أشرف لعروصي يقدم مراجعة في كتاب التيجاني بولعوالي: “صناعة التطرف في الغرب: تبصرات في الراديكاليات الدينية والسياسة والفردية” 2/3

إيطاليا تلغراف

 

 

 

 

هيكل الكتاب

يقدم الكاتب مقاربته في 128 صفحة، خصص 5 صفحات منها للمقدمة، ثم أتبعها سبعة فصول أفرد فيها فرضياته باستدلالاتها، ثم ذيلها بخاتمة في صفحتين جمع فيها خلاصات الحجج التي قدمها عبر مختلف محاور الكتاب وأكد فيها فرضيته الأولى وهي أن التطرف لا هوية له.
يمتد الفصل الأول في 11 صفحة، من الصفحة 9 إلى الصفحة 20، عنونه الكاتب “التطرف ومعركة المصطلحات”. يتمحور الفصل، الذي قسمه الكاتب إلى أربعة مباحث، حول فكرة مهمة في النسيج الحجاجي للكتاب وهي الدور الجوهري لــ “صراع المصطلحات” في صناعة التطرف، فمفهوم الصراع عند الكاتب يمر بالضرورة عبر ثلاثة مستويات، أولها المستوى السيكولوجي، وهو مستوى الوعي النفسي والذهني، ثم يليها المستوى اللغوي التواصلي، حيث يتم تداول المصطلحات بمفاهيم محددة هي التي تشكل ملامح المستوى الذي بعده، وهو الترجمة السلوكية لكل ما سبق على أرض الواقع. ويرسم الكاتب من خلال هذا تصورا دقيقا للفرق بين مصطلحات غالبا ما يتم الخلط بينها رغم أنها تتباين في المعنى بشكل جذري، فالراديكالية في نظره عبارة عن التصورات والتمثلات الذهنية، أما التطرف أو الإرهاب عنده فيتعلقان بصميم التصرفات والسلوكيات العملية. من هذا المنطلق، يوضح الكاتب أن إسقاط مصطلحات من قبيل الراديكالية والأصولية والأرثوذوكسية والإرهاب في الإعلام الغربي على الإسلام هو قراءة للإسلام بمفاهيم غربية غريبة لا تمت له بأي صلة، بمعنى أن الإعلام الغربي باستخدامه لهذه المصطلحات يلصق به مفاهيم أيديولوجية لترسيخ صورة نمطية مغلوطة عنه.
ويحتل الفصل الثاني 20 صفحة من مجموع صفحات الكتاب، من الصفحة 21 إلى الصفحة 40، عنونه ب: “أدلجة الدين وعولمة الخوف” ويتكون من أربعة مباحث أيضا. خصص الكاتب هذا الفصل للتأمل في ما سماه “الظاهرة الداعشية” بوصفها ظاهرة شاذة عن جوهر الإسلام، وملابسات نشأتها، وأبعادها الإعلامية والرمزية والسيكولوجية والأمنية، وتعدد التفسيرات حولها، ثم دورها في عولمة الخوف. وقد ساق الكاتب هذه الظاهرة كمثال تاريخي في العصر الحديث عن الراديكالية الدينية التي عرفت لها ظواهر مشابهة في التاريخ الإسلامي، ولو بشكل محدود، والتي انتعشت في عصرنا الحالي بفعل تعقيدات السياسات الدولية والتدخلات الأجنبية في الشؤون الداخلية لمنطقة الشرق الأوسط، الشيء الذي زاد من حدة الظاهرة وكرسها في الواقع بدافع الكيد للإسلام والمسلمين، فضلا عن الدوافع المرتبطة بتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية آنية. كما ساق الكاتب هذه الظاهرة أيضا لتبيان دور البعد الإعلامي في عولمة الصور النمطية المغلوطة عن الإسلام، وذلك بعد أن أورد الكاتب أمثلة عن أخبار وفيديوهات أثبت أنها كاذبة توردها محركات البحث عن تنظيم داعش رغم أن هذه الأخيرة حسب الكاتب ارتكبت بالفعل جرائم تنهى عنها الشريعة الإسلامية التي تدعي أنها تقيمها؛ وهذه الأمثلة تبين أن الإعلام تحكمه ازدواجية بارزة تتراوح بين قطبي الشفافية والتمويه أو الصدق والكذب، تسهم بشكل مباشر في ترسيخ صور كاذبة عن الإسلام ليس من اليسير محوها من ذاكرة المتلقي الغربي حتى لو انتهت الظاهرة نفسها، وهي ما يخلق لنا ظاهرة جديدة سماها الكاتب “عولمة الخوف” وهي نفسها التي أنتجت ما يعرف بالإسلاموفوبيا.
