اقتصاد كأس العالم.. تسريع للتنمية أم تكريس لظاهرة الفيلة البيضاء؟

إيطاليا تلغراف متابعة

مع تطور كرة القدم وتوسع شعبيتها وتأثيرها العالمي، أصبحت الدول تتنافس على استضافة كأس العالم باعتباره حدثا يتجاوز البعد الرياضي ويحمل في طياته أهدافا اقتصادية وتنموية واجتماعية، إضافة إلى أبعاد إستراتيجية ترتبط بالقوة الناعمة وبناء الصورة الذهنية والعلامة الوطنية، بما يعزز الحضور العالمي للدولة المضيفة.

في هذا المقال نستعرض تجارب آخر خمس نسخ من المونديال، من ألمانيا مرورا بجنوب أفريقيا والبرازيل وروسيا وصولا إلى قطر، لفهم طبيعة الأثر الذي يتركه هذا الحدث.

يرتكز التحليل على محورين رئيسيين:

  • الأول يتعلق بالأثر الاقتصادي.
  • الثاني بالأثر الاجتماعي ودور البطولة في تعزيز القوة الناعمة للدولة المضيفة.

تأثيرات متباينة

لم يكن حجم تأثير احتضان المونديال اقتصاديا بالمستوى نفسه في النسخ الخمس الماضية، فبينما لم تكن ألمانيا بحاجة إلى تطوير بنيتها التحتية وركزت على الأثر البعدي للمونديال من أجل تغيير صورتها في العالم، كانت مكاسب جنوب أفريقيا مؤقتة وتركزت حول فترة الحدث.

وفي نسخة البرازيل أثقلت تكاليف المونديال ميزانية البلاد، أما في روسيا فكان التأثير أكبر على الناتج المحلي وقطاعات السياحة والنقل والخدمات. ويبقى مونديال قطر نموذجا مركزيا في تقدير حجم التأثير الاقتصادي الإيجابي قبل انعقاد الحدث وأثناءه وبعده.

مونديال ألمانيا.. أثر اقتصادي محدود وتحسين للصورة الذهنية

بلغ الأثر الاقتصادي التقديري الكلي لمونديال 2006 على الناتج المحلي الألماني مستوى 3.2 مليار يورو (نحو 3.5 مليار دولار)، أي (0.13% من الناتج المحلي)، مدفوعا أساسا بإنفاق واستهلاك الزوار والسياح، وترافق ذلك مع إنتاج إضافي بقيمة 5.9 مليار يورو (نحو 6.4 مليار دولار)، كما استفادت الحكومة من مليار يورو (نحو 1.1 مليار دولار) عبارة عن إيرادات ضريبية.

وتركزت الاستثمارات قبل انعقاد المونديال على البنية التحتية كالنقل والملاعب، في حين تم خلق 34.8 ألف وظيفة بدوام كامل نتيجة حجم استهلاك إضافي بسبب المونديال قدر بـ2.8 مليار يورو (نحو 3 مليارات دولار) تم إنفاقه في مجالات الضيافة والترفيه والنقل.

وكانت قطاعات الضيافة والمطاعم والنقل والتجزئة الأكثر استفادة من احتضان المونديال والأكثر خلقا للوظائف، إلى جانب قطاعات أخرى تأثرت بشكل غير مباشر مثل تصنيع المنتجات الغذائية والمشروبات والطاقة، كما تقول دراسة بحثية بعنوان “تجارب تقدير الأثر الاقتصادي الكلي للأحداث السياحية الكبرى.. حالة استضافة كأس العالم لكرة القدم في ألمانيا “، للباحثين غيرد أهلرت وهولغر بريوس.

بالمقابل خلصت دراسة للباحثين فلوريان هاغن وفولفغانغ ماينينغ بعنوان “تأثير كأس العالم في ألمانيا 2006 على سوق العمل” إلى أن كأس العالم لم يؤثر بشكل ملموس على معدلات البطالة بين المدن المستضيفة للمباريات مقارنة بالمدن غير المستضيفة.

لكن الدراسة تجادل بأنه على الرغم من التأثير الضئيل على سوق العمل إلا أن ثمة قيما اقتصادية أخرى تحتاج إلى دراسة مفصلة قبل أن تقود نتائج البحث إلى استنتاجات تفيد بأن الأحداث الرياضية الكبرى غير مجدية اقتصاديا بشكل عام.

