في الوقت الذي يترقب فيه العالم مآلات المفاوضات الأمريكية الإيرانية، تتزايد في واشنطن التساؤلات بشأن أسلوب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في إدارة الأزمات الدولية، وسط اتهامات متنامية له باستخدام التصريحات المتناقضة والإشارات السياسية والاقتصادية لتحقيق أهداف تتجاوز طاولة التفاوض، لتشمل التأثير في الأسواق المالية والرأي العام الأمريكي.
وتكشف قراءة للصحف ووسائل الإعلام الأمريكية، عرضها مراسل الجزيرة مباشر في واشنطن عمرو حسن، عن صورة معقدة لإدارة ترمب للملف الإيراني، حيث تبدو الرسائل الصادرة عن البيت الأبيض أحيانا متباينة مع الوقائع الميدانية والتصريحات الرسمية الصادرة عن مؤسسات الدولة الأمريكية.
وفي أحدث الأمثلة على ذلك، أشار حسن إلى أن الرئيس الأمريكي اختار قضاء عطلة في أحد ملاعب الغولف بولاية فرجينيا في توقيت وصف بالحساس، بينما كان العالم يترقب الرد الأمريكي على المبادرة الإيرانية الأخيرة. ويرى مراقبون أن هذا السلوك يعكس طريقة ترمب الخاصة في التعامل مع الأزمات الكبرى، والتي تقوم غالبا على إرسال إشارات غير تقليدية تثير الجدل وتربك المتابعين.
ويبرز التناقض بصورة أوضح في ملف مضيق هرمز، إذ أعلن ترمب قبل أيام انتهاء ما وصفه بالإجراءات التي تعطل حركة السفن، بل وهنأ طواقم السفن العالقة بقرب عودتهم إلى عائلاتهم. غير أن القيادة المركزية الأمريكية أكدت في بيان لاحق استمرار عملياتها المرتبطة بالموانئ الإيرانية حتى نهاية مايو/أيار، ما يعني عمليا استمرار القيود التي تعيق حركة الملاحة، وهو ما اعتبره مراقبون دليلا على الفجوة بين الخطاب السياسي والواقع التنفيذي.
وفي تغطيتها لتطورات الملف، أشارت شبكة “سي إن إن” إلى أن الإدارة الأمريكية لا تزال متمسكة بمواقفها المتعلقة بفتح الملاحة في مضيق هرمز وتشديد الضغوط على إيران في ملف تخصيب اليورانيوم، إلا أن النقاش الأبرز داخل واشنطن يدور حول حجم التنازلات الاقتصادية التي قد تكون الإدارة مستعدة لتقديمها إذا جرى التوصل إلى اتفاق.
وتلفت الشبكة إلى أن أي خطوة تسمح لإيران باستعادة عشرات المليارات من الدولارات من أصولها المجمدة أو توسيع صادراتها النفطية ستضع ترمب أمام معضلة سياسية داخلية، إذ لطالما بنى خطابه السياسي على إستراتيجية “الضغط الأقصى” ضد طهران منذ ولايته الأولى، كما هاجم بشدة الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما عام 2015.
وبحسب القراءة الإعلامية الأمريكية، فإن ترمب يسعى إلى تجنب الظهور بمظهر الرئيس الذي يقدم تنازلات أكبر من تلك التي اتهم بها أوباما سابقا، وهو ما يجعل هامش المناورة أمامه أكثر تعقيدا في أي اتفاق محتمل مع إيران.
في المقابل، ركز موقع “أكسيوس” (Axios) على رواية مختلفة، إذ نقل عن مصادر أن الجانب الإيراني يتحمل مسؤولية تعطيل المفاوضات، إلا أن هذا الطرح أثار تساؤلات في أوساط المتابعين، خصوصا أن المؤشرات السابقة كانت تشير إلى وجود تقدم نسبي في بعض الملفات التفاوضية.
التأثير في الأسواق
وتتوقف القراءة الأمريكية أيضا عند نمط متكرر في تحركات ترمب الإعلامية والاقتصادية. فبحسب تقارير لمؤسسات اقتصادية وإعلامية أمريكية، اعتاد الرئيس الأمريكي إطلاق تصريحات إيجابية أو متفائلة بشأن الأزمات الدولية والتفاهمات المحتملة قبيل إغلاق الأسواق المالية نهاية الأسبوع، وهو ما يؤدي غالبا إلى ارتفاع مؤشرات الأسواق وأسعار الأسهم.
ويرى محللون أن هذه الإستراتيجية تمنح الإدارة الأمريكية فرصة لإبراز قوة الاقتصاد وتحسن أداء الأسواق، قبل أن تعود التصريحات لاحقا إلى نبرة أكثر تشددا أو غموضا بعد إعادة افتتاح الأسواق، ما جعل بعض المراقبين يصفون هذا الأسلوب بأنه إدارة سياسية للأخبار الاقتصادية تخدم الأجندة الداخلية للإدارة الأمريكية.
وفيما يتعلق بمستقبل المفاوضات، تشير التقديرات السائدة في واشنطن إلى أن غياب الضغوط الزمنية الحقيقية على الإدارة الأمريكية قد يؤدي إلى إطالة أمد المحادثات مع إيران. فالرئيس الأمريكي لا يواجه حاليا أزمة اقتصادية حادة تهدد شعبيته السياسية، كما أن أداء الأسواق المالية يمنحه مساحة أوسع للمناورة.
ويعزز هذا الانطباع استمرار كبار المسؤولين الاقتصاديين في الإدارة الأمريكية بالتركيز على قوة الاقتصاد الأمريكي بدلا من الحديث عن المخاطر المرتبطة بالملف الإيراني. فقد شدد وزير الخزانة سكوت بيسنت في تصريحات إعلامية على متانة الاقتصاد الأمريكي، متجنبا الخوض في تفاصيل المفاوضات الجارية مع طهران.
وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو واشنطن أمام مشهد تتداخل فيه السياسة الخارجية مع الحسابات الاقتصادية والانتخابية، حيث لا تقتصر إدارة ترمب للملف الإيراني على المفاوضات وحدها، بل تمتد إلى توظيف الرسائل الإعلامية والتصريحات المتغيرة والتأثير في الأسواق، ضمن إستراتيجية يسعى من خلالها إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب السياسية والاقتصادية بأقل قدر ممكن من التنازلات.
المصدر: الجزيرة





