طارق ماجد بورسلي
بينما كانت ألسنة اللهب تتصاعد من المنشآت الحيوية في الخليج العربي جراء الاعتداءات الايرانية السافرة، كان الحبر “البارد” ينساب في أروقة جامعة الدول العربية بصياغات خشبية لم تعد تسمن ولا تغني من جوع. إن المشهد الأخير، الذي اتسم بالهزالة والتردد تجاه التهديدات الإيرانية للأمن الخليجي، لم يكن مجرد “سقطة دبلوماسية” عابرة، بل كان “شهادة وفاة” إكلينيكية لمنظومة يبدو أنها اختارت أن تعيش في الماضي، بينما يطحن الحاضر عظام المنطقة.
تثبت الأحداث المتلاحقة أن “بيت العرب” يعاني من انفصام حاد بين الواقع والطموح. ففي الوقت الذي تواجه فيه دول مجلس التعاون الخليجي حرباً من طراز حديث، تعتمد على المسيرات الانتحارية والهجمات السيبرانية والوكلاء العابرين للحدود، لا تزال الجامعة العربية تدير أزماتها بعقلية “الخمسينيات”؛ حيث البيانات الطويلة والنتائج الصفرية.
إن “صناعة الإدانة” التي تخصصت فيها الجامعة العربية لم تعد تجد مشترياً في سوق السياسة الدولية. فالقوة اليوم لا تُقاس بعدد الكلمات في البيان الختامي، بل بالقدرة على الردع وحشد التحالفات الصلبة، وهو ما عجزت عنه الجامعة نتيجة هيكليتها “البيزنطية” التي تمنح حق “الفيتو المبطن” لأي دولة عضو قد تميل هوىً أو مصلحةً نحو الطرف المعتدي.
القراءة المتأنية للسلوك السياسي الخليجي الأخير تشير إلى “تغير في العقيدة الأمنية”. لقد أدركت الرياض وأبوظبي وبقية العواصم الخليجية أن الرهان على “الغطاء العربي الجماعي” هو رهان على حصان خاسر. لذا، رأينا تحولاً جذرياً نحو بناء القدرات السيادية من خلال الاعتماد على الدفاعات الذاتية والتحالفات التكنولوجية المتقدمة. وكذلك الدبلوماسية الواقعية التي تجاوز ممرات الجامعة العربية الضيقة لعقد تفاهمات مباشرة مع القوى الكبرى والإقليمية.
دول الخليج اليوم لم تعد تطلب من الجامعة العربية “جيشاً لإنقاذها”، بل كانت تنتظر “موقفاً أخلاقياً وسياسياً” يوازي حجم الدعم المالي والسياسي الذي تقدمه هذه الدول للمنظومة العربية. وعندما غاب هذا الموقف، بدأ “الطلاق النفسي” بين الممول (الخليج) والمؤسسة (الجامعة).
بالإجابة على سؤال المستقبلي المطروح حول استمرار الخليج في عضوية الجامعة العربية ، نحن لا نتوقع انسحاباً خليجياً صاخباً، فالدبلوماسية الخليجية تمتاز بالنفس الطويل. لكننا سنشهد حالة من “الهجر الدبلوماسي”. ستظل المقاعد محجوزة، لكن القرارات المصيرية ستُطبخ في غرف “مجلس التعاون” أو في قمم مصغرة تجمع القادرين على الفعل.
ستتحول الجامعة العربية، إذا استمرت بهذا الوهن، إلى مؤسسة “بروتوكولية” تشبه إلى حد بعيد منظمة الوحدة الأفريقية في أضعف حالاتها، أو منظمة التعاون الإسلامي في شقها الإداري. أما الأمن القومي، فسيكون له “أنياب” خارج حدود القاهرة، تُصنع في المصانع الحربية الخليجية وتُدار بعقول شابة لم تعد تؤمن بجدوى الخطابات الرنانة.
الخاتمة:
إن الجامعة العربية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما “ثورة هيكلية” تنهي بدعة الإجماع في القرارات المصيرية وتنشئ قوة ردع حقيقية، أو القبول بدور “المتحف السياسي” الذي يزوره القادة مرة كل عام لالتقاط الصور التذكارية.
لقد تجاوزت المسيرات الإيرانية حدود الجغرافيا، وتجاوزت معها دول الخليج أوهام العمل العربي المشترك بصيغته القديمة. فهل يستوعب القائمون على ما يسمى “بيت العرب” أن الجدران بدأت تتصدع، وأن الضيوف بدأوا بالفعل في البحث عن سكن بديل؟