وتذهب الدراسة ذاتها إلى أن شعور السكان بالرضا والسعادة والتأثير الإيجابي للمونديال وتحسين الصورة العامة -رغم صعوبة قياسها كميا- قد تبرران تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى، وتقديم الدعم المالي للمونديال من الأموال العامة.

وتشير دراسة أخرى بعنوان “كرة القدم في ألمانيا: حدث رياضي وثقافي كبير لكن بدون آثار ملحوظة على الدورة الاقتصادية”، إلى أن حجم الاستثمارات المخصصة لتنظيم كأس العالم بلغت ما بين 5.5 إلى 6 مليارات دولار، تم تخصيص مليار دولار فقط منها لتوسيع وزيادة سعة الملاعب، وهو مبلغ لم يكن كافيا لإحداث التأثير الاقتصادي المطلوب أثناء سنوات التحضير للمونديال.

وعلى صعيد استخدام القوة الناعمة -وهو ما ركزت عليه البلاد- نجحت ألمانيا في استخدام كأس العالم بشكل مخطط له لإحداث تأثير بعيد المدى يتجاوز الأثر الاقتصادي، ويتعلق الأمر بتحسين صورة الدولة عالميا وبناء “علامتها الوطنية”، معتمدة في ذلك على حملات إعلامية قبل البطولة بسنوات، وجعلت الجمهور في قلب الحدث عبر خلق أجواء احتفالية مفتوحة فيما بات يعرف لاحقا بمناطق المشجعين (فان زون)، التي استقطبت نحو 15 مليونا، لتتحول هذه المناطق وشوارع ألمانيا إلى “مهرجان عالمي” مفتوح ينقل صورة مغايرة عن بلد عرف بالانضباط والصرامة.

وهذا ما أشار إليه الباحث جونثان غريكس في دراسة له بعنوان “توظيف الصورة والأحداث الرياضية الكبرى.. ألمانيا وكأس العالم لكرة القدم فيفا 2006 “، عندما أكد أن ألمانيا استخدمت إستراتيجية متعمدة لتوظيف الحدث من أجل تحسين صورتها بالخارج عبر حملات طويلة ومنسقة، بجانب نهج يتمحور حول المشجعين لخلق حالة من الشعور الإيجابي العام تجاه البطولة.

 

غريكس أضاف في دراسته أن ألمانيا ربحت رهان كسر الصورة النمطية عن الألمان وبناء صورة جديدة عن أمة حديثة وشعب ودود، بجانب تنمية شعور إيجابي وطني بشأن تنظيم البطولة نفسها، رغم الأثر الاقتصادي المحدود لهذا المونديال.

وبشكل عام رأت الدراسة أن العديد من الباحثين يعتقدون أن الدول دأبت على استخدام القوة الناعمة ضمن حزمة من “سياسة الجذب”، وتشجيع السياحة والتجارة وزيادة النفوذ الدولي.

مونديال جنوب أفريقيا.. “الفيلة البيضاء”

في تجربة جنوب أفريقيا، ظلت الآثار الاقتصادية للبطولة محدودة، على الرغم من النجاح الواضح “رياضيا وإعلاميا”، إذ استمتع الجمهور ببطولة آمنة ومنظمة بكفاءة، ونقل الإعلام العالمي صورة إيجابية عن هذا البلد الأفريقي.

وأوضحت دراسة بعنوان “اقتصاديات البيانات عالية التردد لكأس العالم لكرة القدم 2010: التأثيرات على الوعي والسياحة”، للمؤلفين وولفغانغ مينيغ وستان دو بليسيس، أن تأثير البطولة قصير المدى على قطاع السياحة -باعتباه قطاعا يعكس المتغيرات الإيجابية على التوظيف والدخل والضرائب- جاء أقل من المتوقع.

وتضيف الدراسة أن التوقعات المتفائلة بشأن قدرة الحدث على جلب قطاع واسع من السياح الدوليين بواقع 380 ألف زائر انعكست في صورة استثمارات ضخمة من القطاع الخاص في القطاع السياحي في السنوات التي سبقت البطولة، بينما لم تتجاوز الزيادة الصافية في السياحة الخارجية 90 ألف شخص، في حين كانت نسبة الإشغال في المدن التي استضافت مباريات المونديال بعيدة عن 100%، مما يعني -بحسب الدراسة- أن اقتصاد البلاد لم يستفد بشكل كامل من موارده.

