أطلق المغرب واحدة من أكبر عمليات التعبئة القنصلية التي شهدتها شبكته الدبلوماسية في الخارج خلال السنوات الأخيرة، وذلك لمواكبة آلاف المواطنين المغاربة المقيمين في إسبانيا الراغبين في الاستفادة من عملية التسوية الاستثنائية لأوضاع العمال الأجانب التي أطلقتها الحكومة الإسبانية، في خطوة تكشف حجم الرهانات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بأكبر جالية مغربية مقيمة خارج التراب الوطني.
ومع اقتراب الموعد النهائي المحدد في 30 يونيو الجاري لاستكمال ملفات التسوية، وجدت القنصليات المغربية المنتشرة عبر مختلف المدن الإسبانية نفسها أمام ضغط استثنائي نتيجة الإقبال الكبير للمواطنين الراغبين في استيفاء الشروط القانونية التي تفرضها السلطات الإسبانية وعلى رأسها التوفر على جواز سفر ساري المفعول وشهادة السوابق العدلية الصادرة عن بلد الأصل وهي وثائق أساسية لا تسمح المنصة الرقمية الإسبانية المعتمدة في معالجة الطلبات بأي هامش للخطأ أو النقص فيها.
وتكتسي هذه العملية أهمية خاصة بالنظر إلى حجم الجالية المغربية في إسبانيا التي أصبحت اليوم أكبر جالية أجنبية داخل المملكة الإيبيرية، بعدما تجاوز عدد أفرادها مليون شخص وهو ما يجعلها الجالية الأجنبية الوحيدة التي تخطت هذا السقف الديمغرافي داخل إسبانيا بمتوسط عمر لا يتجاوز 34 سنة الأمر الذي يمنحها ثقلا اقتصاديا واجتماعيا متزايدا داخل سوق الشغل الإسباني.
وجاءت هذه التعبئة القنصلية عقب دخول المرسوم الملكي القانون الإسباني الجديد حيز التنفيذ خلال شهر أبريل الماضي، والذي فتح نافذة جديدة لتسوية أوضاع عدد كبير من العمال الأجانب المقيمين في البلاد.غير أن الاستفادة من هذا المسار القانوني ظلت رهينة باستكمال ملفات إدارية دقيقة، ما دفع السلطات المغربية إلى التحرك بشكل استباقي لتفادي إقصاء مواطنيها من هذه الفرصة بسبب عراقيل إدارية أو تقنية.
وبحسب معطيات أوردتها وسائل إعلام إسبانية، فإن السفارة المغربية في مدريد أشرفت على تنفيذ خطة استثنائية شملت مختلف القنصليات المغربية الاثنتي عشرة بإسبانيا حيث تم تمديد ساعات العمل اليومية وتعزيز الموارد البشرية عبر تعبئة موظفين إضافيين من المصالح المركزية فضلا عن فتح المكاتب القنصلية خلال عطلات نهاية الأسبوع بشكل استثنائي من أجل معالجة أكبر عدد ممكن من الطلبات في وقت قياسي.
وشهدت قنصليات مدريد وبرشلونة ومورسيا وألميريا والجزيرة الخضراء تدفقا غير مسبوق للمرتفقين خلال الأسابيع الأخيرة، حيث اصطف آلاف المغاربة من أجل الحصول على الوثائق المطلوبة قبل انقضاء المهلة القانونية إلا أن هذا الضغط الكبير لم يؤد إلى شلل في الخدمات، بل قابلته السلطات المغربية بمقاربة وصفتها الصحيفة الإسبانية “ألتالار” بـ”التعبئة المؤسساتية الواسعة”، بهدف ضمان عدم سقوط أي ملف بسبب التأخر الإداري أو الاكتظاظ.
وفي قلب هذه العملية، برز دور الوثائق الأمنية والإدارية التي تصدرها السلطات المغربية باعتبارها عنصرا حاسما في مسار التسوية، فالحصول على شهادة السوابق العدلية أو البطاقة الأنثروبومترية يمر عبر سلسلة من عمليات التحقق والتدقيق التي تنجز بتنسيق مباشر مع مصالح المديرية العامة للأمن الوطني، وهو ما يمنح هذه الوثائق درجة عالية من المصداقية القانونية أمام الإدارات الأوروبية، ويضمن في الوقت نفسه سلامة المعطيات المتعلقة بالمستفيدين.
