العمر الكربوني.. كيف يقدّر العلماء عمر الأحافير؟

إيطاليا تلغراف متابعة

في عام 2013، اكتشف باحثون بين ثنايا طبقات الرماد البركاني والرواسب القديمة في أقاصي شمال شرقي إثيوبيا، فكا سفليا فيه 5 أسنان سليمة. وبعد البحث تبيّن أنه يعود إلى ما قبل 2.8 مليون سنة، وهو ما أعاد تأريخ عمر البشرية بأكملها بوصفه أقدم دليل على وجودها.

ولكن كيف تمكّن العلماء من تحديد عمر هذه الأحفورة؟

تُسمى هذه البقايا أو الآثار المحفوظة في الصخور بالأحافير (Fossils). ويهتم علم الأحافير (Palaeontology) بدراسة هذه البقايا لفهم أشكال الحياة القديمة ونشأتها وتطورها، وهو يختلف عن علم الآثار (Archaeology) المعني أكثر بدراسة التاريخ البشري وآثار أفعال البشر على مر التاريخ.

وتختزل الأحافير ألغازا زمنية ضاربة في القدم تكشف في كثير من الأحيان تفاصيل مفصلية عما كان من التاريخ السحيق. ولفك رموز هذه الألغاز الزمنية، يعتمد العلماء على مسارين متكاملين من التأريخ.

ويحدد التأريخ النسبي تسلسل الأحداث وترتيبها لمعرفة أيها أقدم من الآخر استنادا إلى تموضع الطبقات الأرضية، في حين يعطي التأريخ المطلق الفترة الزمنية الدقيقة التي تعود إليها الأحفورة، وبين هذين المسارين يتمكن علماء الأحافير من رسم لوحة مكتملة لتاريخ الأشياء.

ما الأحافير؟

تُعرف الأحافير بأنها البقايا أو الآثار المحفوظة للكائنات الحية التي عاشت في الماضي السحيق داخل الصخور الرسوبية. وتنقسم هذه الأحافير إلى قسمين: الأحافير الجسدية (Body Fossils) والأحافير الأثرية (Trace Fossils).

وتمثل الأحافير الجسدية الأجزاء الفعلية من الكائن الحي، مثل العظام والأسنان والأصداف وأوراق النباتات. أما الأحافير الأثرية فهي لا تحتفظ بجسد الكائن، بل تسجل نشاطه وسلوكه، مثل آثار الأقدام والمسارات والجحور ومخلفات الكائنات الحية.

تُسمى دراسة انتقال الكائن الحي من المحيط الحيوي إلى الغلاف الصخري بعلم التاريخ الحفري (Taphonomy). وتبدأ عملية التحفر بموت الكائن الحي وتحلل أجزائه الرخوة.

ويجب توافر شروط مثالية لضمان حفظ الأحفورة، وأهمها الدفن السريع تحت طبقات الرواسب، مما يمنع وصول الأكسجين ويحمي البقايا من عوامل التحلل والحيوانات التي تتغذى على جيف الكائنات الأخرى.

كما تزيد فرصة التحفر إذا كان الكائن يمتلك أجزاء صلبة تقاوم التحلل، وإذا كان يعيش في بيئات ترسيبية كالمحيطات والبحيرات عوضا عن البيئات البرية المعرضة للتعرية.

أنواع الأحافير

تتعدد طرق الحفظ التي تحول هذه البقايا إلى أحافير استنادا إلى الظروف الكيميائية والفيزيائية. ومن أبرز هذه الطرق التمعدن (Permineralization)، إذ تتغلغل المياه الجوفية المحملة بالمعادن في مسامات العظام أو الخشب لتترسب فيها مواد معدنية جديدة.

وهناك طريقة التفحم (Carbonization)، وتحدث للعديد من النباتات، فتتعرض البقايا للضغط الشديد مما يؤدي إلى طرد الغازات والسوائل وبقاء طبعة كربونية رقيقة تحفظ شكل الكائن.