وتشير دراسة أخرى بعنوان “تحليل تأثير كأس العالم لكرة القدم 2010 على جنوب أفريقيا.. طريق التحكم الاصطناعي” إلى أنه بناء على الإحصائيات فإن الناتج المحلي لجنوب أفريقيا نما بـ3% عام 2010 مقابل انكماش بـ1.5% في عام 2009، وتضيف أنه رغم هذا التحسن فإن ذلك لم ينعكس في صورة زيادة بمعدلات التوظيف، لكن تنظيم البطولة زاد من تدفقات السياحة.

وتنقل الدراسة عن بيانات البنك الدولي أن نسبة العاملين من السكان الذين تبلغ أعمارهم 15 عاما فأكثر كانت بحدود 44% في عام 2009، ونزلت إلى 41% في عام 2010، كما ظلت هذه النسبة أقل مما قبل المونديال في الفترة من 2010 إلى 2020، مما يعني أن الأثر طويل المدى لم يكن متطابقا مع التوقعات الأولية قبل تنظيم المونديال.

الدراسة نفسها تؤكد أن اقتصاد البلاد أدى بشكل أفضل في الفترة التي سبقت المونديال (2004-2009) بفضل طفرة في قطاعات التشييد والبناء والخدمات، وتشير إلى أن التكلفة التقديرية للتنظيم بلغت 3.9 مليارات دولار، خصص منها 1.3 مليار دولار لبناء وتجديد الملاعب.

وتؤكد الدراسة أن أعداد السياح شهدت قفزة بواقع 19% في عام 2010، مقابل 3% إلى 6% فيما بعد المونديال، في حين قفزت عائدات السياحة بـ18.7% في عام المونديال.

أما على المستوى الرسمي، فقد أعلنت البلاد أن عائدات نهائيات كأس العالم لكرة القدم دعمت الاقتصاد المحلي بما يعادل 4.9 مليارات دولار، وهو مبلغ يزيد على المبالغ التي أنفقتها جنوب أفريقيا استعدادا لاستضافة المونديال، في حين تم خلق 66 ألف وظيفة جديدة، وزار البلاد ما يصل إلى نصف مليون سائح أجنبي.

وتنقلنا دراسة بعنوان “هل حان وقت التحول جنوباً؟ الآثار الاجتماعية والاقتصادية للأحداث الضخمة في الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا”، إلى ما هو أشمل، وتقول إنه رغم الترويج للفعاليات باعتبارها فرصة تسويقية لجذب الاستثمارات وتحفيز التنمية وإبراز قوة الدولة، إلا أن تجربة الهند وجنوب أفريقيا والبرازيل في تنظيم الأحداث الرياضية الكبرى أثبتت أن الفئات الميسورة تستفيد على حساب الفقراء، رغم بعض الفوائد الاقتصادية، خاصة ما تعلق بتطوير البنية التحتية.

وتشير الدراسة إلى أن تجارب الدول النامية في احتضان المونديال تختلف عن الدول المتقدمة، فالأولى تضطر لبناء كل شيء من الصفر فترتفع التكاليف بشكل هائل، وغالبا ما تنتهي هذه الاسثمارات بـ”فيلة بيضاء”، وهو مصطلح يطلق على المشاريع الضخمة التي تكون بلا فائدة بعد الحدث.

وهنا تشير الدراسة إلى أن تكاليف تنظيم مونديال جنوب أفريقيا ارتفعت إلى 8.9 مليارات دولار، وهو رقم تجاوز بكثير التقديرات الأولية التي كانت بحدود 519 مليون دولار.

وترصد الدراسة ما أسمته بالقلق وقتها بشأن مستقبل استخدام الملاعب العشرة ما بعد المونديال، واحتمالات تحولها إلى “فيلة بيضاء”، أي مشاريع باهظة الثمن وغير مربحة، مما يزيد من الأعباء المالية على البلديات.

وتشير الدراسة إلى أن صيانة ملعب “موزيس مابيدا” تكلف 28 مليون راند (نحو 1.7 مليون دولار) سنويا دون أي استخدام له، وتؤكد على ضرورة تكييف مشاريع البنية التحتية مع الأولويات الاجتماعية والتعليمية والصحية للدولة، أكثر من تركيزها على متطلبات استضافة الأحداث الكبرى.

