أصدرت المحكمة الابتدائية بمراكش، مساء الاثنين حكما يقضي بإدانة مؤثرة فرنسية من أصل جزائري بالسجن النافذ لمدة سنة واحدة وغرامة مالية قدرها 2000 درهم، وذلك على خلفية متابعتها في ملف يتعلق بنشر محتويات رقمية وصفتها السلطات القضائية بأنها تتضمن عبارات تشهير وإهانة واتهامات موجهة إلى موظفين عموميين ومؤسسات خاضعة للحماية القانونية.
وبحسب المعطيات التي حصلت عليها “الصحيفة”، فإن القضية تعود إلى مقاطع فيديو ورسائل نشرتها المعنية بالأمر عبر حسابها على منصة “تيك توك” أثناء إقامتها بمدينة مراكش، قبل أن تنتشر بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وتثير تفاعلات كبيرة، بالنظر إلى طبيعة المضامين التي تضمنتها والتي اعتبرت وفق مصادر مطلعة على الملف متجاوزة لحدود حرية التعبير ومشتملة على اتهامات مباشرة لموظفين عموميين دون تقديم أدلة أو سلوك المساطر القانونية المعمول بها.
وأوضحت المصادر ذاتها أن النيابة العامة المختصة تعاملت مع القضية منذ بدايتها باعتبارها تتعلق بأفعال قد تندرج ضمن جرائم التشهير والقذف وإهانة موظفين عموميين أثناء مزاولتهم لمهامهم، فضلا عن المس بمؤسسة عمومية منظمة بموجب القانون، وهو ما دفع إلى فتح بحث قضائي والاستماع إلى مختلف الأطراف المعنية وتجميع الأدلة الرقمية المرتبطة بالمحتويات المنشورة.
وأكدت المصادر أن التحقيقات التقنية التي باشرتها المصالح المختصة ركزت على مضمون التسجيلات والمنشورات التي تم تداولها وعلى طبيعة الاتهامات التي وجهتها صاحبة الحساب إلى عناصر مكلفة بتطبيق القانون، مشيرة إلى أن الملف لم يرتبط فقط بما تم نشره من انتقادات أو تعليقات وإنما بالصيغة التي قدمت بها تلك المعطيات وما تضمنته من اتهامات اعتبرتها السلطات القضائية ذات طابع تشهيري.
وفي تطور لافت، أصدرت الجهات القضائية المختصة مذكرة بحث على الصعيد الوطني في حق المعنية بالأمر قبل أن تتمكن مصالح الأمن الوطني بمطار مراكش المنارة من توقيفها يوم السبت 13 يونيو الجاري، بينما كانت تستعد لمغادرة التراب المغربي على متن رحلة جوية متجهة نحو فرنسا.
وحسب المصادر نفسها، فإن عملية التوقيف تمت بشكل قانوني وعادي فور تنقيط المعنية بالأمر في قاعدة البيانات الأمنية، حيث أظهرت نتائج التنقيط أنها موضوع مذكرة بحث قضائية، ليتم إخضاعها للإجراءات القانونية الجاري بها العمل وإحالتها على النيابة العامة المختصة.
وأضافت المصادر أن المؤثرة البالغة من العمر ثلاثين سنة خضعت للاستنطاق حول مضمون المحتويات المنشورة والاتهامات التي تضمنتها، قبل أن تقرر النيابة العامة متابعتها في حالة اعتقال وإحالتها على المحكمة الابتدائية بمراكش التي باشرت النظر في الملف خلال جلسات متتالية انتهت بإصدار الحكم الابتدائي.
وكشفت مصادر “الصحيفة” أن الملف أثار اهتماما واسعا داخل الأوساط القانونية بالنظر إلى طبيعته المرتبطة باستعمال منصات التواصل الاجتماعي وبالحدود الفاصلة بين حرية التعبير والانتقاد من جهة، وبين التشهير والقذف وتوجيه اتهامات علنية إلى أشخاص أو مؤسسات دون سلوك المساطر القانونية من جهة أخرى.
وفي هذا السياق، أوضح مصدر قانوني متابع للملف أن “القضاء لم يتعامل مع القضية باعتبارها مجرد تعبير عن رأي أو انتقاد لمرفق عمومي، بل انصب النقاش القانوني على طبيعة الاتهامات المنشورة وعلى ما إذا كانت تشكل مسا بحقوق الغير أو اتهاما مباشرا لموظفين عموميين بارتكاب أفعال مجرمة دون تقديم ما يثبت ذلك”، مضيفا أن “القوانين الجاري بها العمل تميز بين الحق في التعبير والانتقاد وبين نشر اتهامات أو معطيات تمس بسمعة الأشخاص والمؤسسات”.
وتندرج هذه القضية ضمن سلسلة من الملفات التي أصبحت تطرح بقوة أمام المحاكم خلال السنوات الأخيرة، مع تنامي تأثير المؤثرين وصناع المحتوى الرقمي واتساع نطاق المتابعة التي تحظى بها منشوراتهم، وما يرافق ذلك من نقاش متزايد حول المسؤولية القانونية للمحتوى المنشور عبر المنصات الرقمية، سيما وأن المعنية ظهرت في مقاطع فيديو وهي تسيئ للمغرب وتتهم الشرطة بتلقي الرشاوي.
وأعادت هذه القضية إلى الواجهة الجدل المتواصل بشأن حدود استعمال وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة عندما يتعلق الأمر بتوجيه اتهامات بالفساد أو سوء استعمال السلطة أو التجاوزات الإدارية، حيث يؤكد مختصون أن القانون يتيح للمواطنين حق التبليغ والطعن والتظلم، لكنه يفرض في المقابل ضوابط قانونية محددة عند توجيه اتهامات علنية قد تمس بالأشخاص أو بالمؤسسات.
ويعكس الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بمراكش توجها متزايدا نحو التشدد في مواجهة المضامين الرقمية التي تعتبرها السلطات القضائية متجاوزة للضوابط القانونية، في وقت تتزايد فيه القضايا المرتبطة بجرائم التشهير والقذف والإساءة عبر الوسائط الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي.
المصدر: الصحيفة





