رسالة مفتوحة إلى الأسرة الجامعية: الكرامة والعدالة الأكاديمية أساس بناء مجتمع المعرفة
بقلم: بلال عنتر طالب بشعبة القانون الخاص جامعة محمد الخامس – الرباط
لم تكن الجامعة المغربية يوماً مجرد جدران لتلقي الدروس واجتياز الامتحانات بل كانت وستظل منارة للفكر والحرية وبناء الوعي القانوني والحقوقي ومن هذا المنطلق أجد نفسي مدفوعاً بكتابة هذه السطور ليس بهدف إثارة جدل شخصي أو البكاء على أطلال واقعة مضت بل رغبة في تحويل تجربة قاسية إلى فرصة للتأمل والإصلاح التربوي والإداري داخل حرمنا الجامعي.
لقد عشت مؤخراً كطالب في السنة الأولى قانون خاص تجربة مريرة أثناء اجتياز امتحان مادة العلاقات الدولية حيث تحول اجتهادي وغزارة إجاباتي في أوراق الامتحان إلى مبرر للشك والارتياب من قِبل أحد الموظفين الإداريين أسفر ذلك عن حملة تفتيش دقيقة ومهينة داخل القاعة وخارجها بذريعة واهية تعتقد أن التمكن المعرفي لا بد أن يكون نتاج وسائل غير مشروعة ورغم أن التفتيش أثبت براءتي التامة إلا أنه كلّفني تشتتاً ذهنياً وضياعاً لوقت ثمين لم يتم تعويضه فضلاً عن الأثر النفسي السيئ الذي خلفه التعامل بمنطق المتهم حتى تثبت براءته.
اليوم وبعد أن أخذت الأمور مجراها الإداري والقانوني وعلمت أن المؤسسة قد تفاعلت مع الموضوع وتم نقل الموظف المعني إلى مؤسسة تعليمية أخرى أعتبر أن طي هذه الصفحة الشخصية هو بداية لفتح صفحة أوسع تُعنى بمصلحة الطالب والجامعة معاً إن الهدف لم يكن يوماً معاقبة شخص بعينه بل القطع مع ثقافة إدارية معزولة لا تتماشى مع التوجهات الكبرى للمملكة في تشجيع البحث العلمي وتخليق الحياة الجامعية.
إننا كطلبة وباحثين في مجال القانون نؤكد تماماً أن محاربة الغش هي مطلب مشروع وقانوني لا غنى عنه لحماية تكافؤ الفرص وضمان مصداقية الشواهد الجامعية لكن السؤال الجوهري هو: كيف نحارب الغش دون أن نغتال كرامة الطالب؟
وفي سياق البحث عن إجابات استوقفتني مؤخراً تدوينة لباحث وأستاذ جامعي مغربي مقيم ببلجيكا قارب فيها المسألة بنوع من التدبير الحضاري الذي يغيب عن بعض مؤسساتنا فقد أشار إلى أن مواجهة الغش في المنظومات التعليمية المتقدمة لا تحتاج إلى ترسانة من أدوات الرقابة الاستثنائية أو الهوس الأمني والمواجهات النفسية المشحونة مع الطلاب.
هناك تُدار العملية في إطار من السلاسة والاحترام المتبادل عبر آليات وقائية تنطلق من إيداع الهواتف والأغراض في أماكن مخصصة بشكل منظم ومحايد قبل بدء الاختبار وصولاً إلى اعتماد معايير شفافة لكل تفاصيل الحركة داخل القاعة تنجح تلك المؤسسات في ضبط الامتحانات بشكل صارم لكن دون أن يشعر الطالب بأنه موضع اتهام مسبق والسر في ذلك ليس العقاب المباغت بل التربية المستمرة على قيم المسؤولية والانضباط الذاتي لتصبح سلوكاً تلقائياً يُثمنه الجميع.
إن إسقاط هذه المقاربات الحضارية على واقعنا الأكاديمي يوضح أن حماية الطالب نفسياً ومعنوياً أثناء الامتحانات هي جزء لا يتجزأ من جودة التعليم وعدالته إن الطالب الذي يملأ أوراقه بالتحليل والجهد يستحق بيئة محفزة وآمنة تضمن له التركيز لا أجواء مشحونة بالشكوك الجائرة.
أتوجه بهذه الرسالة إلى كافة المسؤولين عن الشأن الأكاديمي والتربوي وإلى رئاسة جامعة محمد الخامس وعمادة الكلية مؤكداً أن الجامعة شريك، والطالب هو الركيزة الأساسية في بناء مغرب الغد وحفظ كرامته هو الخط الأحمر الذي لا يجب تنحيته تحت أي ظرف أو ذريعة.
أتمنى أن تكون هذه الواقعة درساً عابراً يسهم في مراجعة وتطوير آليات التعامل الإداري والتربوي مع الطلبة لتظل الجامعة المغربية فضاءً يبعث على الطمأنينة والإبداع وساحة للعلم والكرامة.