كما تحدثت دراسة أخرى بعنوان ” الطريق الوعر نحو الإرث.. دروس من برنامج ملاعب كأس العالم 2010 في جنوب أفريقيا” عن ظاهرة الفيلة البيضاء، وأشارت إلى أن الملاعب التي يتم إنشاؤها تصبح مباني مهجورة غير مستغلة نتيجة فشل في التخطيط الإستراتيجي لما بعد الحدث الرياضي، وأن تجربة جنوب أفريقيا أدت إلى وفرة في الملاعب ذات تصاميم مبالغ فيها، ولم تستغل بالشكل الأمثل.

الدراسة أكدت أنه كان هناك ضعف شديد بشأن استغلال هذه الملاعب من قبل فرق كرة القدم المحلية بعد المونديال، بل إن صيانتها باتت تكلف ما بين 30 إلى 70 مليون راند سنويا (نحو 1.8 مليون إلى 4.15 ملايين دولار).

في مقابل التأثير الاقتصادي المحدود وتكريس ظاهرة الفيلة البيضاء جاء التأثير الاجتماعي للمونديال ودور القوة الناعمة إيجابيا.

وتشير الدراسة السابقة لوولفغانغ مينيغ وستان دو بليسيس إلى أن التأثير الأوضح للمونديال لم يكن اقتصاديا بل تمثل في رفع مستوى الوعي العالمي بمكانة جنوب أفريقيا.

وقالت الدراسة إن كأس العالم زاد الاهتمام الدولي بجنوب أفريقيا في فترة الحدث الرياضي، في حين ساهمت التغطية الإعلامية المكثفة للمونديال في نقل مجريات منافسات كانت خالية من الحوادث، مما أتاح للبلد فرصة لتقديم نفسه للعالم بشكل مختلف عما كان رائجا عنه.

وحلت الصور الإيجابية مكان صورة امتزجت بأحداث الجريمة ومرض فقدان المناعة المكتسبة (الإيدز) والتوترات العرقية، مما قد ينعكس إيجابا على قطاع السياحة والاستثمار الأجنبي.

وترى الدراسة أن الشعور بالرضا قد يكون من أبرز النتائج الإيجابية للأحداث الرياضية الكبرى، وتشير إلى أن ذلك ظهر في إبداء المواطنين في جنوب أفريقيا استمتاعهم بالمونديال.

 

 

 

مونديال البرازيل.. احتجاجات وتضخم للتكاليف

وتشير دراسة بعنوان “كأس العالم لمن ولأي غرض؟.. نظرة على إرث بطولات كأس العالم في البرازيل وجنوب أفريقيا وألمانيا”، إلى أن دراسة لشركة “إرنست آند يونغ” المهنية المتخصصة توقعت أن يضخ كأس العالم 142 مليار ريال برازيلي (60.5 مليار دولار بسعر عام 2010) في الاقتصاد البرازيلي مع توليد 3.6 ملايين فرصة عمل سنويا من عام 2010 إلى عام 2014، لكن الواقع كان مختلفا، إذ تراجع نمو الناتج المحلي بقوة من 7.5% في عام 2010 إلى 0.9% عام 2012.

وترافق تنظيم نسخة 2014 مع احتجاجات شعبية واسعة وسط من رأوا أنه تحويل لأولوية الإنفاق من قطاعي الصحة والتعليم إلى بناء “الملاعب الفاخرة”.

وتشير دراسة بعنوان “كأس العالم لمن ولأي غرض؟.. نظرة على إرث بطولات كأس العالم في البرازيل وجنوب أفريقيا وألمانيا”، إلى أن دراسة لشركة “إرنست آند يونغ” المهنية المتخصصة توقعت أن يضخ كأس العالم 142 مليار ريال برازيلي (60.5 مليار دولار بسعر عام 2010) في الاقتصاد البرازيلي مع توليد 3.6 ملايين فرصة عمل سنويا من عام 2010 إلى عام 2014، لكن الواقع كان مختلفا، إذ تراجع نمو الناتج المحلي بقوة من 7.5% في عام 2010 إلى 0.9% عام 2012.

