مقدمة حول مفهوم التنوع النمائي العصبي

 

 

 

بقلم عثمان أوبريك

 

 

‏“Every human brain on the planet is as unique as each fingerprint. It follows that there is a virtually infinite diversity of humans on the planet, with infinitely diverse minds complexified further by experience in equally diverse bodies.”
‎‏Judy Singer, Neurodiversity : it’s politics, not science !

‎”كل دماغ بشري في الأرض (الكوكب) هو واحد ككل بصمة أصبع، يسمح أن يكون تنوع لانهائي بين البشر في هذا الكوكب، مع تنوع بلاحدود من عقول متنوعة ومعقدة من تجارب في مقابل أجساد متنوعة”
‎جودي سينغر، التنوع النمائي العصبي : سياسة، وليس علما.

‏“Everybody is a genius. But if you judge a fish by its ability to climb a tree, it will live its whole life believing that it is stupid.” Albert Einstein

‎”كل الناس هم عباقرة، لكن ان حكمت على سمكة بتسلق شجرة ستظن وتعتقد طوال حياتها على أنها غبية” ألبرت أينشتاين

‎يعرف التنوع البشري في كل زمان ومكان تعدد أشكال لا نهائية متنوعة فتشكل مبدأ الاختلاف الذي يعد هو لب الحياة الإنسانية، فمن منها المجال الذي يتعلق تعدد طرق الدماغ في عناصر التعلم، التفكير، المقاربات النظرية والتطبيقية والتجريبية، اكتساب المهارات الحياتية الأساسية، التفاعل الاجتماعي، والسلوك وفق لكل نوعية على حدة، وهو ما يعرف بالتنوع النمائي العصبي Neurodiversity.

‎1. ماهو التنوع النمائي العصبي؟

‎التنوع النمائي العصبي هو المفهوم الأساسي الذي يتعلق بطبيعة اختلاف أشكال النمو العصبي عند الإنسان بشكل رئيسي في اختلاف طريقة عمل منظومة الدماغ البشري من شخص لآخر ، فينعكس على السلوك، التعاطي، التفاعل الاجتماعي، طرق التفكير والتعلم، بمختلف تمظهراته عند كل إنسان أو عند فئة معينة على حدة.

‎2. ما هو الأصل في مفهوم التنوع النمائي العصبي والغاية منها ؟ ولماذا يقود هذا المفهوم إلى تجاوز الصفات الملقاة على النوعيات النمائية الأخرى غير النوعية النمائية المعيارية؟

‎الأصل في مفهوم التنوع النمائي العصبي هو اعتباره جزءا أساسيا من قاعدة الاختلاف الطبيعي الإنساني المتكون من التنوع البشري محدداته منها العرق، الاثنية، الجنس، الثقافة، الفكر والعقيدة (منها الدين).
‎يتجلى هذا التنوع في في تعدد نوعيات نمائية مختلفة بأشكالها وخاصياتها تتمظهر في عوامل التفكير، التعلم ،السلوك، والتفاعل الاجتماعي على أن لا وجود لطريقة “واحدة صحيحة” لممارستها ، فتدخل ضمن الاختلافات الفردية والجماعية في التعاطي والتفاعل الاجتماعيين ، مما يجعلنا نتجاوز صفات منها :

‎-“ذوي الاحتياجات الخاصة” لأن مفهوم الحاجة هو عام وشامل على جميع بني البشر فتكون خاصة حسب الخصوصيات الفردية لكل شخص من ناحية التناول والتصريف الحسي ، التعلم، الفهم والإدراك والسلوك، اذن تكون محددة في كل شخص على حدة بغض النظر عن محدداته الشخصية (النوعية النمائية، الجندر، العرق، اللون….) ، وأما الاحتياجات العامة هي الاحتياجات الأساسية الكونية الإنسانية من الحاجات الأولية الضامنة للحفاظ على وجوده، الحاجة للأمان، الحاجة للانتماء الإجتماعي والجماعي، ثم الحاجة للتقدير وتحقيق الذات، أي شاملا على كل انسان، فلا يمكن اختزالها في نوعية نمائية دون أخرى أو اي محدد شخصي آخر أو حاجات فردية.

