حين يصطدم استثمار الجالية المغربية بجدار النفوذ السياسي في أكادير: ملف بودرقة وكولحيان أمام مجهر العدالة
عبد الله مشنون
كاتب صحفي ومتابع للشأن السياسي
مهتم بالشؤون العربية، قضايا الهجرة، والبحث في الفكر والإسلام.
في اللحظة التاريخية التي يسعى فيها المغرب بكل ثقله المؤسساتي إلى ترسيخ دعائم دولة الحق والقانون وتحويل شعار ربط المسؤولية بالمحاسبة من مجرد صياغة دستورية إلى واقع ملموس يلمسه المواطن والمستثمر على حد سواء تبرز من قلب عاصمة سوس أكادير قضية لا يمكن وصفها إلا بأنها اختبار حقيقي لصلابة هذه المنظومة. إنها قضية السيد مصطفى بودرقة النائب الأول لرئيس المجلس الجماعي لأكادير والتي تجاوزت في أبعادها مجرد نزاع عقاري أو مالي لتصبح قضية رأي عام تطرح تساؤلات حارقة حول المسافة الفاصلة بين الحصانة السياسية الواقعية وسلطة القضاء السيادية. هذا المسؤول الذي يُنظر إليه باعتباره المحرك الفعلي واليومي لملفات كبرى في المدينة يجد نفسه اليوم في مواجهة اتهامات ثقيلة تتراوح بين النصب والاحتيال والتزوير وخيانة الأمانة وهي تهم تكتسي خطورة استثنائية حين تصدر في مواجهة شخصية تدبر الشأن العام وتوقع على قرارات تهم مصالح الآلاف من المواطنين.
المثير للصدمة في هذا الملف والذي أخرجه للعلن الإعلامي محمد واموسي وعدد من المتابعين بدقة للشأن المحلي ليس فقط طبيعة التهم الجنائية بل ذلك السيناريو السريالي الذي يرافق جلسات المحاكمة. نحن أمام مفارقة تثير الريبة وتغذي منسوب عدم الثقة فبينما يظهر السيد بودرقة بشكل طبيعي واعتيادي في الأنشطة الرسمية والاجتماعات التدبيرية واللقاءات التي توثقها عدسات الكاميرات داخل نفوذ مدينة أكادير يتحول فجأة إلى شبح غائب كلما حان موعد المثول أمام هيئة المحكمة. التبرير الجاهز والدائم يتمثل في كونه في مهمة رسمية خارج أرض الوطن وهو تبرير بات يثير سخرية مريرة لدى المتابعين الذين يرصدون حضوره الميداني في نفس الفترات تقريباً. هذا الوضع يطرح سؤالاً جوهرياً حول هيبة القضاء: هل أصبحت الصفة السياسية والقرب من مراكز القرار درعاً واقياً يسمح للمسؤول باختيار التوقيت الذي يناسبه للمثول أمام العدالة أو الأسوأ من ذلك التهرب منها تحت غطاء الواجب الوطني؟
إن جوهر هذه القضية يكمن في مأساة المستثمر المغربي المقيم بفرنسا محمد كولحيان الذي يمثل وجهاً من وجوه الجالية التي لبت نداء الوطن واستثمرت مدخرات سنوات من الاغتراب في مشروع عقاري بمنطقة مير اللفت. إن ما تعرض له كولحيان وفقاً للمعطيات المتداولة هو بمثابة صفعة لكل مجهودات الدولة في تشجيع مغاربة العالم على الاستثمار فحين يجد المهاجر نفسه في مواجهة مسؤول نافذ يتصرف حسب رواية المتضرر في الحقوق العقارية والمالية خارج إطار القانون ثم يرى هذا الخصم يتهرب من العدالة بذرائع واهية فإن الرسالة التي تصل إلى ملايين المغاربة في الخارج هي رسالة إحباط وتوجس. وما يزيد الطين بلة هو ما كشفت عنه الخبرة المالية القضائية والتي وصفتها مصادر مطلعة بأنها خريطة طريق تثبت اختلالات مالية وإدارية جسيمة تعزز فرضيات التزوير والنصب مما ينقل الملف من مجرد سوء تفاهم تجاري إلى جناية مكتملة الأركان تتطلب حزماً لا يلين.
لا يمكن فصل استمرار هذا المسؤول في ممارسة مهامه العمومية عن الصورة الكلية للمؤسسات الوطنية فكيف يمكن للمواطن أن يثق في وثيقة أو قرار يحمل توقيع شخص تلاحقه شبهات خيانة الأمانة والتزوير ويستعصي على الحضور أمام القاضي؟ إن هذا الوضع يضع المجالس المنتخبة والأحزاب السياسية المشكلة للأغلبية أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية كبرى إذ إن الصمت عن مثل هذه الممارسات يُفهم منه توفير غطاء سياسي يحمي المخالفين. إن أكادير اليوم وهي تقبل على رهانات تنموية ضخمة ومشاريع استراتيجية ملكية لا يمكنها أن تسمح بوجود مناطق رمادية في تدبيرها ولا يمكن أن تظل رهينة لملفات تكرس فكرة العدالة بسرعتين سرعة تطبق على المواطن البسيط وسرعة بطيئة ومترددة حين يتعلق الأمر بنخبة نافذة تتقن فن التواري خلف ستار المهام الرسمية.
في نهاية المطاف يبقى القضاء المغربي هو الحصن الأخير والرهان الأوحد لاستعادة التوازن. الرأي العام اليوم محلياً ووطنياً ومن طرف الجالية لا ينتظر فقط حكماً قضائياً بل ينتظر إشارة قوية تؤكد أن زمن الإفلات من العقاب قد ولى بلا رجعة وأن الصفة السياسية هي تكليف بالخدمة وليست تشريفاً يمنح صاحبه فوقية على القانون. إن قضية بودرقة ضد كولحيان ليست مجرد ملف في رفوف المحاكم بل هي ميزان لقياس مدى جدية المؤسسات في حماية حقوق المستثمرين وتطهير الشأن العام من كل شائبة تشوه سمعة المملكة في الداخل والخارج. الحقيقة وحدها المقرونة بالمحاسبة العادلة والشفافة هي الكفيلة بإغلاق هذا القوس وضمان عدم تحول الحماية السياسية إلى خنجر في خاصرة العدالة.