وأشارت الدراسة -التي نشرتها عام 2014 مؤسسة هاينريش بول بمدينة ريو دي جانيرو بالبرازيل- إلى تضخم تكاليف تنظيم المونديال، إذ قدرت في البداية بـ5 مليارات ريال (نحو 2.2 مليار دولار بسعر تلك الفترة) ثم ارتفعت إلى 30 مليار ريال (نحو 13.4 مليار دولار).

وأشارت دراسة أخرى بعنوان “الأثر الاجتماعي والاقتصادي لكأس العالم لكرة القدم 2014 – متلازمة الحدث الضخم”، إلى أن التوقعات كانت تتحدث عن مساهمة المونديال بـ2.2% في الناتج المحلي وعائدات ضريبية بـ9 مليارات دولار، لكن الاقتصاد البرازيلي نما بـ0.5% في عام 2014، وهذا أسوأ أداء منذ عام 2009، في حين تحول نمو الناتج المحلي إلى الانكماش بنسبة 3.7% في عام 2015.

وأوضحت الدراسة، التي أصدرتها مؤسسة سوليدار سويس وهي منظمة مساعدة العمال السويسرية، أن مديونية المدن المضيفة زادت بـ50%، في حين لم يتم تنفيذ سوى 65% من مشاريع البنية التحتية الحضرية المتفق عليها.

ووفق الدراسة كانت كلفة كأس العالم في البرازيل أعلى بـ5 مرات مما كان متوقعا، معبرة عن اعتقادها بأن هذه النفقات كان بالإمكان توجيهها لبناء 475 ألف منزل، لكن في المقابل فقد الآلاف من الباعة الجائلين مصدر رزقهم بسبب عمليات الهدم والإزالة لغرض البناء والتشييد المرتبط بالمونديال.

كما تعتقد الدراسة أن فوائد المونديال ذهبت إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) والشركات الكبرى، وأن خزينة الدولة حُرمت بالمقابل من 290 مليون دولار بسبب إعفاء (فيفا) وشركائها من الضرائب.

وترى الدراسة أن 4 ملاعب واجهت ظاهرة “الفيلة البيضاء”، وهي ملاعب لم تستكمل حتى بداية المونديال.

 

لكن استطلاعا أجرته مؤسسة معهد البحوث الاقتصادي لصالح وزارة السياحة البرازيلية أشار إلى أن البطولة ولدت مليون فرصة عمل، وضخت 30 مليار ريال برازيلي (نحو 12.7 مليار دولار) في الاقتصاد، وفق ما نقلت صحيفة ريو تايمز البرازيلية، في حين أشارت أرقام رسمية إلى أن الاستثمارات التي تم ضخها من الحكومة لتطوير البنية التحتية بلغت 17.5 مليار ريال (نحو 7.4 مليارات دولار بسعر عام 2014)، وقد خصص منها نحو 8 مليارات ريال برازيلي (نحو 3.4 مليارات دولار) للملاعب الخاصة بالمونديال.

وبالعودة إلى دراسة شركة “إرنست آند يونغ” التي صدرت عام 2014، فإن توقعاتها تحدثت عن تأثير مباشر لكأس العالم بحدود 64.5 مليار ريال (نحو 27.3 مليار دولار) في الفترة بين عامي 2010 و2014، وهو ما يعادل 2.17% من الناتج المحلي المقدر لعام 2010، كما توقعت تحصيل ضرائب بـ18.4 مليار ريال برازيلي (نحو 7.5 مليارات دولار).

تحدثت الدراسة كذلك عن أهمية القوة الناعمة والمكاسب المعنوية لاحتضان المونديال، معتبرة أن تحسين صورة البرازيل قد يكون أكثر أهمية من المكاسب المالية.

واعتبرت أن من بين الآثار المهمة للمونديال الظهور العالمي للبلاد عبر التغطية الواسعة للإعلام خلال الحدث، ما ينعكس إيجابا على القطاع السياحي، ودور الاستثمارات الموجه لقطاع الأمن في خفض معدلات العنف والجريمة.

لكن دراسة مؤسسة “سوليدار سويس” تشير إلى أن صورة البرازيل أصبحت أسوأ مما كانت عليه قبل كأس العالم، نتيجة الاضطرابات السياسية وقضايا الفساد وغيرها، وقالت إن الأثر الوحيد كان هو ارتفاع أجور العمال وتحسين وضعهم المهني، لكن ذلك جاء بسبب حملات الضغط من قبل النقابات والمجتمع المدني.

