تفكير عميق، أدركتُ أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطور، تظل معلوماته محدودة بفترة معينة ولا يتم تحديثها باستمرار، وفهمتُ أن “مي السعدية” و”با مصطفى” معزولان عن الواقع، رغم أنهما ليسا سياسيين من الطبقة الاقتصادية المرفهة. وكم مرة التقيتُ أناسا متشائمين حتى النخاع، يرون الحياة بلون واحد.
لاحقا، نزلتُ إلى السوق لأشتري بصلا وبطاطس، فوجدت أن قلة قليلة فقط تجرؤ اليوم على سؤال “مول الدجاج الرومي” عن ثمنه. أما بائعو اللحوم الحمراء، فاقتنعت أنه من الضروري نقل محلاتهم من الدروب والأزقة إلى “المولات”. لقد أصبح مشهد بيع اللحم والكبد والطحال على الزليج الأحمر والأبيض مشهدا مخجلاً. يجب عرض هذه البضاعة في “فترينات” فخمة!!
لا أخفيكم أني بعد جولة السوق شعرت بالتيه، فقررت إعادة قراءة حواري مع الـAI، وآنذاك أدركتُ أين يقع المشكل: إن الأجوبة الآلية التي قدمتها خوازميات الذكاء الاصطناعي حول السياسي المنتمي للطبقة الاقتصادية المرفهة موجّهة، ولا يجب الوثوق بها. أصلا نحن المغاربة نؤمن بأن “السياسي الشبعان لن يطمع فينا”. وبخصوص ردود “مي السعدية” و”با مصطفى” فلا يُعتدُّ بها، فليس كل من يتحدث يقول الحقيقة. أما قصة السوق، فالاستنتاجات بشأنها مبالغٌ فيها. لن يضر الإنسان شيئا إن لم يأكل اللحم، وليس من الضروري أن يشتري الخضر دائما. وعن رئيس الحكومة، فهو صادق دائما، ولذلك فإن الدولة الاجتماعية أصبحت حقيقة واقعة.
في الختام، أتمنى بصدق أن نجد حَلاًّ لهؤلاء “المعزولين عن الواقع” من اليائسين والعاجزين عن شراء قفة خضر. يجب أن يؤمنوا بفكرة “الدولة الاجتماعية” سريعا. وكذلك، أتمنى أن يفهم الشباب الحالم بالهجرة والساخط على الوضع، تلك الفكرة التي يروج لها السياسي من الطبقة الاقتصادية المرفهة، حيث يُعقد زواج المال والسلطة. يجب أن يفهموا أن ارتفاع معدل البطالة إلى 13.7 في الفصل الأول من 2024، كرقم قياسي لم يُسجل منذ نهاية القرن السابق، هو في مصلحتهم، نعم في مصلحتهم، لأنه من صميم الدولة الاجتماعية الأولى من نوعها في إفريقيا.
جريدة الايام