كما كثفت السلطات المغربية وتيرة إنتاج وتسليم جوازات السفر البيومترية، التي يتم إصدارها مركزيا بالمغرب وفق المعايير الدولية المعتمدة، حيث جرى تعزيز عمليات نقل الوثائق نحو إسبانيا عبر الحقائب الدبلوماسية من أجل تقليص فترات الانتظار وتسريع تسليم الجوازات للمواطنين المستعجلين لاستكمال ملفاتهم.
ولا ينفصل هذا التحرك عن التحولات العميقة التي تعرفها الجالية المغربية في إسبانيا خلال السنوات الأخيرة، فالمغاربة يشكلون اليوم إحدى الركائز الأساسية لسوق الشغل الإسباني خاصة في قطاعات الفلاحة والبناء والخدمات والسياحة والفندقة والصناعات التحويلية.
وتشير أحدث بيانات السلطات الإسبانية إلى أن المغاربة يتصدرون قائمة العمال الأجانب المنخرطين في منظومة الضمان الاجتماعي الإسبانية، وهو ما يعكس حجم مساهمتهم في الاقتصاد الإسباني ومكانتهم داخل النسيج الإنتاجي للبلاد.
كما تكتسي هذه العملية بعدا اقتصاديا مهما بالنسبة للمغرب نفسه، بالنظر إلى الدور المتنامي لتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج فقد تجاوزت تحويلات الجالية المغربية خلال السنوات الأخيرة مستويات قياسية حيث أصبحت تشكل أحد أهم مصادر العملة الصعبة للمملكة، متقدمة على عدد من القطاعات التقليدية ولذلك فإن تسوية أوضاع العمال المغاربة بإسبانيا لا ترتبط فقط بضمان حقوقهم القانونية والاجتماعية بل أيضا بالحفاظ على استقرار مصدر اقتصادي استراتيجي بالنسبة للمغرب.
وهذه التعبئة القنصلية تمثل ترجمة عملية للتوجه الذي تبنته المملكة خلال السنوات الأخيرة والقائم على جعل مغاربة العالم في صلب السياسات العمومية فمنذ الخطابات الملكية المتتالية الداعية إلى تعزيز الخدمات الموجهة للجالية وتحسين علاقتها بالإدارة المغربية شهدت الشبكة القنصلية سلسلة من الإصلاحات الرامية إلى تقريب الخدمات من المواطنين وتسريع المساطر الإدارية وتبسيطها.
وتكتسب العملية الحالية بعدا استراتيجيا إضافيا لكونها تتزامن مع انطلاق عملية “مرحبا 2026″، التي تعد أكبر عملية عبور للمسافرين بين أوروبا وإفريقيا، فالمؤسسات المغربية وجدت نفسها أمام تحد مزدوج يتمثل في تدبير عودة ملايين المغاربة المقيمين بالخارج خلال موسم الصيف، وفي الوقت نفسه مواكبة آلاف الملفات المرتبطة بعملية التسوية الإسبانية وهو ما اعتبرته الصحيفة الإسبانية دليلا على القدرات التنظيمية واللوجستية التي راكمتها الإدارة المغربية خلال السنوات الأخيرة في تدبير الملفات العابرة للحدود.
كما يأتي هذا الحراك في سياق التحسن اللافت الذي عرفته العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة، حيث تحولت الهجرة والتعاون القنصلي إلى أحد أبرز مجالات التنسيق بين الرباط ومدريد فبعد مرحلة من التوتر الدبلوماسي أعادت الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وضع قضايا الهجرة والتنقل وسوق الشغل في صدارة الأولويات المشتركة وهو ما انعكس على مستوى التعاون المؤسساتي بين الجانبين.
المصدر: الصحيفة