 

مونديال روسيا.. اختلاط السياسة بالرياضة

لم تكن الطريق معبدة لتنظيم مونديال روسيا 2018، فقد اختلطت فيه السياسة بالرياضة، إذ جاء بعدالتدخل العسكري الروسي لضم شبه جزيرة القرم، مما أثار مطالبات بسحب المونديال، لكن روسيا نجحت في تنظيم واحدة من أفضل نسخ هذه المنافسة العالمية.

ويشير تقرير للجنة المنظمة لكأس العالم روسيا 2018 (عُرض في أكتوبر/تشرين الأول 2018) إلى أن البطولة أضافت 14.5 مليار دولار للاقتصاد الروسي (نحو 1% من الناتج المحلي)، كما خلقت 310 آلاف فرصة عمل سنويا أثناء سنوات التحضير (2013-2018).

وتوقع التقرير وقتها تأثيرا إيجابيا على الناتج المحلي بين عامي 2013 و2023 يتراوح بين 26 و30 مليار دولار، كما توقع أثرا طويل الأجل للكأس ما بين 2.3 و3.2 مليار دولار في الفترة بين عامي 2018 و2023، ودخلا إضافيا لصالح السكان بواقع 7 مليارات دولار، حسب وكالة تاس الروسية وموقع الاتحاد الروسي لكرة القدم.

لكن تقريرا لوكالة موديز صدر قبل ذلك بأشهر انتقد التوقعات الروسية المتفائلة، وذكر أن الفائدة “الاقتصادية ستكون قصيرة الأجل”، وعزا التقرير ذلك إلى المدة القصيرة لكأس العالم والحجم الكبير لاقتصاد البلاد.

أما تقرير مركز الدراسات الشرقية (OSW) الصادر في سبتمبر/أيلول 2018 بعنوان “روسيا..عروض سرك بدلا من الخبز”، فأشار إلى أن بطولة كأس العالم في روسيا أصبحت وقتها الأعلى بتكلفة 13 مليار دولار، خصص منها 3.5 مليار دولار للبنية التحتية الرياضية.

وأشار التقرير إلى أن روسيا شيدت بنية رياضية وأخرى في مجال النقل والسياحة، وتوافد عليها 3 ملايين سائح أجنبي لحضور المونديال، لكنه توقع تأثيرا ضئيلا للاستثمارات والإيرادات المرتبطة بالمونديال على نمو الناتج المحلي للبلاد، وسط ترجيحات بأن تضيف صيانة المنشآت الرياضية أعباء مالية إضافية على البلاد، تتراوح بين 4.5 و5.5 ملايين دولار للملعب الواحد سنويا.

بالمقابل أشارت الدراسة نفسها إلى أن القيادة الروسية تعاملت مع البطولة باعتبارها فرصة لتعزيز مكانة البلاد دوليا، وأداة للقوة الناعمة، وسعى الكرملين إلى تقديم روسيا في صورة دولة حديثة تتفاعل بكفاءة ولم تتأثر بالعقوبات الغربية، وأثبتت قدرتها على تنظيم حدث رياضي ضخم على نحو مثالي. وقد كان من أهم نتائج البطولة تقديم روسيا باعتبارها دولة جذابة وآمنة ومضيافة للسياح.

وخلصت الدراسة إلى أن روسيا ترجمت إنفاقها الكبير على المونديال إلى نجاح تسويقي، لكن الأثر الاقتصادي كان ضئيلا، فيما لم يغير كأس العالم الوضع الاقتصادي في البلاد.

مونديال قطر 2022.. نموذج لتسريع التنمية

قدمت نسخة كأس العالم لكرة القدم فيفا قطر 2022 نموذجا لحدث رياضي ربطته الدولة برؤية تنموية بعيدة المدى (رؤية قطر الوطنية 2030)، وجعلت منه عاملا مسرعا لتنفيذ مشاريع البنية التحتية الكبرى في البلاد في أقصر فترة زمنية ممكنة، كما جعلت منه محفزا قويا لدعم مسار تنويع الاقتصاد المحلي بعيدا عن قطاع النفط والغاز، وفرصة لدمج مفهوم الاستدامة في بناء وإدارة الأصول الرياضية.

