بقلم: ماهر الملاخ
تفاعلا مع المقال الذي نشره الاستاذ المفكر الداعية محمد الدكالي، والذي يتفاعل بدوره مع حوار أجراه المرجع المقاصدي الشيخ أحمد الريسوني، تحت عنوان: “حول أزمة العلماء”، والذي نشره موقع “إيطاليا تلغرام” يوم 21 نوفمبر 2025، ونظرا لما جاء فيه من أفكار غنية، تصلح لتخصيص كل منها بورش فكري علمي خاص، سأحاول ان أكثف ما جاء فيه من معان، في ست وقفات، مع إعادة انتاجها حسب قدرة التفكير وإمكانية التعبير.
فليس المقال الذي نناقشه، للاستاذ محمد الدكالي، مجرد توصيفٍ لأزمة العلماء، بل هو قراءة تشخيصية عميقة تُنبّه إلى أنّ الخلل لم يعد في “قلّة الفتوى” بل في “ضمور الصيرورة”: أي انقطاع العلامة الشرعية عن حركتها الوجودية داخل الزمن. الكاتب يلتقط هذا الخلل من زاوية اجتماعية وثقافية، ويمكن — بمنظار التشكل والتحرك — تحويله إلى منظار منهجي يعيد ترتيب علاقة الفقيه بالواقع، والعالِم بالمجتمع، والشاب بالمهمة.
أولا: فقه الواقع وفقه المستقبل: الدلالة الناقصة:
عندما يقول الأستاذ محمد الدكالي إلى عجز العلماء عن إغفال فقه المستقبل، فهو يحدّد بدقة فجوةً في “الحالة التكوينية للعلماء” داخل نموذج تشكلهم العلمي: فالمستقبل ليس تخمينًا، بل هو امتداد دلالي يولّده تقاطع الصيرورات القائمة. والعالِم الذي لا يصوغ “احتمالاته” يفقد القدرة على إنتاج “تناظره” مع الزمن، فيتحول علمه إلى تراث أرشيفي في حياته. وأكثر ما يكشف هذا النقص هو غياب الدراسات الميدانية التطبيقية؛ وهي تمثل انتقال العلامة من التشكل البنيوي إلى التحرك الديناميكي، أي من المفهوم إلى الأثر. إنّ العالم الذي لا يتواصل مع الواقع بهمومه اليومية وقضاياه المصيرية يفقد شرط التحقق الدلالي، فيغدو علمه عملة غير قابلةة للصرف.
ثانيا: أزمة العلماء ليست في العلم بالماضي… بل في “العجز عن العبور الى المستقبل”:
إن أزمة العلماء ليست في العلم بالماضي… بل في العجز عن العبور إلى المستقبل. فليست المشكلة أنّ العلماء يجهلون التراث؛ فهم يحفظونه ويحسنون شرحه. تكمن المشكلة في كون المعرفة الراسخة لا تتحول إلى قدرة على صناعة غدٍ مختلف. فليس العجز في “العِلم”، بل في أدوات العبور: في القدرة على نقل العلم من زمنٍ اكتمل إلى زمنٍ يتشكل. فما ينقص العلماء اليوم ليس المخزون المعرفي، بل قدرة الدلالة العلمية على الانتقال عبر “الجسر” الذي انقطع.
فالجسر هنا هو إنه مجموعة القدرات التي تسمح للفكرة أن تعبر من “المعنى” إلى “الأثر”، ومن “الماضي” إلى “الغد”. حيث يشير المقال إليها بدقة، وهي:
- فقه الواقع: وهو مهارة التقاط صيرورة الزمن الحاضر. بدونه يتحول العلم إلى تحفٍ تراثية جميلة… لا تتحرك.
- فقه التنزيل: وهو القدرة على إسقاط الأحكام على سياقات جديدة لم يعرفها القدماء. بدونه يبقى الفقه نظريًا، محكومًا بلغة عصر آخر.
- أدوات العمل: هي البنية التقنية التي تسمح بترجمة العلوم إلى برامج، ومبادرات، ومؤسسات. بدونها تبقى المقاصد قيمًا مجردة، لا برامج إصلاح.
- الحضور الميداني: وهو اختبار العلم على الأرض. إن غاب، بقيت الفكرة بلا “نقطة تحقق عملي”.
- فهم العصر: وهو الوعي بالسرعة والتقنيات والتحولات والمنطق الجديد للعالم. إن غاب، تحوّل الخطاب إلى صوتٍ لا يسمعه أحد.
- الانخراط في القضايا: وهو تحويل العلم من “متابعة نظرية” إلى “اشتباك مسؤول”. إن غاب، ظل عالمٌ بلا أثر، ومجتمعٌ بلا دليل.
إن العلم وحده لا يكفي، وما لم يمتلك العالِم جسر العبور، أي القدرة على تشغيل العلم داخل حركة الزمن، فسيظلّ واقفًا على ضفته، بينما تعبر المجتمعات إلى ضفاف أخرى. إنّ مستقبل الأمة لا يحتاج علماء يحفظون ما كان بل علماء يعبرون بما كان نحو ما سيكون.