‎-“الإعاقة” (يقال بصيغ مختلفة ك”ذوي الإعاقة”، “في وضعية الإعاقة”، “الإعاقة الذهنية” إلى آخره…..) أولا يجب الاشارة ان هذا المفهوم بحد ذاته لا علاقة له بمبدأ التنوع النمائي العصبي، بل ينقده تماما خصوصا هذا مفهوم رجعي وسطحي في مضمونه في تناول اختلاف منظومة عمل الدماغ عند الانسان من شخص لأخر ومجموعة نمائية لأخرى، بربط النوعيات المختلفة بصفات “العجز الحسي”، “قصور الفكر” و”ضعف الإدراك” رغم ان ذلك غير صحيح للبديهيات الأساسية التالية :

أولا، الانسان هو كائن عاقل أخلاقي له شخصية وهوية مصدرهما ركائزه الرئيسية العقل والوعي (الفكر) ، الشعور والأحاسيس واللاوعي (العاطفة)، والروح، وهذا تعريف شامل وعام بالإنسان مهما كانت المحددات الأساسية (الجندر والنوعية النمائية والعرق واللون )، أو مجال الإنتماء (المجال الجغرافي، الثقافة، الدين، النسب، الجنسية….)، فيختلف في الممارسة والتصريف من شخص لأخر انطلاقا من خصوصيات وطبيعة نوعيته النمائية وظروفه النفسية والاجتماعية والعقلية والفكرية وكذالك الوسط الاجتماعي والثقافي.

ثانيا، الاحساس هو جزء أساسي عند الانسان بشكل عام وشامل لكل الأفكار بمختلف نوعيتها النمائية بحكم أنه تعبير عن الداخل الشخصي مرتبط بمشاعره النفسية والمعنوية وحواسه الخمس التي هي البصر والسمع والشم والذوق واللمس انطلاقا من تناول منها لظاهرة معينة يرصدها ويستشعرها من البيئة المحيطة وتصريفها بسلوكيات معينة عن ردة فعل أو اتخاذ قرار معين محدد، فيختلف من شخص لآخر وفق لخصائص وطبيعة النوعية النمائية، طبيعة المزاج، ظروف الموقف، نوعيك الشعور والأحاسيس، لهذا لا يمكن الحديث عن “عجز” بل التعبير عن التعاطف والإحساس متعلق السياق الزمكاني والوسط الاجتماعي والثقافي وطبيعة نوعية الشخص النمائية.

“العقل هو أعدل الأشياء قسمة بين الناس” ديكارت

ثالثا، مدى المستوى الفكري بقصوره أو نضوجه ليس مرتبط بطبيعة وخصوصيات نوعية نمائية في حد ذاتها بل مرتبط على أساس مدى قدرة الإنسان أن يكون مستقلا وحرا في تفكيره وضميره بينه وبين نفسه ومع المجتمع من جهة باعتباره كفرد، من جهة أخرى واجتماعيته بالانتماء للمجتمع الذي يعيش فيه، ويكون فيه علاقة وثيقة متعددة الأشكال بينه وبين الأغيار (جمع الغير) في نطاق التعاقد والتعاون والمساواة على أساس إنساني، عن طريق عوامل أساسية هما :

‎-التجارب الحياتية المستمرة
‎-مدى مستوى التعلم
‎-مدى الاكتساب الذاتي
‎-مدى التوسع والتحلي بالموضوعية
‎-مدى التحلي بالنضج العقلي والفكري والأخلاقي

‎فلا يمكن اختصار المستوى الفكري عند الإنسان بترتيب مستوى الذكاء أو طبيعة وخصائص النوعية النمائية بحد ذاتها، لأنها تتعلق بتطوره وفق لطبيعته النمائية التي منها تكون بطرق مختلفة ومتعددة.