ورصدت قطر نحو 200 مليار دولار لتنفيذ هذه المشاريع، بينها نحو 7 مليارات دولار فقط خصصت لبناء الملاعب أو تجديدها وفق اشتراطات الاتحاد الدولي لكرة القدم.

وفي تقرير حمل عنوان “كأس العالم لكرة القدم 2022: الأثر الاقتصادي على قطر والآثار الإقليمية غير المباشرة”، ونُشر في فبراير/شباط 2024 اعتبر صندوق النقد الدولي أن قطر نجحت في استضافة بطولة كأس العالم، و”اغتنمت الفرصة لمواصلة تطوير اقتصادها غير النفطي”.

ففي الفترة التي سبقت البطولة “تم تنفيذ برنامج استثماري ضخم امتد عشر سنوات، وقُدرت تكلفته بما يتراوح بين 200 إلى 300 مليار دولار أمريكي، مما أدى إلى إحداث تحول جذري في المشهد الحضري”، بينما ذهبت 6.5 مليارات دولار فقط من هذا المبلغ إلى تطوير البنية الرياضية.

التقرير أشار إلى أنه إضافة إلى تطوير البنية التحتية، اعتبرت الرياضة قطاعا ذا أولوية للتنويع الاقتصادي بموجب إستراتيجية التنمية الوطنية الثانية (2018-2022)، ومثل التقرير لذلك بمشروع أكاديمية أسباير.

وأشار التقرير إلى أن المساهمات طويلة الأجل “كانت كبيرة”، إذ قادت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية العامة قبل البطولة معظم النمو في القطاع غير النفطي أثناء عقد من الزمن.

تقرير الصندوق كشف أن المساهمات قصيرة الأجل في الاقتصاد القطري بسبب إنفاق الزوار وإيرادات البث المرتبطة بالبطولة بلغت نحو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، وجاءت متقاربة مع تجارب الدول الأخرى.

ولم يقتصر الأثر الاقتصادي الإيجابي للمونديال على قطر فحسب، بل تجاوزها إلى الدول المجاورة، إذ أقام جزء كبير من الجماهير في دول مجلس التعاون الخليجي المجاورة وتنقلوا منها، وفق تقرير صندوق النقد.

 

ويعتبر التقرير أن نحو مليون زائر توافدوا إلى قطر خلال البطولة، أقام 300 ألف (0.3 مليون) منهم في الدول المجاورة مستخدمين الرحلات الجوية المكوكية للتنقل إلى قطر.

وعلى المدى البعيد أوصت الدراسة بالاستفادة من البنية التحتية “عالية الجودة” والمكانة العالمية التي حققتها البطولة لتعزيز التنويع الاقتصادي وتحقيق رؤية قطر الوطنية 2030.

وتنسجم هذه التوصية مع مؤشر آخر للنجاح في المستقبل، إذ استطاعت قطر أن تحول المونديال إلى فرصة لدعم القطاع السياحي باعتباره قطاعا يعكس قدرة البلاد على الاستفادة من بنيتها التحتية واستثمار الزخم الذي رافق احتضان هذا الحدث الرياضي الكبير.

وتشير بيانات هيئة قطر للسياحة إلى أن البلاد جذبت 2.56 مليون زائر في عام المونديال (2022) قبل أن يرتفع العدد بشكل كبير في السنوات اللاحقة، إذ انتقل إلى 4 ملايين في عام 2023 (نمو سنوي بـ58%) إلى 5 ملايين في عام 2024 ثم 5.1 ملايين في عام 2025.

وعلى صعيد العائدات جنت قطر ما يعادل 16.6 مليار دولار من إنفاق الزوار، وهو رقم قفز إلى نحو 19.1 مليار دولار عام 2024 (الرقم تقديري)، وفق بيانات المجلس العالمي للسفر والسياحة.

ونتيجة الإنفاق الكبير على تطوير البنية باتت قطر تتوفر على واحد من أفضل المطارات في العالم (مطار حمد الدولي) وشبكة سكك حديد ومترو وطرق بمواصفات عالمية، وهو أمر ينظر إليه على أنه وسيلة لتعزيز قدرة البلد على جذب الاستثمارات الخارجية وتحسين ترتيبها في العديد من المؤشرات الاقتصادية العالمية، كما يعتقد العديد من الخبراء.