كما توجد القوالب والنسخ (Molding and casting)، وتتكون عندما تتحلل الصدفة أو العظمة تاركة فراغا داخل الصخر يُسمى القالب، وإذا امتلأ هذا الفراغ بالرواسب أو المعادن فيما بعد، فإنه يشكل نسخة مطابقة لشكل الكائن الأصلي.

إلى جانب هذه الأنواع المرئية، توجد الأحافير الميكروسكوبية (Microfossils)، وهي بقايا دقيقة جدا تتطلب استخدام المجاهر لدراستها.

كما يدرس الباحثون الأحافير الكيميائية (Biomarkers) التي لا تحتفظ بأي أثر جسدي، بل تترك بصمات جيوكيميائية ونظائر مستقرة في الصخور. ولهذه الآثار دور حاسم في الكشف عن أشكال الحياة القديمة، بفضل تقنيات التأريخ الجيوكيميائي المتقدمة.

السلم الجيولوجي

لفهم أعمار هذه الأحافير، يضع العلماء تاريخ الأرض ضمن إطار مرجعي يُسمى السلم الجيولوجي (Geologic time scale)، الذي يؤطر عمر الكوكب إلى حقب كبرى استنادا إلى التغيرات الحيوية والجيولوجية:

  • الحقبة القديمة (Paleozoic Era): 541-252 مليون عام.
  • الحقبة الوسيطة (Mesozoic Era): 252-66 مليون عام، وتُعرف بعصر الديناصورات.
  • الحقبة الحديثة (Cenozoic Era): بدأت منذ 66 مليون عام وتستمر حتى يومنا هذا، وتُعرف بحقبة الثدييات.

أين نجد الأحافير؟

يبحث علماء الأحافير عن البقايا القديمة في البيئات التي تتكشف فيها الصخور الرسوبية، وتعتبر الصحاري من أفضل الأماكن لهذا الغرض، كما ورد في مثال إثيوبيا السابق، وذلك نظرا لغياب الغطاء النباتي الذي يحجب الصخور.

وتستهدف فرق البحث الصخور الرسوبية تحديدا لأنها تتشكل عبر تراكم طبقات الرمال والطين التي تطمر الكائنات الحية وتحفظها بمرور الزمن، بخلاف الصخور النارية أو المتحولة التي تتعرض لحرارة وضغط كبيرين يدمران أي أثر للحياة.

لتحديد مواقع البحث، يعتمد الباحثون على علم الطبقات والخرائط الجيولوجية التي توضح أعمار الصخور في مناطق متعددة. وعندما يرغب العلماء في العثور على أحافير تعود إلى حقبة زمنية معينة، فإنهم يبحثون في الخرائط عن المناطق التي تنكشف فيها الصخور الرسوبية التي ترسبت في تلك الحقبة المحددة، مما يسهل عملية الوصول إلى الهدف المنشود دون هدر للوقت.

مراحل اكتشاف الأحافير

يمكن تلخيص اكتشاف الأحافير الميدانية في المراحل التالية:

  • الاستكشاف: مسح مساحات واسعة بالمشي على الأقدام للبحث عن شظايا عظمية جرفتها عوامل التعرية إلى أسفل التلال.
  • التنقيب: عند العثور على موقع واعد، تبدأ مرحلة التنقيب باستخدام أدوات من المطارق الدقيقة إلى آلات الحفر الثقيلة لإزالة الصخور المحيطة.
  • التخطيط: رسم خريطة دقيقة للموقع لتوثيق الوضع الأصلي للبقايا قبل تحريكها.

يتخلل هذه العملية عدد من المشاكل الحساسة، منها مثلا حماية الأحافير وصورتها الأصلية أثناء نقلها. لتجاوز ذلك، يصنع العلماء غلافا واقيا من الجص، فتغطى العظام بمواد عازلة كالورق، ثم تلف بأشرطة خيش مشبعة بالجص السائل، لتتصلب وتشكل درعا متينا يحميها أثناء رحلة العودة إلى المختبر.