ثالثا: المدارس التجديدية: لحظات “كسر التناظر التقليدي” داخل حقل العلماء:
عندما يتحدث المقال عن المدارس الجديدة، مثل مدرسة الرؤية الدعوية، والمدرسة المقاصدية، ومشروع النهضة، ومدرسة إسلامية المعرفة.. فهو يصف ما يمكن تسميته ب”مرحلة كسر التناظر التقليدي” داخل البنية القديمة، أي ظهور نماذج فكرية تُعيد إدخال الحركة في مجال استقرّ طويلًا على السكون والتقايد والثبات.
هذه المدارس تمثل “لحظات تحقّق اجتهادية” دلالية لأنّها: تعيد وصل النص بالواقع، وتعيد وصل العقل بالمقصد، وتعيد وصل العلم بالتخطيط، وتعيد وصل الأمة بزمنها.إنها ليست تطويرًا للتراث، بل إعادة تشكيل لـ“البنية المفاهيمية” داخل الحقل العلمي الإسلامي.
رابعا: الشباب بين “أزمة الوسائل” و”أزمة المواقع”:
إن الجزء المتعلق بالشباب هو الأكثر تعبيرا عن الازمة البنيوية في مجال العمل الاسلامي بشقيه العلمي والدعوي: فالقيادات متشبثة بمواقعها رغم شيخوختها، و الآليات متحجرة رغم ضعف فعاليتها، والعمل ظل شكليًا رغم ضعف انتاجيته وارتفاع تكلفته، والمهارات غائبة والدورات كمية سطحية.. في حين يتحرك الواقع بسرعة لا تدركها الوسائل.
هذا يعني أنّ مستوى تفاعل العلاقات مُعطَّل داخل بنية العمل، ومكوّن الإيجاب والفعالية لا يتحقق بالقدر المطلوب، لأنّ الشباب لا يُمكَّنون من صناعة الحركة، وإنما يُخضّعون لملء المقاعد الشاغرة. في حين الدور الحقيقي للشباب هو أن يكونوا: العنصر الأساس في البنية، والمحرك الديناميكي للتناظر، والجهة الاولى المنوط بها توليد العمل العامي والدعوي داخل المجتمع. فالعمل الدعوي ليس “جلسات يُجلّسونها”، بل فعل تزامني مع الوقائع يعبّر عن حركة القيم في الشارع والجامعة والشركة والإدارة وكل الفضاء العام.
خامسا: قيمة التعاون: الدلالة المؤسِّسة الغائبة:
إن إعادة تذكير المقال بأنّ قيمة «وتعاونوا على البر والتقوى» تحتل درجة الوجوب تماما كقيمة «أقيموا الصلاة» ليست مجرّد لفتة فقهية؛ بل هي إعادة تشكيل لسلمية القيم الاسلامية: إذ “التعاون” هو آلية التناسب بين الصيرورات الفردية. فكل شخص يتحرك ضمن صيرورته الخاصة (معرفته وخبرته وجهده ومساره)، وهذه الصيرورات تبقى مبعثرة ما لم يوجد عامل ينسّقها ويجعلها تتناسب وتتفاعل.
وهو الشرط الذي يضمن انتقال الدلالة من الحالة الإدراكية إلى الحالة التحولية. وبدونه، تتحول الأمة إلى مسارات منفصلة غير قابلة للتكامل. فكل نهضة، كما يشير المقال، قامت على تواتر البنيات وتكاملها: كمؤسسات وشبكة مدنية ومؤسسات دولة ومجتمع ونخب..
سادسا: العلامة الإصلاحية بين النص والواقع: أين تقع نقطة التحقق؟
ينتهي المقال إلى نتيجة بالغة الاتساق: فلا أمل في إصلاح الأمة ما لم تنزل الأفكار إلى الأرض. وهذه هي نقطة التحقق؛ النقطة التي تلتقي فيها البنية والثقافة والفكر مع الحركة الاجتماعية والواقع والزمن، لبناء حالة سيميائية جديدة تُسمّى “الحالة التحولية”. بمعنى أن الفكرة التي لا تُختبر، لا تتحول. والعالِم الذي لا يشتبك بالنوازل، لا ينتج أثرًا. والمؤسسة التي لا تخرج إلى المجتمع، تظل نصًا غير مستقر. والشباب الذين لا يوجدون خارج موقع القرار والتأثير ويملكون وسائل العمل، يظلون طاقات خامدة. بهذا يتحول المقال من “نقد أزمة العلماء” إلى “دعوة لتدشين صيرورة جديدة في العمل العلمي والدعوي”.
خلاصة :
يمكن قراءة المقال كصورة دلالية لثلاث فجوات كبرى:
– فجوة البنية: وذلك حين يعاد إنتاج التراث بلا توجيه نحو قضايا العصر.
– فجوة العلاقات: وذلك ضعف أدوات العمل، وغياب بناء القدرات اللازمة والفاعلة، ثم غياب التنظيم المحترف رغم طول تجريب.
– فجوة الوقائع: انفصال الفكر عن الميدان، وعدم إجراء دراسات تطبيقية.
ولذلك، يصبح التجديد الحقيقي هو: إعادة تشغيل الصيرورة داخل العقل الإسلامي، وإعادة تشغيل التناظر داخل المجتمع. فحين ستلتقي البنية الناضجة بالحركة المتحرّرة، يولد “المعنى الفعّال”: المعنى الذي يُحدث أثرًا في الآفاق وفي الأنفس، لا المعنى الذي يُستعاد في الكتب والخطابات.