ولم يغب عن صانع القرار في الدوحة أن يستفيد من تجارب النسخ السابقة، خاصة ما تعلق باستدامة المنشآت الرياضية وتعزيز الإرث الرياضي، ومواجهة ما بات يعرف بظاهرة “الفيلة البيضاء”، أي تلك الملاعب المهجورة والمعطلة التي تُكلف مبالغ طائلة في بنائها وصيانتها، دون أن يتم تحصيل عوائد من ورائها.

وإلى هذا أشار حسن عبد الله الذوادي، الأمين العام للجنة العليا للمشاريع والإرث في أكثر من مناسبة عندما تحدث عن تصميم بلاده الملاعب بطريقة من شأنها القضاء على “الفيلة البيضاء”.

ودمجت قطر منذ البداية مفهوم الاستدامة، إذ أنشأت ملعب “974 ” باستخدام الحاويات، وجعلته قابلا للتفكيك، علاوة على تصميم ملاعب أخرى يمكن تقليص سعتها.

ولم تقف عند هذا الحدث، بل نظمت عشرات الأحداث الرياضية بعد المونديال لضمان استخدام دائم لهذه المنشآت، وكان من أبرز هذه الأحداث كأس آسيا لكرة القدم يناير/كانون الثاني -فبراير/شباط 2024، كأس القارات للأندية (الفيفا) أواخر عام 2024، وكأس العرب فيفا قطر 2025، هذا الأخير ووفق البيانات ساهم -إلى جانب أحداث أخرى- في دخول أعلى نسبة توافد بـ674 ألف زائر (بزيادة 16% عن الشهر نفسه من العام السابق).

ولم تكن التأثيرات الاجتماعية وتوظيف القوة الناعمة وبناء ما يعرف بـ “العلامة الوطنية” أقل أهمية من المكاسب الاقتصادية التي ميزت كأس العام 2022، بل إن تقارير ودراسات عديدة اعتبرت أن الربح الكبير لقطر كان على صعيد استثمار الحدث منذ لحظة الإعلان عن فوز البلاد باحتضان الكأس (2 ديسمبر/كانون الأول 2010) وحتى تتويج الأرجنتين يوم 18 ديسمبر/كانون الأول 2022.

وشكل تنظيم أول كأس للعالم في المنطقة العربية مناسبة لدولة قطر لتعريف العالم بالثقافة العربية والإسلامية، وبدا ذلك واضحا منذ الوهلة الأولى وحتى لحظة الإعلان عن الفائز، ففي حفل الافتتاح تمت تلاوة آيات من القرآن الكريم وفي نهاية البطولة ارتدى الأسطورة ليون ميسي “البشت” غداة حمله الكأس الذهبية الغالية.

ومن خلال ملاعبها الثمانية حرصت قطر على تقديم تصاميم مستوحاة من الثقافة المحلية وحياة أهل قطر في البادية (ستاد الخيمة)، وستاد لوسيل الذي يستوحي فنون العمارة الإسلامية القديمة والحديثة، كما عكس شعار الدورة شال الصوف المعروف في العالم العربي.

ورغم ما رافق الاستعداد للمونديال من تحديات بدأت بحملات التشويش الإعلامية مرورا بالحصار ثم أزمة وباء كورونا (كوفيد-19) إلا أن قطر نظمت بطولة وصفها رئيس الفيفا إنفانتينو بـ”أفضل نسخة في تاريخ كأس العالم”.

وقبل أيام قليلة من مونديال “الولايات المتحدة – كندا – المكسيك” تطرح العديد من الأسئلة بشأن قدرة كأس العالم على التأثير في اقتصادات كبيرة من هذا الحجم، ومدى حاجة الدول الكبرى لمثل هذه الأحداث الرياضية الضخمة للترويج لثقافتها الوطنية أو تغيير صورة العالم حولها، أو تحقيق مكاسب اجتماعية.

فأمريكا هي أكبر اقتصاد في العالم بواقع 32.4 تريليون دولار، وكندا من بين الأكبر في العالم أيضا بقيمة 2.5 تريليون دولار (الـ11 عالميا)، وكذلك المكسيك بقيمة 2.2 تريليون دولار (الـ13 عالميا).

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...