عنون الكاتب الفصل الثالث ب”السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وتغذية الإرهاب”، وهو فصل في عشر صفحات، من الصفحة 41 إلى الصفحة 50، وقُسم إلى أربعة مباحث. في هذا الفصل يقدم الكاتب مراجعة لكتاب “داعش قادرة على كل شيء” للكاتب هانس ياب ميليسن Hans Jaap Melissen الذي ألفه باللغة الهولندية وصدر عام 2015، وهو حسب الكاتب مؤلف يعرض رؤية مختلفة عن الرؤى السائدة في المؤلفات والكتابات التي تتناول القضية نفسها، فميليسن ليس مجرد إعلامي وصحفي متمرس بل هو كذلك شاهد عيان عايش الأحداث من خلال تنقلاته الميدانية المستمرة في سوريا والعراق، الأمر الذي مكنه من تناول الظاهرة بقدر عال من الموضوعية ومن التعمق في التنقيب عن الجذور الحقيقية التي أفرزتها. يقول الكاتب أيضا إن رؤية ميليسن لموضوع التطرف تشكلت قبل ظهور داعش، وذلك من خلال معاينته أحداث 11 سبتمبر، فهو يكذب الفرضية الرسمية الغربية التي تسوّغ غزو العراق بوجود أسلحة دمار شامل فيها وبوجود تنسيق بين صدام والقاعدة، وهي المزاعم التي لا دليل عليها لحدود اللحظة حسب ميليسن. كتاب ميليسن بكل هذه الحَمولة هو شهادة موضوعية معاكسة للتيار، تيار الرواية الغربية عن التطرف في الشرق الأوسط وعن الإسلام، وهي الرواية ذاتها التي يبرهن الكاتب على أنها مجرد صدى للاستخبارات الأمريكية لتبرير تدخلها السلبي في المنطقة، هذا التدخل نفسه الذي يشدد ميليسن في كتابه أنها تغذي التطرف وتسهم في نشأته.
أما الفصل الرابع، فجاء تحت عنوان “الراديكالية الدينية وسيكولوجية التطرف” في ثمان صفحات، من الصفحة 51 إلى الصفحة 58، وفي ثلاثة مباحث. خصص الكاتب هذا الفصل لبحث الأسباب النفسية والاجتماعية التي تدفع الأفراد نحو التطرف، أهمها الجهل المعرفي والجاهلية الأخلاقية. ويبين الكاتب من خلال ذلك أن المنتمين لهذه الظاهرة أو لهذه المكونات الإرهابية يغلب عليهم قصور النظر وفرط الحماسة والأحوال النفسية الصعبة التي تجعلهم يصبحون ضحايا للجهل وللأفكار المتطرفة الشاذة عن تعاليم الدين التي جاءت لتحاربها أصلا، لذلك كثيرا ما يلاحظ عليهم الإقلاع عن هذه السلوكيات والتوبة منها إذا ما قاموا بمراجعات فيها ووجدوا من يأخذ بأيديهم إلى جادة الصواب.
في الفصل الخامس الذي عُنون “مقاربات التطرف وهيمنة الهاجس الأمني” وأُفرد في 17 صفحة، من الصفحة 59 إلى الصفحة 75، وقسم إلى ثلاثة مباحث، يسوق الكاتب أمثلة عن الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها فرنسا وبلجيكا لينتقد المقاربات الأحادية التي تعالج بها هذه البلدان ملف الإرهاب والتطرف، والتي تركز في تفسيرها على العامل الأمني، علما أن الظاهرة مركبة وتتداخل في تكوينها عوامل متعددة، ثقافية واجتماعية وغيرها، الشيء الذي يقتضي