إدريس عدار
ما يجري في سوريا اليوم، وخصوصا بالساحل الذي تقطنه الطائفة العلوية، هو النتيجة الطبيعية لتمكين جماعة “إرهابية”، من بقايا تنظيم القاعدة، من مؤسسات الدولة، حيث تكمن الخطورة ليس فقط على الشعب السوري ولكن المحيط الإقليمي وسترتد تداعيات العنف إلى الدولة الراعية للجولاني أي تركيا.
من ظن أن بناء الدولة عملية بسيطة واهم، ولو كان ما حدث “ثورة” لتم الحفاظ على مؤسسات الدولة لأن الهدف هو إسقاط “النظام”، غير أن نقل “إمارة” إدلب إلى حكم دمشق لا يمكن أن تكون نتيجته سوى هذا القتل الذي لا يتوقف.
ومع بداية الانتفاضة في الساحل العلوي تربع “مربعو الرأس” من المحللين السياسيين، وفك المعادلة عندهم أسهل من شربة ماء: فلول النظام السابق والتدخل الإيراني، هو السبب.
لنفترض معهم أن هذا الأمر صحيح، لكن دعونا نقف عند الوقائع لنعرف ما جرى.
التمكين لهيئة تحرير الشام كان مرحلة ضمن “لعبة أمم” تدخلت فيها عناصر محلية وإقليمية ودولية، سماها الباقي انتصار “الثورة”، وصفق لها المثقفون والمتنورون واليمن واليسار ولا حديث عن الإسلاميين لأنها “ثورتهم”، تشفي غليلهم وأحقادهم من نظام الأسد.
سموها “ثورة”.
في العرف أن “الثورة” تكون ضد نظام فاسد ومستبد لبناء نظام حريات وديمقراطية وشفافية.
كان النظام السابق اشتراكيا يحكمه حزب البعث العربي الاشتراكي بشراكة مع أحزاب الجبهة التقدمية. طرح بشار الأسد حزمة إصلاحات منذ توليه الحكم لم يكتب لها التطبيق. لنفترض أن هذا الأمر لم يكن أصلا. إذن إسقاط نظام “الحزب الواحد” يقتضي إشراك مكونات الشعب السوري في النظام الجديد.
كان حزب البعث يضم كل أطياف الشعب السوري، كما حقق نوعا من الاستقرار الاجتماعي والأمني بفعل الدعم الذي كانت تقدمه الدولة.
الحاكم اليوم في دمشق ليس الحزب الواحد، ولكن اللون الواحد من الجماعات الإرهابية. بعد تعميدها وتحويلها إلى المعارضة المسلحة، كان المفروض عدم تسمية الجولاني رئيسا لسوريا، ولكن تشكيل مجلس “ثورة” يضم الجماعات المسلحة الأخرى والمعارضات السياسية، وإجراء انتخابات في وقت وجيز، لكن اختار الجولاني حسم الموضوع وتشكيل حكومة ذات لون واحد، بل هي “إمارة إدلب”، ولم يعد الأمر الانتقالي يتعلق بستة أشهر ولكن خمس سنوات حسب آخر تصريح له. هل توجد دكتاتورية أكبر من ذلك؟
كل “الثورات”، إن اعتبرنا ما جرى “ثورة” من باب المسامحة اللغوية، تقوم بتحديد عدد معين من المسؤولين السابقين عن “القمع” ممن كان يعطون الأوامر لا ممن كانوا يتلقونها ويقومون بمحاكمتهم.
لكن ما جرى في سوريا هو تسريح نصف مليون عسكري وتم وسمهم بالفلول، أي تم إهدار دمهم. نصف مليون كانوا يشتغلون وفق القواعد العسكرية المعروفة في العالم، والجندي يتلقى الأوامر وينفذها، فما هي مسؤوليته فيما جرى؟ نصف مليون تم تسريحهم بمعنى أصبحوا عاطلين هم ومن يعيلون. وتم تسريح القوى الأمنية بمن فيها شرطة المرور. وتم تسريح أكثر من نصف مليون موظف من أطباء ومهندسين وغيرهم.
هذا يعني أن تصنيف الفلول عند الجولاني لا حصر له، وقد وجد في الإعلام الشريك في سفك الدم السوري خير معين له، بل حتى بعض الدول العربية ساندته في مجازره، وتحول كل العلويين (الطائفة التي ينتمي إليها الأسد) إلى فلول للنظام السابق، مع العلم أن العلويين لم يكونوا يحتلون مناصب مهمة في الدولة، وآخر وزير للدفاع في عهد الأسد هو اللواء علي محمود عباس وهو من الطائفة السنية.
يضاف إلى أكثر من مليون مواطن سوري تم تسريحهم من العمل أغلبية السوريين التي كانت تعاني من تبعات الحصار وقانون قيصر.
لم يفهم الجولاني، أو من يملي عليه، أن الذين صفقوا له ليسوا بالضرورة معارضين للنظام السابق، ولكن اعتبروا هذا التحول فرصة، باعتبار أن سوريا ليست عليها عقبات اقتصادية كدولة بفضل الفيتو الروسي والصيني، والعقوبات كانت على النظام، وظنوا أن الرعاية التركية المأذون بها أو المأمور بها أمريكيا ستكون فاتحة خير، حيث سيتم رفع العقوبات ومعالجة ملف “قسد” وهيمنتها رفقة الأمريكيين على النفط والغاز وبالتالي ستتم معالجة ظاهرة الانقطاع المتتالي للكهرباء.
تبين أن العقوبات لن ترفع وأن الوضع ازداد سوءا على ما كان عليه في السابق، وتعب السوريين من الصراع الإقليمي والهجمات الإسرائيلية المتكررة كانوا يعتقدون سينتهي مع وصول أصدقاء أمريكا للسلطة، لكن عربدت إسرائيل واحتلت حوالي ألف كيلومتر مربع وهي مستمرة في ذلك.
وقاصمة الظهر هي إخلال الجولاني بعهوده، إذ طرحت الإدارة السورية الجديدة مسألة “تسوية” وضعية جنود النظام السابق عبر تسليم السلاح، لكن تبين أنه تم اختطاف العشرات منهم وتعذيبهم وقتلهم، ناهيك عن إطلاق يد الجماعات التكفيرية من شيشان وأوزبك لتقتيل السوريين، وهنا تراجع من تفطّن للعبة عن تسليم سلاحه، وهم من يقودون اليوم الانتفاضة.
لكن ينبغي التنبيه إلى أن الانتفاضة الحالية للسوريين لم يصدر عنها أي دعوة أو تبن لعودة النظام السابق، والمؤسف أن الإعلام “الرجعي” يصفهم بالانقلابيين، وكل ما تطالب به الانتفاضة هو إطلاق سراح العساكر الذين تم الغدر بهم وخروج جحافل التكفيريين من قراهم ومدنهم والشراكة في بناء الدولة السورية.