‎اذن انطلاقا من كما سبق فالعوامل الثلاثة الرئيسية للإنسان التي هي الإدراك التي تكون انطلاقا من الجانب المعرفي والفهم لمختلف المواقف والوسط المحيط، الإحساس التي تكون انطلاقا من الجانب النفسي الشعوري عند الإنسان في داخله، والفكر يكون انطلاقا من الجانب التجريبي والعقلي الذي يتطور عن طريق الاكتساب الذاتي والتفكير المنطقي، مرتبطة بتطور الحياة الداخلية (كفرد وذات “أنا”) والخارجية (كمنتمي لمجموعة بشرية التي نعرفها بالمجتمع) للإنسان انطلاقا من عناصر العقل والشعور والنفس عامة، وفق لخصوصية وطبيعة النوعيات النمائية المختلفة والمتعددة والتجارب الحياتية والوسط الثقافي الاجتماعي الذي يعيش فيه الإنسان ككائن فردي واجتماعي، لهذا تختلف تطور العوامل عند كل نوعية نمائية على حدة، عند كل مجتمع على حدة، وعند كل شخص على حدة، لهذا لا يمكن ربط مفهوم “الإعاقة” خصوصا حين يشيرون إلى “الذهنية” منها لأنه صار طابعه رجعي ومتجاوز لا يليق ولا يعبر عن أشكال التنوع النمائي العصبي بشكل كامل ولا يعطي صورة حقيقية عنها بل تحرفها عن معناه الصحيح، وينطبق كذالك على مصطلح “ذوي الاحتياجات الخاصة” كما بيينا أن الاحتياجات الأساسية والاجتماعية للإنسان هي عامة بمنظور كوني شامل بل تختلف في طريقة تلبيتها وفق لظروف وخصوصيات طبيعة كل نوعية نمائية عصبية على حدة.
‎لهذا التنوع النمائي العصبي هو ليس جمع لأشكال “الإعاقات الذهنية” ولا ينطبق على الأشخاص ذوي النوعيات الغير المعيارية Neuroatypicals وصفهم ب”ذوي الاحتياجات الخاصة” (people with special needs) لأن طبيعة الاحتياجات الانسانية هي واحدة شاملة وعامة.

‎ليكون الهدف الأسمى لمفهوم التنوع النمائي العصبي إلى الاعتراف به كمحدد من العناصر الرئيسية للهوية الاجتماعية والثقافية للفرد [الجندر، العرق، اللون، الإسم والنسب، المكتسب الاجتماعي الثقافي (العادات والتقاليد)، العقيدة، الدين، الطائفة، المذهب، الفكر ……]، ليكون هذا العنصر المحدد هو نوعية طبيعة من الطبائع المختلفة المتعددة في منظومة النمو الذهني الدماغي عند الإنسان، لكون التعدد النوعي النمائي هو جزء من مفهوم العادة، أي كل الأشخاص مهما كانت نوعيته النمائية هم أفراد مواطنون عاديون لهم نفس واجب الاعتراف بالوجود والإحترام في نفس درجة المساواة أمام القانون من ناحية الحقوق والواجبات، مع مراعاة خصوصية وطبيعة كل نوعية نمائية في مجالات التربية والتعليم، المعاملات الاجتماعية، العادات والأعراف والتقاليد الاجتماعية، الفكر والثقافة، وكل مجالات الحياة ليكون تدبيرها في إطار الاختلاف، أي أن القواعد المتعاقد عليها أخلاقيا، اجتماعيا، ثقافيا وسياسيا وقانونيا يجب من تقوم من أساس على الاشتمال على كل المواطنين من كل النوعيات النمائية بشموليّتها كونيا وعاما بمختلف وتعدد أشكال ومظاهر التفاعل الاجتماعي منها السلوك والتعبير والتعلم والاكتساب المستمر والتفكير وتصريف التصورات والمشاعر، باعتباره جزء من التنوع البشري.

