نوستالجيا فم زڭيد سحر المكان الأول: الهوية الوِجدانيّة لمسقط الرأس بين الحضور المادي والتجذر الرمزي

إيطاليا تلغراف

 

 

 

الدُّكتور عَبْدُ اللَّهِ شَنْفَار؛ الكاتب والمفكر المغربي

 

قد يبدو الحديث عن مسقط الرأس نوعًا من الحنين العاطفي أو الحفاوة الذاتية بالماضي. لكنه في العمق هو طرحٌ فلسفي ومعرفي يتعلق بجذور الكينونة، ومصادر التمثل، ومفهوم الانتماء الذي يتجاوز الجغرافيا إلى المعنى. فالمكان الأول الذي وُلد فيه الإنسان لا يبقى حيزًا فيزيائيًا فحسب، بل يتحول إلى رمز مركزي في هوية الفرد، يُستدعى في أوقات الأزمة، ويُسترجع عند الحنين، ويستقرّ في الوجدان كمكون غير قابل للتفاوض.
وهنا تبرز خصوصية مسقط الرأس في مناطق مثل الدوار وفم لڭصر (لقصر) في البادية والقرية بفم زڭيد جنوب شرق المملكة المغربية، حيث لا يقتصر الأمر على المكان المادي فحسب، بل على شبكة معقدة من التقاليد والعادات ولأعراف، والذاكرة الجماعية، والروابط العائلية التي تشكل نسيج الهوية الوجدانية.
1. مسقط الرأس: من الجغرافيا إلى الذاكرة
حين نذكر مسقط الرأس، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو بلدة أو قرية أو حيّ معين، تُحدّد بخرائط ومجال ترابي معين. لكن التجربة الوجدانية تربط هذا المكان بما هو أعمق: بروائح الطفولة، وأصوات المساء، وأسماء الشوارع التي كانت يومًا مسرحًا للدهشة الأولى. هنا، يتداخل البسيط بالمقدس، ويتحول الحيّ الصغير إلى عالم كامل تتشكل داخله التصورات الأولى عن الذات والآخر.
في الدوار وفم لڭصر بفم زڭيد، تتعاظم هذه الروابط؛ فالبادية، بفضائها المفتوح وتقاليدها المتوارثة، تُغذي شعورًا بالانتماء عميق الجذور. لا يُقاس الارتباط هنا بالعمارة أو الشوارع، بل بالمناسبات الاجتماعية، والروابط العائلية الممتدة، وبحكايات الجدات التي ترويها الرياح في ليالي الصحراء.
2. سيمياء المكان الأول: رمزية الصمت والنسيج الوجداني
في مسقط الرأس، كل زاوية حكاية. لا لأن فيها حدثًا كبيرًا، بل لأن الذاكرة النفسية تُعيد تشكيل العادي وتمنحه هالة من التقديس. فالشجرة التي كنا نلعب تحتها لم تعد مجرد شجرة، بل رمزٌ للزمن البريء. والنافذة المطلة على الزقاق لم تعد جزءًا من جدار، بل مرآة لحياة سابقة ما زالت تسكننا.
في الدوار وفم لڭصر بفم زڭيد، الرمزية تتجسد في تفاصيل دقيقة مثل صوت الأذان الذي يُعلِن موعد الفجر، أو رائحة الخبز التقليدي على الحطب، أو ضوء القمر الذي يغمر السهوب ليلاً. هذه العناصر الصغيرة تنسج علاقة خاصة بين الإنسان والمكان، حيث يصبح كل عنصر من عناصر البيئة علامة تدل على تاريخ شخصي وجماعي متجدد.
3. الهوية والارتباط بالمكان: بين الذاكرة والتاريخ
تُعدّ علاقة الإنسان بمسقط رأسه من أعمق صور الانتماء غير المشروط. فالمكان الأول يسبق كل اختيار، ويتشكل خارج نطاق الإرادة، لكنه رغم ذلك يبقى أحد أعمدة الهوية. وقد بيّنت دراسات علم الاجتماع الرمزي أن الشعور بالانتماء لمكانٍ معين، خصوصًا إذا كان مرتبطًا بمرحلة الطفولة أو التكوين، يخلق ما يُعرف بالهوية الوجدانية، التي تظل تشتغل على مستوى اللاوعي الجمعي والفردي معًا.
في السياق البدوي والقرى الجنوبية الشرقية المغربية، حيث تتداخل القيم والتقاليد مع الطبيعة المفتوحة، يُستدعى مسقط الرأس كرمز للحصانة الثقافية والوجدانية في مواجهة تحديات العولمة والهجرة. ويتقوى هذا الشعور من خلال مناسبات الاحتفال الجماعي، والأعراس، وطقوس الحصاد، التي تحافظ على تماسك المجتمع وتمدد الهوية.
4. من المكان إلى الوطن الرمزي: تجليات متعددة
إذا كانت المدن الكبرى تُعرَّف بما تقدمه من خدمات وواجهات حضارية، فإن القرى والبدْو، كالدوار وفم لڭصر بفم زڭيد، تُعرف بما تختزنه من أثر على النفس. ولهذا السبب، قد يكون المكان الأول أكثر التصاقًا بالفرد من الوطن بالمفهوم السياسي. لأن الأول يعيش فينا، أما الثاني فقد نعيش فيه دون أن نسكنه وجدانيًا.
في هذا السياق، تصبح مساقط الرؤوس نوعًا من الوطن الرمزي، أي الوطن الذي نحمله في دواخلنا حتى وإن رحلنا عنه جسدًا. وهذا الوطن الوجداني في فم زڭيد، حيث يُعتز بالتراث البدوي والحضاري، لا يُختزل في صورة فوتوغرافية أو مشهد بانورامي، بل في تفاصيل دقيقة: صوت الريح بين التلال، عبق الأعشاب البرية، وأصوات الأطفال تلهو في الأزقة الترابية.
5. سحر لا يُروى بل يعاش: الوِجدان أبلغ من الكلام
في نهاية المطاف، من الصعب أن نكتب عن مسقط الرأس دون أن نظلم تجربتنا معه. لأن ما يجعل المكان سحريًا ليس فقط ما فيه، بل ما نشعر به تجاهه. والسحر هنا غير قابل للوصف أو التكرار، لأنه نابع من تفاعل شخصي بين الإنسان والمكان والزمان.
ولهذا نقول: سحر مسقط الرأس لا يُحكى عن، بل يُعاش.
في دوار وفم لڭصر بفم زڭيد، يستمر هذا السحر في أذهان أبنائه، حتى مع مغادرتهم، فهم يحملون معهم دفء الماضي، وأصالة المكان، ورائحة الأرض التي شكلت وجودهم. هناك، حيث يبدأ كل شيء، يعود الإنسان كل مرة، لا ليسترجع ماضياً فقط، بل ليستعيد ذاته الأصيلة التي ربما غابت عنه وسط ضجيج العالم.
• خلاصة:
من العبث محاولة تفسير العلاقة بمسقط الرأس على نحو عقلاني صرف. فالمكان الأول لا يُقاس بجماله أو تطوره، بل بما يخلفه فينا من أثر. إنه لحظة شعورية متكررة، تتجدد كلما ضاقت بنا الدنيا، أو باغتنا الشوق. ولذلك، يبقى هذا المكان فينا حيًّا، حتى حين يُنسى، وحتى إن تغيّر شكله؛ لأنه ببساطة: هو نحن في صورتنا الأولى، وفي دوار وفم لڭصر بفم ز زڭيد، هو ذاكرة تكتب ذاتها في النفوس قبل الخرائط.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...