كيف يحدد العلماء تاريخ الأحافير؟

تنقسم طرق التأريخ إلى طريقتين أساسيتين، هما التأريخ النسبي (Relative Dating) والتأريخ المطلق أو الإشعاعي (Absolute Dating).

يعتمد التأريخ النسبي على تحديد تسلسل الأحداث الجيولوجية لمعرفة أيها أقدم من الآخر دون إعطاء أرقام دقيقة للعمر.

ويرتكز هذا المسار على علم الطبقات (Stratigraphy). ومن أهم مبادئه الأفقية الأصلية (Original Horizontality) الذي ينص على أن الرواسب تتشكل في الأصل كطبقات أفقية، وقانون تعاقب الطبقات (Superposition) الذي يفيد بأن الطبقات السفلية هي الأقدم والطبقات التي تعلوها هي الأحدث، ما لم تتعرض لتشوه لاحق.

لربط هذه الطبقات من الناحية الجغرافية، يعتمد الباحثون على الأحافير المرشدة (Index Fossils)، وهي بقايا كائنات حية تمكن العلماء من مضاهاة الصخور في مناطق مختلفة.

وحتى تصنف الأحفورة “مرشدة “، يجب أن تستوفي شروطا رئيسية، أهمها أن يكون لها نطاق زمني جيولوجي قصير، وأن تتميز بانتشار جغرافي واسع على مستوى العالم، وأن تمتلك خصائص شكلية مميزة تسهل التعرف عليها بين الأنواع الأخرى.

وتكمن كفاءة التأريخ النسبي في قدرته على ترتيب الأحداث، ولكنه يعجز عن إعطاء عمر محدد بالسنوات، وهنا يأتي دور التأريخ الإشعاعي المطلق ليكمل الصورة.

يقوم التأريخ المطلق على النظائر المشعة (Radioactive Isotopes) التي توجد بشكل طبيعي في بعض المعادن. تتحلل هذه النظائر غير المستقرة بمعدل ثابت ومستقل عن العوامل البيئية لتتحول إلى نظائر مستقرة، أي أنها تتحول من حالة إلى حالة أو عنصر إلى عنصر بمعدل ثابت ومستقر، مثل تحول اليورانيوم-235 إلى الرصاص-207.

وتُستخدم هذه الخاصية لحساب عمر الأحفورة من خلال ما يُعرف بعمر النصف (Half-Life)، أي نصف الزمن اللازم لتحول كامل كمية النظير المشع الموجودة إلى المستقر. فإذن يمكن حساب عمر المعدن بدقة من خلال حساب نسبة النظير المشع، أو النظير الأم، (Parent Isotope) إلى النظير المستقر، أو نظير الابنة (Daughter Isotope)، باستخدام معادلات أسية.

ويُستخدم تأريخ الكربون-14 لتحديد أعمار العينات العضوية الحديثة، مثل العظام والخشب، ويبلغ عمر النصف له نحو 5730 عاما. يقتصر استخدام هذه الطريقة على العينات التي لا يتجاوز عمرها 50 ألف عام، مما يجعلها غير صالحة لتأريخ أحافير الديناصورات التي انقرضت منذ ملايين السنين، لعدم بقاء أي كمية قابلة للقياس من الكربون فيها.

في هذه الحالة تُستخدم عناصر ذات عمر نصف طويل كاليورانيوم-238 (عمر نصف 4.5 مليار عام)، أو البوتاسيوم-الأرجون لتأريخ الصخور البركانية، أو اليورانيوم-235 إلى الرصاص-207 (عمر نصف 704 ملايين سنة).

