المغرب: نموذج استثنائي في الهندسة الأمنية الحديثة وتصدير الخبرة في مكافحة الإرهاب

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

عبد الله مشنون
كاتب وصحفي مقيم بايطاليا

 

 

في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة وتنامي التحديات الأمنية المعقدة، يواصل المغرب ترسيخ موقعه كفاعل دولي محوري في هندسة الأمن الجماعي، من خلال رؤية استباقية وفعالة في محاربة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود. أحدث تجليات هذا الحضور البارز تمثل في المشاركة النوعية للمدير العام للأمن الوطني ومديرية مراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف الحموشي، ضمن الاجتماع الإقليمي لرؤساء أجهزة الاستخبارات في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، المنعقد في العاصمة النمساوية فيينا.

لكن، ما وراء هذه المشاركة الدبلوماسية الأمنية، يبرز تحول المغرب من مجرد مستهلك للمعرفة الأمنية إلى منتج ومصدر لها. فحضور الحموشي ليس مجرد تمثيل رمزي، بل هو تجسيد حي لمسار مؤسساتي مغربي متكامل، أعاد تعريف مفهوم الأمن بمرجعيات جديدة تنسجم مع حقوق الإنسان، وتوظف الذكاء الاصطناعي، وتحلل سلوك التنظيمات المتطرفة بأساليب غير تقليدية.

من الرؤية الأمنية إلى القوة الناعمة الاستخباراتية

لم تعد مشاركة المغرب في المنتديات الأمنية الإقليمية والدولية تقتصر على التنسيق المعلوماتي، بل أصبحت منصة لتقاسم نموذج أمني ناجح، يتميز بجهاز استخباراتي مرن، قادر على اختراق شبكات الإرهاب قبل تحركها. وتدلل الشراكات الثنائية التي أجراها الحموشي في فيينا، مع ممثلي أجهزة أمنية من الخليج وتركيا وباكستان، على أن المغرب اليوم شريك موثوق به، بل ومرجع في تحليل التهديدات المتجددة التي تفرزها التنظيمات الإرهابية ما بعد زوال المعاقل التقليدية.

هندسة مغربية لاستشراف المخاطر

التجربة المغربية في تفكيك الخلايا الإرهابية أثبتت أن الرد على التهديد لا يكمن فقط في الردع العسكري أو التكنولوجي، بل في بناء شبكة استخبارات بشرية ومعلوماتية تستبق الفعل الإرهابي نفسه. وهو ما جعل المغرب يتحول إلى “مختبر حي” يُستلهم منه في الأوساط الأمنية الأممية. ولعل مشاركة المغرب في اجتماعات تستند إلى تحليلات فريق العقوبات التابع للأمم المتحدة، تؤكد أن المملكة تساهم أيضًا في بلورة الرؤية المستقبلية لمواجهة الجريمة المعولمة.

نموذج الحموشي: القيادة الأمنية القائمة على الكفاءة والتحول المؤسساتي

في قلب هذه الدينامية، يبرز اسم عبد اللطيف الحموشي كشخصية أمنية فريدة، جمعت بين الكفاءة الاستخباراتية والقدرة على بناء علاقات ثقة مع شركاء المغرب من الغرب والشرق. فالرجل، الذي يحظى بتقدير دولي واسع، أعاد هيكلة أجهزة الأمن المغربية على أسس عصرية، بما جعلها تتفوق في أكثر من اختبار، من تفكيك الخلايا إلى حماية التظاهرات الكبرى، كما حدث في كأس العالم للأندية أو زيارة البابا.

المغرب كجسر استخباراتي بين إفريقيا وأوروبا

بموقعه الجغرافي والسياسي، يضطلع المغرب بدور الوسيط الذكي بين شمال المتوسط وجنوبه، ناقلًا المعرفة الاستخباراتية ومساهمًا في استقرار منطقة تتنازعها الأزمات. ومن خلال مشاركته في هذا الاجتماع، يبعث المغرب برسالة واضحة: الأمن الإقليمي والدولي لا يمكن أن يتحقق دون استيعاب تجربة الرباط، التي أثبتت أن المواجهة الناجحة للإرهاب تبدأ من فهم بيئته، وليس فقط من مراقبة مظاهره.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...