‎3. ما هي الخلفية التاريخية الرئيسية لمفهوم التنوع النمائي العصبي؟

‎ظهر مفهوم التنوع النمائي العصبي بصيغته Neurodiversity الذي تم ادراجه خلال سنة 1997 على يد عالمة الإجتماع الأسترالية جودي سينغر Judy Singer في أطروحتها الشرف في جامعة التكنولوجيا بسيدني الذي كان عنوانه “اكتشاف شخصي لحركة اجتماعية جديدة المبنية على التنوع النورولوجي ” (الأصلية بالانجليزية “A personal exploration of a new social mouvement on “neurological diversity) الذي كان أول أطروحة خارج مجال علم النفس الطبي Medical psychology تتناول المجال النوعي النمائي العصبي الذي نشر سنة 2017 بكاتب عنوانه “التنوع النمائي العصبي: ولادة فكرة” (بالانجليزية NeuroDiversity : the birth of an idea”) فقد بنت أسس أطروحتها على أدبيات الحركات الحقوقية التوحدية Autism Rights Movements التي ظهرت منذ الفترة ما بين التمانينات والتسعينات التي كانت سباقة في الدفاع عن طبيعة الاختلاف النوعي العصبي Neurodiverse كمرجعيّة حقوقية ووجودية للنضال التوحدي من أبرز رموزها الكاتب الأمريكي التوحدي جيم سينكلاير Jim Sinclair الذي ألّف مقاله المطول الشهير Don’t Mourn for Us (بالعربية “لا تحزن علينا”) سنة 1993 ثم مقال Why I doesn’t like the first person language ? (لماذا أرفض لغة “الشخص أولا”؟) سنة 1999 التي تناول في المقال الأول العناصر التالية التي النقد للتصور السلبي حول التوحد عند الأباء وتجاوز المنظور النمطي حول التوحد ك”عبئ” و”مرض” إلى الإعتراف بالتوحد ككيان جزء من الوجود الإنساني له طبيعته، خصوصياته و ثقافته كغيره من أشكال التنوع البشري كما أشار إلى في المقال التالي باعتباره جزء من شخصية الإنسان لا يمكن الفصل التوحد عن الشخص التوحدي.

‎وكذالك استلهمت حركة التنوع النمائي العصبي من حركات المناصرة الذاتية Self Advocacy التابعة لحركة حقوق الأشخاص “المعاقين”/”في وضعية إعاقة” التي ظهرت خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين التي تمحورت حول مبادئ الإعتراف بالكينونة الشخصية، الحق في الحياة المستقلة، الانتماء إلى المجتمع، والتمتع بكامل الحقوق المدنية للأشخاص ذوي مختلف التنوعات النمائية العصبية المتعددة (ذوي الإعاقة الذهنية/الغير المرئية سابقا) التي رفضت المقاربة الطبية العلاجية لتلك النوعيات النمائية التي تنظر اليها على أنها “حالات مرضية” بل كجزء طبيعي للتجربة الإنسانية كما مثلتها “النموذج الاجتماعي للإعاقة”، قبل ان تتجه جودي سينغر بالمفهوم الجديد (التنوع النمائي العصبي Neurodiversity) إلى الأشكال والأنواع المختلفة للنوعيات النورولوجية (النمائية العصبية) التي يجب الاعتراف بها كمحددات طبيعية أساسية للانسان، كما نشر الصحفي هارفي بلوم Harvey Blume هذا المفهوم في مقاله له على the Atlantic سنة 1998، ثم كتبت أمي هارمون سنة 2004 مقالها على جريدة New York Times عنوانها “التنوع النمائي العصبي : تحول من حقوق ذوي الإعاقة إلى الدماغ” (Neurodiversity Forever; The Disability Movement Turns to Brains).

‎4. التعريف بالنوعيات النمائية العصبية:

‎ان عرفنا التنوع النمائي العصبي باعتباره التعدد والتنوع في أشكال نوعيات نمو الدماغ عند الإنسان كمحدد أساسي له ،لكل نوعية لها طبيعتها الخاصة وخصوصياتها المختلفة الذي ينعكس ذلك في عناصر السلوك والتفكير والتعلم والتفاعل الاجتماعي والتعاطي مع العالم الخارجي بتعدّدها واختلافها مع بعضها البعض, منها :

‎النوعية النمطية أو المعيارية Neurotypical هي النوعية العامة التي ليس لها محددات ولا خصائص معينة في التواصل والتفاعل الاجتماعي وتكون سلوكياته انطلاقاً من السياق العام الموجود في العالم الخارجي، من ناحية العلاقات الاجتماعية وطريقة التفكير والتعلم، أي هي مبنية على أساس المعيار والنمطية لهذا يظهر ذويها بالامتثال والمطابقة بين ذويها.