ويستلزم إعمال المقاربة الشمولية الأكثر نجاعة في تشخيص الظاهرة ومعالجتها؛ ويقول الكاتب إن المقاربة الأمنية التي تواجه بها فرنسا وبلجيكا وغيرهما من البلدان التي تعاني من الظاهرة نفسها هي مقاربة “متقادمة وبالية وتقليدية” لأنها تغض الطرف عن الجوانب التربوية والاجتماعية للظاهرة ، وأنها لا تفضي إلى حلول دائمة لأن العنف لا يولد إلا مزيدا من العنف. ثم يفصل الكاتب في المبحث الثاني في تحليل أنماط الأفراد الذين يكونون أكثر عرضة للوقوع في شرك التطرف ويستعين بنماذج مفكرين حاولوا استيعاب إشكالية التطرف من أجل توفير فهم أعمق للظاهرة بهدف صرف النظر إلى الحلول الشمولية التي تستوجبها بدل المقاربة التقليدية التي ينهجها الغرب.
وخصص الكاتب 19 صفحة للفصل السادس، من الصفحة 76 إلى الصفحة 95، وقد عنونه “الراديكالية الفردية وازدواجية الخطاب الغربي”، وتحدث فيه عن الراديكالية الفردية من خلال مثال الملكة الهولندية التي تعرضت لهجوم إرهابي في عيد ميلادها، الحادثة التي جاءت على حين غرة خلفت ضجة إعلامية ومحاولات كثيرة لتفسير السبب والمسبب، لتتجه أصابع الاتهام، كما جرت العادة، صوب الجهات الإسلامية، وليتضح في ما بعد أن المنفذ أبيض والأسباب التي دفعته لفعلته اجتماعية نفسية بحتة. ويعيب المؤلف على المحللين والخبراء والإعلامين الغربين كيلهم للظاهرة بمكيالين، فحينما يتعلق الأمر بالمسلمين يركزون على العامل الديني، وحيث يكون الأمر متعلقا بأبناء جلدتهم يحاولون تفسيرها بحالات نفسية مرضية تخلع عن أصحابها صفة الإرهاب، فلا يوصفون بالتطرف.
أما الفصل السابع والأخير، فقد خصصه الكاتب للحديث عن الراديكالية السياسية التي يقصد بها “كل تيار سياسي يرفض الحضور الإسلامي والأجنبي في المجتمعات الأوروبية والغربية”، وقد جاء في 15 صفحة، من الصفحة 96 إلى الصفحة 110، وعنونه بـــ “الراديكالية السياسية من الاستقطاب إلى التطرف”، وقسمه إلى ثلاثة مباحث. يوضح الكاتب من خلال الفصل أن الحركات السياسية الشعبوية تستغل خطاب الخوف من الآخر لتعمق الكراهية تجاه المسلمين وتجعلهم عرضة للهجمات الإرهابية، ومن ثم تحقيق مكاسب انتخابية. ويَلفت الكاتب انتباهنا الى أن الحركات الراديكالية السياسة (اليمينية)، التي ظهرت في المجتمعات الغربية بحُسبانها ردَّ فعل ضد المهاجرين إليها من دول الجنوب الذين ينحدرون من هويات مغايرة للهوية الاوروبية ولا سيما من الهوية الاسلامية، ترفض اندماجهم أو بالأحرى تريد لهم اندماجا سلبيا ينسلخون فيه عن هوياتهم الأم؛ وردة الفعل تلك صارت تتنامى كثيرا في العقود الأخيرة وتأخذ أشكالا من الشعبوية التبسيطية في مقاربة قضية إشكالية التعدد الثقافي في المجتمعات الأوروبية من طرف اليمين واليسار على حد سواء.

أشرف لعروصي

نشرت في مجلة اجتهاد للدراسات العربية والإسلامية، الصادرة عن مركز اجتهاد للدراسات والتكوين ببلجيكا، المجلد2، العدد3، يونيو 2025.
رابط المراجعة كاملة: https://journal-ijtihadcenter.com/index.php/ijias/article/view/104/82.

إيطاليا تلغراف


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...