فلنتخيل مثالا يعتمد على تحلل اليورانيوم-235 إلى الرصاص-207. لنفترض أننا وجدنا معدنا كان عند تكونه يحتوي على كمية معينة من اليورانيوم-235، ولم يكن يحتوي على أي ذرات من الرصاص-207.

ويبلغ نصف عمر اليورانيوم-235 نحو 704 ملايين سنة، وهي المدة اللازمة لتحلل نصف كمية اليورانيوم الموجودة وتحولها إلى رصاص-207. فإذا فحص العلماء هذا المعدن ووجدوا أن نصف اليورانيوم الأصلي قد تحول إلى رصاص، فإن ذلك يعني أن عمر المعدن يساوي نصف عمر اليورانيوم-235، أي نحو 704 ملايين سنة.

إلى جانب المسارات الإشعاعية، يعتمد العلماء على طرق مساندة لتقدير الأعمار. من أبرز هذه التقنيات:

  • المغناطيسية القديمة (Paleomagnetism)، التي تدرس اتجاهات المجال المغناطيسي المحفوظة في الصخور
  • التأريخ باللمعان (Luminescence Dating)، الذي يقيس الزمن المنقضي منذ آخر تعرض للمعادن للضوء أو الحرارة
  • تحليل الأحماض الأمينية (Amino Acid Racemization)، الذي يراقب التغير في هيكلها الكيميائي بعد الموت.

تُستخدم هذه الطرق لتوكيد دقة نتائج التأريخ الإشعاعي والنسبي، إذ يتزايد قدر الثقة في تقدير ما عندما تتقاطع نتائج أساليب مستقلة ومتعددة لتعطي العمر نفسه للعينة ذاتها.

النظرة إلى الأحافير عبر الزمن

قبل ظهور العلم الحديث، سادت تفسيرات سحرية وأسطورية لوجود الأحافير. في العصور الرومانية والوسطى، فسر الناس أسنان أسماك القرش الأحفورية على أنها ألسنة حجرية، واعتقدوا أنها ألسنة أفاع متحجرة تقي من السموم.

كما برزت نظريات تفيد بأن قوة تشكيلية داخل الأرض هي التي كونت هذه البقايا لتشبه الكائنات الحية. وظل هذا الفهم قاصرا حتى عصر النهضة، حين أدرك ليوناردو دافينشي ثم نيكولا ستينو في القرن السابع عشر أن هذه البقايا تعود إلى كائنات بحرية حقيقية عاشت في عصور سحيقة، مما مهد الطريق لتأسيس العلم الأحفوري.

لعبت الأحافير دورا حاسما في بناء السلم الجيولوجي في القرن التاسع عشر قبل اكتشاف الإشعاع. فبفضل مبدأ التعاقب الحيوي الذي أرساه العالم ويليام سميث، تمكن الباحثون من ربط الطبقات الصخرية عبر مسافات شاسعة، وترتيب الحقب والعصور ترتيبا نسبيا، وتسمية الأنظمة الجيولوجية المختلفة.

ومع مطلع القرن العشرين، أحدث اكتشاف النشاط الإشعاعي ثورة علمية كبرى، فتحول السلم الجيولوجي من مجرد ترتيب نسبي للطبقات إلى إطار زمني دقيق مدعوم بأرقام محددة.

وأتاح هذا التطور إمكانية تثبيت أعمار الأحداث الكبرى في تاريخ الكوكب، مثل تحديد عمر الأرض بمليارات السنين ومعرفة توقيت انقراض الديناصورات.

ورغم هذا التحول الجذري نحو التأريخ المطلق، لم تلغ هذه الثورة الإشعاعية قيمة التأريخ النسبي، بل تضافرت معه، وحافظت الأحافير على دورها المحوري أداة أساسية لا غنى عنها في مضاهاة الصخور وتوثيق مراحل تطور الحياة.

المصدر: الجزيرة


شاهد أيضا
تعليقات
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء اصحابها وليس عن رأي جريدة إيطاليا تلغراف.
تعليقات الزوار
Loading...