ملاحظة :
‎معيارية بمعنى standard اي تعتبر هي المعيار تتمظهر بالتماثل من النواني الحس، التعلم، التفكير والسلوك

‎النوعيات الغير نمطية/ الغير معيارية Neuroatypicals هي مجموعة النوعيات النمائية التي لا تخضع للتماثل والمطابقة مع النمط العام بل تكون كل نوعية منها خاصياتها المحددة التي تنطلق من الذات من ناحية عناصر الملاحظة، التركيز، التدقيق في المعطيات، التركيب، الاحساس، تصريف المشاعر والعواطف، منهجية العقل ،والخيال لهذا يختلف ذويهم عن العامة في طريقة التعلم، السلوك، التفكير والتفاعل مع العالم الخارجي*.

‎ملاحظة: رغم الاختلاف الواضح بين التنوع النمطي/المعياري والغير نمطي / الغير معياري لكن تلك العناصر هي ملكة لدى كل شخص رغم نوعيته النمائية لكن تختلف في كيفية العمل بها وهذا ما يظهر من الناحية الفردية والجماعية النمائية.

من النوعيات الغير النمطية منها :
‎* طيف التوحد Autism Spectrum هي نوعية نمائية غير نمطية تحدد انطلاقا من خصائص محددة مغايرة و إختلاف التواصل اللفظي والغير لفظي، التفاعل الاجتماعي، فرط الحساسية، الاتصاف بسلوك محدد نمطي متكرر ومجالات اهتمام محددة، أي لهذه الخصائص تجعل التوحد هي طريقة وغاية مختلفة للوجود.
‎* محدد الانتباه ب أو بدون سمة التنشيط VAST (نقص الانتباه وفرط الحركة ADHD) هي نوعية نمائية لها خاصية مغايرة في نمو دماغ الانسان الذي يكون بطئ مقارنة بالنوعيات الأخرى فما يتعلق يالانتباه والتركيز*, الاندفاع ، وفرط النشاط والحركة لهذا يطلق على هذه الفئة Hyperactive اي مفرطي النشاط أو مفرطي الحركة (ترجمة عن الكلمة الإنجليزية).

ملاحظة :
‎يعتبر نقص في الانتباه والتركيز من ناحية تناول التعلم والمعلومات والمعطيات وأداء المهام والمحادثات وغيرها بتفاصيلها انطلاقا من سياقنا الحالي بحكم يتم تقديمها بالطريقة والإيقاع المعياري العام لا يتناسب مع خصوصيات تلك النوعية في الانتباه والتركيز التي تعمل بشكل متسلسل وخطوة بخطوة بدون تداخلات خارجية وبدون ضغوطات زمكانية محددة لا تتناسب مع طبيعة العمل والتعلم والاكتساب وتبادل أطراف الحديث عند ذوي تلك الفئة، لكن في سياق آخر يظهر ذويهم مستوى عالي من التركيز Hyperfocus في مجالات اهتمامهم التي يجيدونها وينسجمون معها متجاوزا حدود الزمن والمكان بشكل خارق للعادة و مكثف وعميق.

* ديسليكسيا Dyslexia (يسمى ب”عسر القراءة”) هي نوعية نمائية ذات خصائص محددة تتمثل في التحليل، التفكيك، التركيب والمعالجة المعرفية والمعلوماتية التي تتكون انطلاقا من التصور والمنظور المرئي الفضائي من تعدد الأشكال والأشياء داخل الفضاء المرئي بصريا ، فتكون عملية التعلم، القراءة والنطق بطيئة ودقيقة في تناول الحروف، الكلمات، الجملة، الفقرة ثم النص مقارنة مع العملية الممعيرة المعتادة التي تكون عصيرة على ذوي تلك النوعية.

* ديسبراكسيا Dyspraxia (يسمى ب”عسر الأداء) هي نوعية نمائية ذات خصائص محددة مغايرة في عناصر الحركة و الأداء والتصور والإدراك و التناول الحسي عند الشخص فما يتعلق تناول تفاصيل الحياة اليومية من ناحية التخطيط الحركي، التنظيم، التوازن، القيام بأنشطة تطبيقية معينة، و تنفيذ مهام محددة التي تكون عملية اكتسابها وتعلمها بطريقة مرحلية متطورة بشكل دقيق وبطيء ومتسلسل.

