من الجفاف إلى تضارب المعطيات واستفادة كبار المستوردين.. تقرير يفكك أسباب أزمة أسعار الأضاحي ويطالب بإصلاح شامل لمنظومة تسويق الماشية بالمغرب
قالت العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان إن أزمة أسعار أضاحي عيد الأضحى بالمغرب خلال سنة 2026 تعكس اختلالات هيكلية متراكمة داخل منظومة تربية وتسويق الماشية، معتبرة أن ما شهده السوق الوطني لا يمكن اختزاله في ظرفية موسمية أو في تداعيات الجفاف وحدها، بل يرتبط أيضا بضعف الحكامة، واختلال آليات الضبط والرقابة، وعدم نجاعة السياسات العمومية الرامية إلى حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان الأمن الغذائي.
وأوضحت العصبة، في تقرير مفصل خصص لتقييم أوضاع سوق الماشية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، أن إصدار هذه الوثيقة يأتي في إطار تتبع مدى احترام الحق في مستوى معيشي لائق والحق في الغذاء والقدرة الشرائية، مبرزة أن التقرير يستند إلى قراءة حقوقية ترصد مختلف العوامل التي أفرزت أزمة الأضاحي خلال سنة 2026.
واستحضرت العصبة، في هذا السياق، القرار الملكي القاضي بعدم إقامة شعيرة أضحية عيد الأضحى سنة 2025، معتبرة أن ذلك القرار جاء آنذاك استجابة للظروف المناخية الاستثنائية التي عرفتها المملكة، وحماية للثروة الحيوانية الوطنية، وتخفيفا للأعباء الاقتصادية عن الأسر، قبل أن تجعل منه مرجعا لتقييم مدى نجاح التدابير المتخذة خلال السنة الموالية.
وبحسب التقرير، فإن أسعار الأضاحي سجلت خلال موسم 2026 مستويات وصفتها العصبة بغير المسبوقة، بعدما تراوح الحد الأدنى لثمن الأضحية المتوسطة أو الصغيرة بين 2500 و3000 درهم، بزيادة تراوحت بين 700 و1300 درهم مقارنة بموسم 2024، وهو ما اعتبرت أنه دفع أعدادا كبيرة من الأسر، خاصة محدودة ومتوسطة الدخل، إلى العزوف عن اقتناء الأضحية نتيجة تراجع قدرتها الشرائية وعدم قدرتها على مجاراة الارتفاعات المتسارعة في الأسعار.
وسجلت العصبة أن من أبرز مظاهر الأزمة تضارب المعطيات الرسمية المرتبطة بحجم القطيع الوطني، مشيرة إلى أن الأرقام المتداولة تراوحت بين 32 مليونا و40 مليون رأس، وهو ما اعتبرته مؤشرا على غياب الدقة في المعطيات الإحصائية، الأمر الذي انعكس، بحسب التقرير، على مستوى ثقة المواطنين في المؤسسات، وأضعف قدرة صناع القرار على وضع سياسات مبنية على بيانات دقيقة تسمح بتقدير العرض والطلب وتوقع تطورات السوق.
ويرى التقرير أن أحد أهم أسباب استمرار الغلاء يتمثل في هيمنة الوسطاء أو ما يعرف بـ”الشناقة” على مختلف حلقات تسويق الماشية، حيث اعتبرت العصبة أن تعدد المتدخلين بين المربي والمستهلك يؤدي إلى تضخم الأسعار بشكل متواصل، ويقلص من هامش ربح الكساب الصغير، مقابل تحميل المستهلك النهائي كلفة إضافية لا تعكس القيمة الحقيقية للماشية عند مصدرها.
كما خصص التقرير حيزا لتقييم سياسة الدعم العمومي الموجهة لاستيراد الماشية، مبرزا أن الحكومة اعتمدت دعما مباشرا بقيمة 500 درهم عن كل رأس مستورد، إلى جانب إعفاءات ضريبية وجمركية لفائدة المستوردين، لكن العصبة اعتبرت أن هذه التدابير لم تحقق الهدف المعلن المتمثل في خفض الأسعار داخل الأسواق الوطنية، بل إن آثارها الإيجابية لم تنعكس، وفق التقرير، على المستهلك، بينما استفاد منها بالأساس كبار الفاعلين الاقتصاديين العاملين في مجال الاستيراد.
وفي السياق نفسه، انتقدت العصبة محدودية فعالية أجهزة المراقبة، معتبرة أن تدخلات اللجان المختصة انصبت في الغالب على الجوانب الصحية والتنظيمية للأسواق، دون أن تمتد إلى مراقبة الممارسات الاحتكارية والمضاربات وآليات تكوين الأسعار، وهو ما سمح، بحسب التقرير، باستمرار اختلالات المنافسة وغياب الردع الكافي للممارسات التي تضر بالمستهلك.
وحمل التقرير مسؤولية هذه الوضعية لعدة قطاعات ومؤسسات عمومية، من بينها القطاعات الحكومية المشرفة على الفلاحة والتجارة والداخلية، بسبب ما وصفه بضعف التوقعات الاستباقية وتدبير السوق، كما أشار إلى المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية فيما يتعلق بالشفافية الإحصائية، فضلا عن محدودية الدور الزجري لمختلف أجهزة الرقابة في التصدي للتجاوزات وحماية حقوق المستهلكين.
وسجلت العصبة ما اعتبرته غيابا ميدانيا أكثر فعالية لمجلس المنافسة خلال ذروة الأزمة، رغم أهمية الأدوار المنوطة به في تتبع أوضاع المنافسة داخل الأسواق، كما شددت على ضرورة تمكين جمعيات حماية المستهلك والهيئات المدنية والحقوقية من وسائل قانونية وإجرائية أوسع تسمح لها بالمساهمة في مراقبة سلاسل التوزيع والترافع من أجل حماية المستهلكين وضمان شفافية تكوين الأسعار.
وأكد التقرير أن قراءته للأزمة تستند إلى المرجعيات الدستورية والقانونية الوطنية، وفي مقدمتها مقتضيات دستور 2011 المتعلقة بالحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة والحق في الحصول على المعلومة، إضافة إلى قانون حرية الأسعار والمنافسة، وقانون حماية المستهلك، فضلاً عن الالتزامات الدولية للمغرب بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
المصدر: الصحيفة





