نتائج الحمض النووي (ADN)؛ ما بين حكم قاضي الجديدة وقاضي طنجة

 

 

 

 

 

* الدُّكتور عبدالله شنفار
الكاتب والمفكر المغربي.

 

 

 

الحمض النووي (ADN)؛ ما بين حكم قاضي الجديدة، الذي اعتبر قاعدة أساس: (الولد للفراش؛ ستة أشهر)؛ وحكم قاضي طنجة الذي أخذ بنتايج الحمض النووي في حالات الطفل المُقدَّر له أب، ما بين الجنين الرَّاگد والجنين المعلوم والجنين المجهول النسب؛ مسائل ثلاثاً منها تتعلق بنصوص قطعيّة لا تجيز الاجتهاد فيها، وهي :
1. المسألة المتعلقة باستعمال الخبرة الجينية للحوق النسب.
2. ومسألة إلغاء العمل بقاعدة التعصيب.
3. ومسألة التوارث بين المسلم وغير المسلم.

من الأمن الأخلاقي؛ عدم جواز الاجتهاد في مسألة النسب والحرص على صيانته من العبث، وهو من المقاصد الكبرى للشريعة لاستقرار المجتمع. (الولد للفراش).
ومن النصوص القطعية التي تهم الأحكام المتعلقة بالنسب في القرآن الكريم؛ قوله تعالى: (ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ.) سورة الأحزاب؛ الآية: 5.
وبالتالي فإن عدم جواز الاجتهاد باستعمال الخبرة الجينية للحوق النسب؛ نظراً لما قد يسببه من ضرر اجتماعي وأخلاقي؛ بحيث إن العبث بالنسب قد يؤدي إلى تفكك الروابط الأسرية وإلى اضطرابات في نظام الأسرة.
هي إحدى الظواهر الاجتماعية الشائكة والجد معقدة؛ التي تواجه ضابط الحالة المدنية. ويُوهم من يظن أنه -بهزة كتف- سيجد لها وصفة أو خلطة تعجن في إطار نص أو قاعدة قانونية!
وفي إطار مؤامرة الصمت التي تعني مسألة معلومة الوجود؛ وبطريقة ضمنية؛ يوجد توافق مُجتمعي غير مُعلن بعدم الحديث عنها؛ وحلت المشكل الفضيحة من خلال مخرج التستر عليها في علاقة غير شرعية وغير معلومة.