ملاحظة: هذا ما يفسر أن ذوي تلك النوعية تكون اكتساب تلك المهارات عندهم عسيرة نظرا لعدم ادراكهم لخصوصيتهم في العناصر المتعلقة بالحركة والتوازن والتخطيط (منها التنظيم) والتركيز (لهذا يتحدث الأخصائيون وعامة الناس عن صعوبات في الأداء والحركة) ويتخبطون فيها بشكل كبير ما يظهر جاليا من عدم انطلاق من الجانب الذاتي الشخصي نفسه من طبيعته (الطفل خصوصا) ليستمر وفق لماهية نوعيته ليس كما يقوم به غيره من ذوي النوعية المعيارية.

* ديسكالكوليا Dyscalculia (يسمى ب”عسر الحساب”) هي نوعية نمائية ذات خصائص محددة مغايرة في طرق مختلفة لاكتساب المهارات والقواعد الرياضية والتعامل بها، من ناحية عسر (صعوبة) وبطئ التعرف على الأرقام بطريقة مجردة وفهمها كما المعادلات والعمليات الحسابية فتكون بطيئة، مرحلية وعسيرة، بحكم أن تلك النوعية لا تقوم على ما هو رقمي بل هو مرئي لأنها تميل نحو المقاربة المرئيّة الفضائية التي تقوم على التفكير النمطي و الحدسي.

* ديسغرافيا Dysgraphia (يسمى ب”عسر الكتابة”) هي نوعية نمائية ذات خصائص محددة في تعلم وممارسة الكتابة والتعبير بها التي تكون بطيئة متسلسلة وعسيرة على أصحابها فيأخذون وقتا طويلا في كل ما هو أدبي و ما تعلق بمهام أو تعبير لها صلة بالكتابة بحكم طيلة مدة وعسر نقل ما هو ذهني إلى ما هو مكتوب مقارنة بالنوعيات الأخرى بحكم اعتمادها على المقاربتين الشفوية والمرئية بشكل أساسي على ما هو مكتوب ومدون.

* ديسأورطرافيا Dysorthographia (يسمى ب”عسر الكتابة”) هي نوعية نمائية ذات خصائص محددة في اكتساب النطق، وتعلم الكتابة ،والتعرف على الرموز والحروف بتفكيكها وتحديدها لقراءتها وسماعها التي تكون عملية مرحلية ،بطيئة ،متسلسلة، وعسيرة لدى أصحابها، مما يؤطّر حتى على القدرة على الكتابة مما يجعلها تأخد وقتا وجهدا طويلا.

* متلازمة توريت Tourette Syndrome هي نوعية نمائية غير موروثة وظاهرة جينيا تتحدد بصدور أصوات وحركات وأفعال غير إرادية في لحظات معينة (متتالية) تظهر كعلامات في مرحلة مبكرة من حياة الشخص، فتؤثر بذلك على طريقة التعلم والتفكير واكتساب المهارات وضبط النفس مع قابلية التحكم فيه التي تكون مغايرة حسب كل شخص على حدة من ناحية مرحلتيها وعسرها.

* سينيستيسيا Synesthesia (يسمى ب”اتحاد الحواس”/”الحس المرافق”/”تبادل الحواس) هي نوعية نمائية ذي طبيعة مغايرة تتحدد بتناول الحواس الخمس (البصر والسمع والذوق والشم واللمس) بطريقة مغايرة لمختلف الأشياء بأشكالها وأنواعها وأصواتها وغيرها انطلاقا من التكامل بينها وببعضها البعض، على أنها ألوان أو أشكال مختلفة مغايرة تماما (أي كل حاسة لها مقابلها سواء لون أو حاسة أخرى) عن المنظور المعياري، فتكون كل نظرة تختلف عن شخص لآخر وفق للتجربة الشخصية، الوسط الإجتماعي والثقافي، والأفكار الخاصة والإبداعية.

