عبد الله مشنون
كاتب صحفي مقيم في ايطاليا
في موجة جديدة من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، استشهد 67 فلسطينيًا بينهم نساء وأطفال، وأصيب العديد، في سلسلة غارات جوية استهدفت منازل وأبراجًا سكنية، كان آخرها تدمير “برج السوسي” السكني الذي يضم أكثر من 60 شقة سكنية. هذا التصعيد يأتي في ظل استمرار الحصار الإسرائيلي الخانق الذي يعمق معاناة السكان ويزيد من تدهور الأوضاع الإنسانية.
تواصل القوات الإسرائيلية استهداف الأبراج السكنية في مدن غزة المختلفة، مدعية وجود بنية تحتية عسكرية لحركة حماس داخلها، وهو ما تنفيه حركة المقاومة والسلطات المحلية بشدة، مؤكدين أن هذه الأبنية مدنية بالكامل وتضم آلاف السكان. إن هدم هذه الأبراج يُعد تهجيرًا قسريًا وتدميرًا ممنهجًا لمنازل المدنيين، ووسيلة لإجبار السكان على النزوح في ظل نقص حاد في الموارد والمساعدات.
في الوقت الذي تشتد فيه الغارات وتتصاعد عمليات الهدم، تظل المعابر الحدودية مغلقة بشكل شبه كامل، لا سيما معبر رفح الذي يُعتبر شريان الحياة الوحيد لسكان القطاع. آلاف الشاحنات المحملة بالمساعدات الإنسانية تقف على الجانب المصري، بينما تمنع إسرائيل مرورها، مما يؤدي إلى أزمة غذاء حادة وندرة في الأدوية والخدمات الأساسية.
يتفاقم الوضع الإنساني في غزة بشكل كارثي، وسط نقص حاد في المياه الصالحة للشرب، وارتفاع معدلات الإصابة بالأمراض، وتزايد أعداد النازحين الذين فقدوا منازلهم جراء القصف. ومع ذلك، يظل المجتمع الدولي غائبًا إلى حد كبير عن اتخاذ خطوات فعالة لوقف هذه المأساة، ما يثير تساؤلات حول جدية الالتزام بالقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان.
لا يمكن فهم هذه الأزمة بمعزل عن السياق الإقليمي والدولي، حيث يلعب كل من مصر، قطر، والأمم المتحدة أدوارًا حيوية في التخفيف من الأزمة عبر فتح المعابر وتقديم الدعم الإنساني، ولكن هذه الجهود تواجه تحديات جسيمة بسبب التعنت الإسرائيلي.
كما يقع على عاتق المجتمع الدولي مسؤولية الضغط على الاحتلال لوقف الهجمات وحماية المدنيين، والعمل على إيجاد حل سياسي شامل يضمن حق الفلسطينيين في العيش بكرامة وأمان. إن استمرار حالة الحرب والحصار لن تؤدي إلا إلى مزيد من الدمار والعنف، ما يحتم إيجاد آليات سلام عادلة تستند إلى القانون الدولي.
غزة اليوم ليست مجرد ساحة صراع عسكري، بل هي اختبار حقيقي للضمير الإنساني والعالمي. سقوط الشهداء وهدم المنازل والتهجير القسري يفرض على الجميع مسؤولية أخلاقية وسياسية للعمل على وقف هذه المأساة، وفتح مسارات للحوار والسلام. ما يحدث في غزة ليس مجرد أرقام وإحصائيات، بل قصص حياة وأمل يتحطم يوميًا تحت أنقاض الأبنية المهدمة وقذائف الحرب.
في خضم هذا الواقع المؤلم، تبقى الحقيقة واحدة: العدوان على المدنيين الأبرياء، واستهداف المنازل، هو انتهاك صارخ لكل القوانين الدولية، ويتطلب تحركًا عاجلًا من كل من يهمه السلام والإنسانية.