في النقاش؛ علينا الإحاطة بالموضوع من كل جوانبه وأبعاده. فنحن أمام معضلة اجتماعية؛ لها عدة أبعاد وتجليات؛ ومن مظاهرها؛ ثلاث حالات رئيسية؛
أمَّا الحالة الأولى: وهي التي يكون فيها الأب معروفًا، والنسب سهل إثباته؛ في إطار علاقة غير شرعيّة وغير معلومة؛ يليها ثبوت زوجيّة عن قصد وسبق إصرار: بسبب تعقد مسطرة التعدد؛ أو بسبب عادات وتقاليد اجتماعية وأعراف قبَليّة وأسرية تحول دون الزواج بمن نحب؛ ويكون المآل حطهم أمام الأمر الواقع… وحتى في حالة الإنكار هنا يسهل تحديد مسار واتجاه البحث؛ بالتركيز على شخص واحد؛ من خلال فحوصات تجرى على الحمض النووي (ADN). ومع ذلك؛ فما بين حكم قاضي الجديدة، الذي اعتبر قاعدة: الولد للفراش؛ ستة أشهر؛ وحكم قاضي طنجة الذي أعتمد نتائج فحوصات الحمض النووي؛ محكة النقض تنتصر؛ لحكم قاضي الجديدة. أو من خلال الإقرار بالبنوة وبالتالي يسهل إلحاق النسب بوالديه. ومع ذلك هناك من يتحايل على القانون عبر الإقرار بالبنوة من أجل التبني أو التكفل بطفل؛ يجعله من صلبه وابن بيولوجي.
الحالة الثانية: وهي عندما نكون فيها أمام نِسْوَة اختلط عليهنَّ أمر الحمل؛ حيث تعدد العلاقات الجنسية في أوكار الدعارة مثلًا؛ أو حتى داخل البيت؛ نتج عنها حملاً سِفاحًا. ويكون تعدد في احتمالات النسب من بين عدة زُناة مجهولين. فلمن سينسب المولود سوى لأمه!؟
والخطير في الأمر؛ لمَّا يقع الحمل سفاحًا داخل العلاقة الزوجية القائمة؛ حيث يكون الزوج أمام خليط (كوكتيل) من الأطفال لا علاقة له بهم؛ فيهم من الذي تستطيع الزوجة الزانية تحديد نسبه؛ ومن بينهم ما لا تستطيع؛ حيث تعدد العلاقات بين عدة أشخاص..! وما أكثر الملفات المعروضة على القضاء؛ حيث تداخل واختلاط الأنساب..! -والعياذ بالله-
في حين الحالة الثالثة: وما أكثرها في مجتمعاتنا؛ وهي زِنا المحارم! -والعياذ بالله- فكيف سينسب المولود: لعلاقة شاذة بين الأخ وأخته!؟ والأب وابنته!؟ والجد وابنته!؟ والخال وبنت أخته! والعم وبنت أخيه!؟ بل الأم وولدها!؟
قس على ذلك ما نجده في متخيَّل تَمْغَرْبِيتْ؛ بما يسمى بِ: الرَّاگْدْ؛ أو الجنين الرَّاقد الذي توقف نموه لفطرة؛ ثم بعد ذلك؛ وبقدرة قادرة؛ نهض واستيقظ ليستمر في النمو؛ لكنه يولد ولد ولو بعد حين من الدهر.

* استنتاجات عامة:
المنطق يفرض تبعية النسب لأمه؛ وليس في ذلك عيب؛ ولو أنه لا مجال للمقارنة؛ -وحاشا ما عاذ الله- أن يكون مجال للمقارنة؛ فعيسى عَبْدُ اللَّهِ؛ ابن مريم نبي الله؛ نسبه إلى أمه عليهما السلام. فبالأحرى ابن سفاح. فما العيب في أن ينسب لأمه التي ولدته؛ في إطار علاقة رضائية، أو حتى في إطار حالة اغتصاب من طرف معتدٍ واحد؛ أو تناوب عدة معتدين عليها..! فالكل متواطئ في آخر المطاف؛ وكُلْشِي ديالنا؛ ونحن أصحابه. اللهم ردنا ردًا جميلًا.
لكن بعيدًا عن هذا المجال المزعج والمربك للعقل وتأجيج وتحريك العواطف؛ نجد الكثير من القِيَّم ظلت إما مشروعًا جنينيًا؛ ولم تزداد وتكبر وتتطور؛ أو تضخمت بعدما رقدت؛ من دجاجة إلى ديك رومي حتى وصلت إلى حجم النعامة ولم تعد تفتح أية آفاق للتطور. ويفترض طرح السؤال الفلسفي حول القِيّم المجتمعية:
هل هي من الضروريات الأساسية التي بدونها ينهار ويهلك ويفسد المجتمع إذا لم يؤخذ بها؟
هل هي من الحاجيات التي يبحث عنها البشر؛ حيث يتعب من أجل الوصول إليها وتحقيقها؛ ولكن بدونها لن ينهار المجتمع وحياة الناس ستستمر وستسير؟
أو هي تدخل في خانة التحسينيات؛ فعلها من عدم فعلها؛ تحققت أو لم تتحقق؛ فهي خير؟
أعتقد هناك من يختزل صيرورة القيم في أفكار متجاوزة جدًا ولا تسمن ولا تغني في تنمية وبناء حضارة في شيء.
ليس عبثًا لمَّا الله عز وجل قضى في أمره وقال: {وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا.}

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...