* التأخر الذهني Mental Retardation / Intellectual disability هي نوعية نمائية تتحدد في تأخر النمو العصبي عند الشخص لتؤثر على القدرة على التفكير ،اكتساب المهارات الأساسية، القدرة على الإستقلالية ، تصريف الإحتياجات العامة والخاصة والسلوك، لتكون مغايرة تماما عن باقية النوعيات الأخرى (منها المعيارية)

* التثلت الصبغي Trisomy هي نوعية نمائية تتحدد انطلاقا من بنيته الجنية والصبغية الكروموسومية التي تكون عدد نسخها ثلاثة بدلا عن القاعدة العامة التي هي تكون اثنين، مما ينتج عنها تكوين بنية جسدية غير معتادة ومنظومة عقلية وفكرية وتعليمية مغايرة تماما عن النوعيات الأخرى.

‎فتلك التنوعات لها خصوصياتها المحددة وفق محدداتها الطبيعية المغايرة لعمل الدماغ وطريقة تسريف الأحاسيس والمشاعر والتعبير عنهما عند كل منها، لهذا لا وجود لطريقة “واحدة صحيحة” للتعاطي والتفاعل الاجتماعي مع العالم الخارجي سوى التي تدخل في نطاق الأخلاق العامة والفردية، التعلم، العمل والإبتكار والإبداع والتعبير والسلوك علما أن الانسان رغم عن ما هي نوعيته النمائية فهو فرد يستمد من ذاته واجتماعي يستمد من ما اكتسبته من المحيط الاجتماعي والثقافي، لكنه يختلف عن غيره في طريقة التفاعل والتعاطي مع العالم الخارجي ، وطريقة الاكتساب والتعلم والإدراك، لتكون النوعية النمائية جزء أساسي من شخصية الإنسان ومحدد طبيعي لها.

‎5. خاتمة : يؤدي مفهوم التنوع النوعي النمائي العصي إلى جانب آخر من التعايش المشترك وتقبل الآخر الاختلاف في نطاق التنوع

‎تعد تعدد أشكال التنوع النمائي العصبي داخل المجموعات البشرية مجالا واسع للتعبير عن أشكال الاختلاف في عناصر السلوك، طريقة التفكير والتعلم والتفاعل الاجتماعي والتعاطي مع الواقع عند الانسان كفرد من جهة والجماعة النوعية النمائية من جهة أخرى، لهذا ليست ب”حالات مرضية” ولا “عاهات” ولا “إعاقات” ولا شكل من “العته” أو “السفه” أو “إصابة مرضية” بل مجال التنوع البشري الذي يؤسس لأنماط ثقافات متعددة ولا حصر لها مما يدفعنا للخروج من منطق المنظور الطبي النمطي الضييق إلى منطق التعددية النوعية النمائية أي كل دماغ بشري هو منفرد يعمل بطريقة يختلف من شخص لآخر، والقطع مع مقاربات “السوي وغير السوي” و”العادي وغير العادي” و”المعاق والسوي” و”العاقل والمعتوه” و “العاقل والسفيه”، لأننا نتحدث عن كن الإ عادي ليس مشروطا بنوعيته النمائية أو درجتها أو أي محدد طبيعي آخر، بل كونه فرد تتمتع بالوجود ويعبر عنه وفق لطبيعته الشخصية والكينونتية، ويمارس نشاط يميل إليها وفق لما يوافقه، كما ينظر إلى نفسه ليس كما ينظر إليه الأخرين بما في ذلك المجتمع، الذي يعد خارجا عن الدائرة الشخصية للفرد، لهذا مفهوم العادة مرتبط بالحالة الطبيعية الفردية والجماعية التي تعرف التعدد والتنوع في اختلاف طريقة وأسلوب عمل الدماغ عند كل إنسان لآخر، الذي يجب تبنيه في نطاقي اجتماعي مندمج مبني على تعدد الثقافات النوعية النمائية في شتى مجالات الحياة ومحطاتها منها الأسرة، الشارع، التعليم، العمل في نطاق مبادئ الحرية، المساواة، العدالة النزاهة والاحترام والمحبة مما يساهم في تحقيق بنية مجتمعية متكاملة تقوم على قيم ومبادئ التعايش والتسامح المشترك و الديموقراطية وحقوق الإنسان، لعل مرعاة الاختلافات الجوهرية داخل الوجود الإنساني والعمل بها تؤدي إلى تحقيق مستوى متقدم في جودة الحياة والرفع من وضعية الإنسان.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...